هل يؤدي أدبنا الحديث حاجاتنا في هذا العصر؟

كثيرًا ما تردد هذا السؤال في صور مختلفة منذ نهضتنا القومية الأخيرة، والجدل الذي استمر سنوات حول القديم والحديث في الأدب لم يكن إلا صورة منه، والقول بأن العصر الذي نعيش فيه عصر ترجمة لا عصر تأليفٍ صورة أخرى، وما يقع من حوار أحيانًا حول المصدر الذي نستمد منه أدبنا؛ أهو أدب الغرب، أم هو تاريخنا وبيئتنا؟ صورة ثالثة، وهذه الصور وما إليها ترمي كلها إلى غرض واحد، فنحن نريد أدبًا يسد حاجاتنا في العصر الذي نعيش فيه، كما أننا نريد صناعة تسد حاجاتنا في هذا العصر، وزراعة تسد حاجاتنا فيه، وكما أن كل مجهود تبذله يجب أن يتجه إلى سد حاجة من حاجاتنا الضرورية أو الكمالية، فإذا أُنفِقَ مجهود لم تدعُ حاجة إليه كان ذلك ضربًا من العبث، وكانت نتيجته أن لا يُعنَى به أحد، وأن لا يعيره الناس الْتِفاتًا.

وهذا هو السبب في رواج أدب المقالة في عصرنا الحاضر، وفي ركود سائر ألوان الأدب، فجمهورنا بحاجة إلى أن يلم بتفكير العالم — وبما يجري فيه متصلًا بالثقافة — إلمامات سريعة لا تجهد الذهن، ولا تحتاج إلى ثقافة عامة متينة الجذور عميقة الأساس، وهذا هو كذلك السبب في رواج الأدب الصغير الذي يقصد إلى الترويح عن النفس، وإلى رياضة الذهن أكثر مما يقصد إلى تغذيته، وإلى توجيه الإنسان في الحياة. وأقصد بالأدب الصغير الأقصوصة الخفيفة، وما إليه في النثر والشعر، لكن جمهورنا لا يعزف عن الأدب الكبير إذا وجد فيه ما يسد حاجة عنده، وقد أبدى من الميل لبعض ألوان الأدب، ومن التقدير لأصحابها ما دل على عظمته، وعلى أنه بحاجة إلى أن ينهل من هذا الورد ما استطاع، وما وجد إليه السبيل. فإذا لم يجد هذا الأدب الكبير فله عذره عن الاكتفاء بأدب المقالة، وبالأدب الصغير، وإنما التبعة على الكتَّاب والأدباء؛ لأنهم لا يقدِّمون إليه ما يسد حاجته، وهو لا ريب أشد ما يكون تطلعًا إليها، وإقبالًا عليها لو أنه وجدها.

على أنَّا إذ نُلقي التبعة على الكتَّاب والأدباء يجب أن نلتمس لهم العذر هم الآخرين؛ فالأرض لا تنبت إلا إذا وجدت الماء الذي يرويها، والسماد الذي يخصبها، ووجدت بذلك الغذاء الذي يبعث إليها من القوة ما يجعلها تثمر، وهي أجود ثمرة، وأغزر محصولًا ما تعهدها أولو الشأن ممن يقومون على العناية بها. والأمر كذلك في كل قوة مثمرة، ثمرتها رهن بتعهدها وبالعناية بها، رهن بإمدادها بأسباب القوة لتثمر فتجيد وتكرم. والكاتب والأديب لا يندان عن هذه السُّنَّة التي تطَّرد في الحياة، فلن تجد لها تبديلًا. ولكي يكون الأدب الكبير من ثمراتها يجب أن يكون لديهما من الغذاء ما يدعو إليه، وهذا الغذاء لا يقف عند رواج ما يكتبان ليدر على الكاتب أخلاف الرزق. فمن الكتَّاب الذين برعوا في أدب المقالة، وفي الأدب الصغير من استغنوا بأدبهم، ومن جادت عليهم الحياة بمادة العيش موفورة. فلم يدْعُهم ذلك إلى التماس الأدب الكبير والإنتاج فيه، إنما يحتاج الأدب الكبير إلى غذاء عقلي، وإلى ثقافة متينة، وإلى تعاون في التفكير بين الكاتب والأديب من ناحية، وبين الفيلسوف المفكر، والعالم الباحث، والمؤلف المحقق من ناحية أخرى. وهو يحتاج خاصة إلى التفكير الاجتماعي في شئون الأمة، وفيما يحسب أن يكون مثلها الأعلى، وفيما ينطوي هذا المثل الأعلى عليه من أمثال عليا تتصل به، وتتضافر وإياه في السير بالحياة إلى ناحية المعرفة، وإلى ناحية الكمال. وهذا التعاون لا وجود له في مصر ولا في العالم العربي بالقدر الذي يطوع للأدب الكبير أن يبلغ المكانة التي توجه الأمة في حياتها؛ لأننا نلجأ إذ نفكر وإذ نبحث إلى محاكاة الغير وتقليده، أو إلى الترجمة دون التأليف؛ لأن العصر عصر ترجمة لا عصر تأليف فيما يقولون.

