سعيدٌ هذا الشعب الذي إن نظر وراءه رأى مجدًا مؤثلًا، وعزًّا منيعًا، وإن نظر أمامه رأى أملًا واسعًا ورجاءً عريضًا.

سعيدٌ هذا الشعب الذي يدفعه قديمه العزيز إلى جديد عزيز، ويدفعه ماضيه المجيد إلى مستقبل مجيد، ويحس من نفسه القوة على أن ينظر إلى قديمه فلا يغض رأسه استخذاءً واستذلالًا، وأن ينظر أمامه فلا يرد بصره عجزًا وقصورًا.

سعيدٌ هذا الشعب الذي لا تلم به الأحداث، ولا تنزل به الكوارث، ولا تكتنفه الخطوب، ولا تهجم عليه النوائب، إلا وجد في قديمه كنزًا لا يفنى ولا ينفد، فيه ما يعينه على احتمال المكروه، ويمكنه من الابتسام للحادثات وازدراء الخطوب، ويعصمه أن يهن أو يحزن أو يستسلم لليأس، أو ينصرف عن الأمل والرجاء.

سعيدٌ هذا الشعب الذي يجد من نفسه القدرة على أن ينهض بأثقال قديمه، لا وانيًا ولا ضعيفًا، ولا عاجزًا عن النهوض. والذي يجد من نفسه القدرة على أن يمضي في سبيل المجد والعز، لا متورطًا فيهما، ولا حديث عهد بهما، ولا مدفوعًا إليهما بحكم الضرورة، وقضاء الظروف. وإنما يمضي إليهما؛ لأن طبيعته تريده على ذلك وتأبى عليه إلا أن يحرص عليه ويجدَّ فيه.

سعيدٌ هذا الشعب الذي إن تصبه النعمة فليس حديث عهد بها، وإن تنزل به المحنة فقد جربها، وثبت لأمثالها، وعرف كيف يلقاها بما ينبغي من الصبر والجلد، ومن الثقة بنفسه وبالله.

سعيدٌ هذا الشعب المصري الذي يستطيع أن ينظر وراءه فيرى مجدًا وعزة، والذي يستطيع أن ينظر أمامه فيرى مجدًا وعزة، والذي يستطيع أن ينظر في حياته الحاضرة فيكره ما هو فيه من ذلٍّ، ويضيق بما هو فيه من شر، دون أن يستسلم أو يستكين، أو يجد القنوط إلى نفسه سبيلًا.

سعيدٌ هذا الشعب المصري الذي إن يشقَ اليوم فقد كان سعيدًا أمس، وسيكون سعيدًا غدًا. والذي إن تصطلح على إذلاله الخطوب، فقد كان سيدًا للخطوب أمس، وسيكون سيدًا للخطوب غدًا.

سعيدٌ هذا الشعب المصري الذي إن نظر في قديمه البعيد، رأى مجد مصر القديمة، وإن نظر في قديمه القريب رأى مجد الإسلام وجلاله، وإن استمع لهذه الأصوات التي تنبعث من أعماق ضميره سمعها كلها تُهيب به، وتلح عليه، أن كن اليوم كما كان آباؤك من قبل؛ أعزاءَ لا يرضون الذلة، أُباةً لا يطمئنون إلى الضيم.

سعيدٌ هذا الشعب المصري الذي يستطيع أن يودع عامه الهجري المنصرم؛ غافرًا له ما قدم إليه من سيئات، وما ترك فيه من ندوب، معتبرًا بما كان فيه من عبرة، متعظًا بما كان فيه من عظةٍ. وأن يستقبل عامه الهجري الجديد؛ باسمًا له، مبتهجًا به، واثقًا بأنه سيلقى في غير بطر ولا أشر ما قد يضمر له من خير، وبأنه سيلقى في غير بأس ولا عجز ما قد يضمر له من فتنة ومحنة. لن يعرف المصريون، بل لن يعرف المسلمون عامة الضعف والوهن، ولن يستكين المصريون، بل لن يستكين المسلمون عامة لليأس والقنوط، وهم يستقبلون كلَّما أتم العام دورته يومًا كهذا اليوم، يذكرهم بهذا القديم الذي عرف أهله كيف يلقون المحنة فيثبتون لها، ويصبرون عليها، ويخرجون من شقائها سعداء، ومن ذلها أعزة كرامًا. لن يعرف الضعف ولا اليأس إلى قلوب المصريين، بل إلى قلوب المسلمين عامة سبيلًا، وهم يذكرون في كل عام أن نبيهم ﷺ، وأصحابه رضي الله عنهم، قد عرفوا كيف يحتملون الأذى على شدته، والشر على نكره، ثلاثة عشر عامًا كاملة، يعذبون في أجسامهم ويضطهدون في آرائهم، ويمكر بهم من كان أحب الناس إليهم، ويتنكر لهم من كان أعطف الناس عليهم، وتتألب عليهم قوة الأحياء والأشياء، فلا يصيبهم ضعف، ولا يصل إليهم شك، ولا يلم بهم يأس، وإنما هم ثابتون للرَّوع، كما تثبت جبال مكة من حولهم لِكَرِّ الغداة ومر العشي؛ مزدرون للخطوب، كما تزدري سماء مكة من حولهم ما يقع تحتها من عبث الناس، مستمسكون بدينهم كما تحتفظ شمس مكة من حولهم بهذه السنة الطبيعية التي سنها الله لها من طلوعٍ مع النهار، وغروب مع الليل، ماضون في الدعوة إلى هذا الدين، كما تمضي الطبيعة من حولهم، في إنفاذ أمر الله لها، بإحياء الأحياء، وإماتة الموتى، وإجراء كل شيء على ما أراد الله أن يجري عليه، حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وأتم الله تدبيره لأمر كان قد قضاه هاجر النبي إلى المدينة كما قال كعب بن زهير:

