كان مجلس الأمن يبحث في الصيغة التي يصف بها الحالة في الشرق الأدنى؛ فاختلف المشرق والمغرب على «الوصفة» ولا خلاف — في الواقع — على الداء الذي يطلبون له الدواء.

قال أناس: إنها حالة ذات خطر مخيف.

وقال آخرون: بل هي حالة غير مرضية.

وبينما هم يختلفون على الوصف أو الوصفة، إذا بالداء الأصيل يعلن عن نفسه بلسان لا يقبل الخلاف.

الداء الأصيل داء إسرائيل؛ إنهم قوم لا يعقلون.

إنهم يريدون شيئًا لا يمكن أن يكون، ولا يمكن أن يُقبل، ولا يمكن أن يُصِرَّ عليه من يسوقونهم إليه.

إنهم يريدون أن يوازنوا خمسين مليونًا من العرب بمليون ونصف مليون من شُذَّاذِ الآفاق.

هذا لا يكون ولو اجتمع عليه الثَّقَلان.

أما الذي يكون — وهو كائن حتمًا — فهو علم الأمم جميعًا بالخطر الدائم من قيام عصابة لا تَعقِل على مُفتَرَق القارات الثلاث.

وستعلم الأمم جميعًا بذلك الخطر المُحقَّق الذي تضيق فيه شُقة الخلاف يومًا بعد يوم، وليست نتيجة ذلك العلم أن تتعادل كِفتان في الميزان لا تقبلان التعادُل بحال، ولكنها نتيجة واحدة لا ثانية لها.

وستعلمها إسرائيل، وستعلمها الدنيا طوعًا أو كرهًا إن جهلتها إسرائيل.

يوم الرؤية

بشائر رمضان في كل مكان.

وأول بشائره أكياس النُّقل والمكسرات أو «الياميش» التي تزدحم بها الأرصفة وشواكل الطرق، ويعرضها الدكان المصري والدكان الإفرنجي، ويبيعها المسيحي كما يبيعها المسلم من المصريين.

وهكذا كان موسم رمضان من أيامه الأولى في مصر موسمًا للمجتمع المصري بمعالمه الدينية والاجتماعية والاقتصادية، وسنرى يوم «رؤيته» عن قريب معرضًا سيَّارًا في عاصمة القُطر وعواصم الأقاليم، إذا صح ما أنبأتنا به الصحف من إجماع النية على إحياء ليلة «الرؤية» على سنتها الأولى في الديار المصرية.

كان الفاطميون أول من أحيا زَفَّة الرؤية، وهم أساتذة العالم في فن العرض والدعاية، فلم تكن تفوتُهم فرصة من فرص المواسم إلا حرَّكوا فيها نشاط المجتمع كله، وأشركوا فيها الأمة من راعٍ ورعية، ومن حاكم ومحكوم.

وكان موكب الرؤية مَعرِضًا سَيَّارًا للمجتمع المصري كله، يمشي فيه الوالي والقاضي أو من ينوب عنهما، ويمشي فيه أبناء كل صناعة ومعهم عدة الصناعة الكاملة يُفاخِرُون بها ويتفننون في عرضها وتزيينها.

«العز لمين؟ للنجارين!»

«مين فيهم مين؟ الحدادين.»

«إحنا الفايزين. يا صيادين!»

وقد رأينا منذ طفولتنا هذه المعارض السيارة على أتمها في عواصم الأقاليم، ثم أُهمِلَت شيئًا فشيئًا كأنها من بقايا الزمن القديم. والحق أنها لَأولى بالعصر الحديث من محدَثاته المبتدَعة في هذا الباب.

فإن كان بين مواكب الأمس على هذا النسق ومواكب اليوم — من فارق ملحوظ — فهو هذا الفارق في وعي الطائفة، أو وعي الطبقة كما يُسميه الداعون إليه جهرة أو من وراء ستار.

كان وعي الطائفة موجودًا ولكنه كان مشمولًا بعاطفة المَوَدَّة والفكاهة، أو كان على سُنَّة السبورت «بعبارة أقرب إلى ألسنة عُبَّاد الحداثة».

كان منافسة أُخوة يُحب كل منهم أن يعتز بطائفته وصناعته، ولا يناجز الطوائف الأخرى مناجَزَة الحقد والحسد والعداء.

وعلى هذه السُّنَّة ينبغي أن يكون التفاخر بالطوائف والصناعات.

لا يزدري أحد نفسه ولا يحقد على غيره، وكلهم له مكانه المَرْعِيُّ في موكب الحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.