في فتية من قريش قال قائلهم

ببطنِ مكَّةَ لمَّا أسلَمُوا زُولوا

زَالُوا فما زالَ أَنْكَاسٌ ولا كُشُف

يَوْمَ الِلَّقَاءِ ولا سُودٌ مَعَازِيلُ

لا يقعُ الطَّعنُ إلَّا في نحورهمُ

ولا لهم عن حياض الموت تهليل

فنزحوا عن مكة، ومعهم بأسهم وشجاعتهم، ومعهم يقينهم ودينهم، ومعهم إيمانهم بالله، وصبرهم على احتمال الأذى في ذات الله، لم يفروا من جحيم إلى نعيم، ولم يهربوا من شقاءٍ إلى سعادةٍ، ولم يؤثروا أنفسهم بالراحة مكان الجهد، ولا بالدعة والخفض مكان العسر والعناء؛ وإنما خرجوا من دار جهاد إلى دار جهاد، فجاهدوا في المدينة كما جاهدوا في مكة، وصبروا في المدينة كما صبروا في مكة، ولقوا في المدينة أكثر مما كانوا يلقون في مكة؛ كانوا يلقون في مكة عذابًا واضطهادًا، فلقوا بعد أن هاجروا إلى المدينة شرًّا وضرًّا وموتًا. وقد صبروا في المدينة للشر والضر والموت، كما صبروا في مكة للعذاب والاضطهاد؛ لأنهم كانوا قد باعوا أنفسهم إلى الله بأن لهم الجنة، يلقون في سبيلها ما يريد الله أن يمتحنهم به من ألوان الشر والضر والموت، فما هي إلا أن يصْدُقَهم الله وعده، ويوفي لهم بعهده، فمنهم من يمد الله له في الحياة حتى تدين له الأرض، وتذعن له الأمم، وتخضع له الشعوب، ومنهم من يؤثره الله بالخير، فيدع الدنيا ولم يتعلق من ثمراتها بشيء.

أولئك يلقون الخير في غير بطر ولا أشر، وهؤلاء يلقون الشر ويحتملون الضر، ويستقبلون الموت في غير يأس ولا جزع، ولا تنكُّر ولا شك، ولا إذعان لما يذعن له الضعفاء من أعراض الخوف والرجاء.

يذكر المصريون والمسلمون عامة هذا كله، وأمثال هذا كله في هذا اليوم، كلما دار بهم العام الهجري؛ فيجدون في ذكره عزاءً عما يحتملون اليوم من شر، وقوةً على احتماله، ودافعًا على التخلص منه، وباعثًا على الجهاد في سبيل العزة والكرامة، وفي سبيل المجد والاستقلال، وفي سبيل الخير والفضيلة والعدل، كما جاهد نبيهم وأصحابه من قبل في سبيل الدين.

يذكر المصريون والمسلمون عامة هذا كله، إذا دار عليهم عامهم الهجري، فيعلمون أنهم لم يخلقوا ليعيشوا فحسب، وإنما هم يعيشون ليُقروا في أرضهم عدل الله، وليرفعوا فيها كلمة الله. ولينشروا فيها على أنفسهم وعلى غيرهم لواء هذه الحرية الكريمة، التي جعلها الله حقًّا طبيعيًّا للناس، لا يقصد إليه أحد بالسوء إلا رد الله أمره وبالًا عليه وجعله الله نكالًا لمن سار سيرته من الظالمين والمعتدين.

يستطيع الظالمون أن يظلموا فيسرفوا في الظلم. ويستطيع أولو البأس أن يبطشوا فيغرقوا في البطش، ويستطيع المعتدون من الأجانب والمواطنين أن يعتدوا فيتجاوزوا في الاعتداء كلَّ حد، فلن يستطيعوا أن يبلغوا من نفوس المصريين والمسلمين ما يريدون، ولا أن يردوا هذه النفوس إلى الرضا بالذلة، والإذعان للضيم، ما دام الفلك يدور، وما دامت تمر بالمصريين والمسلمين هذه الأيام التي تذكر بالقديم المجيد، وتدفع إلى الجديد المجيد، والتي تملأ القلوب بما فيها من عبرة وعظة وذكرى، ولأمر ما قال الله عز وجل: ().

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.