ولو أننا أردنا المحاكاة في الغايات كما نحاكي في الوسائل لانصرف تفكيرنا في الكتابة وفي الأدب إلى ناحية غير ما ينصرف الآن إليه، فغاية الأدب توجيه التفكير إلى الأغراض التي يجب أن تجعلها الجماعة مرماها، وليست غايته قاصرة على التسلية وقتل الوقت. ونحن إذ نرجع البصر إلى الغرب الذي يتخذه كتَّابنا وأدباؤنا اليوم إمامًا نرى الكتَّاب والأدباء فيه يتحرون هذه الغاية، ويعملون جاهدين لبلوغها. خذ فرنسا في القرن الخامس عشر مثلًا، فهي أدنى إلى ما نحن فيه اليوم من أمم أوروبا في الوقت الحاضر. لم يكتب روسو، ولم يكتب فولتير، ولم يكتب الأنسيكلوبيديون لتسلية قرائهم، وإنما كتبوا يبتغون توجيه الرأي العام إلى ما يعتقدونه الكمال في الحياة. لقد اختلفوا على الكمال ما هو؟ لم يكن روسو يفكر تفكير فولتير، ولم تكن غايتهما مشتركة. وديدرو، وجرم، وغيرهما كانوا مثلهما في هذا الاختلاف، وكذلك كان الفلاسفة والكتَّاب الإيطاليون يختلفون في تفكيرهم، لكن كلًّا منهم كان يقصد إلى غرض بذاته تراه واضحًا فيما يكتب، وكان يريد توجيه الجماعة إلى ناحية يراها خيرًا وأعظم ثمرة مما كان حادثًا بالفعل. وقصة روسو عن التربية، وروايته (هلويز الجيدة)، وهما الأثران الأدبيان اللذان يضارعان اعترافاته وأحلامه، إنما رمى بهما إلى إصلاح آمَنَ بضرورته؛ فوضع له نظامًا، وأراد إقناع الناس به؛ فاتخذ الأدب طريقه. و(كانديد) وغيرها من مصنفات فولتير تنحو هذا المنحى، وإن اتجهت إلى ناحية تخالف ما اتَّجه إليه روسو تمام المخالفة. والغاية المقصودة هي التي أدَّت بروسو، وبفولتير، وبغيرهما ليكتبوا، ولم تؤدِّ بهم إلى الكتابة لمجرد التجديد في الأسلوب ابتغاء إعجاب القراء.

وكتَّاب روسيا القيصرية من أمثال تلستوي، ودستويفسكي، وغيرهما كانوا كذلك يقصدون إلى غايات اجتماعية صوَّرها غيرهم في صورة التفكير المنطقي، وصوَّروها في صورة الأدب القصصي أو المسرحي، أو ما إلى ذلك من ألوان الأدب المختلفة. ولم يكْفِهم في ذلك الأدب الصغير الذي تلخصه المقالة أو الأقصوصة، بل أخذوا فيه بألوان الأدب الكبير، فوضعوا الروايات القصصية والمسرحيات، والتمسوا كل الوسائل التي يَنفُذُون بها إلى عقول قرائهم، والتي يحملونهم بها على مشاركتهم في آرائهم، وفي الغرض الذي تنتهي إليه هذه الآراء؛ وبذلك استطاعوا أن يمهدوا في روسيا، كما استطاع كتَّاب القرن الثامن عشر في فرنسا أن يمهدوا التفكير للتقدم إلى ناحية الكمال.

هذه الغايات هي التي يجمُل بنا أن نحاكيَ غيرنا فيها، وهذه الغايات هي التي حرَّكت الأدباء والكتَّاب؛ ليكتبوا في الأمم المختلفة وفي العصور المختلفة منذ علَّم اللهُ الإنسانَ بالقلم ما لم يعلم.

إن مشاكلنا الاجتماعية ليست بالقليلة، وتصوير الغاية التي نريدها مثلًا أعلى يحتاج إلى تفكير كتفكير كتَّاب الأمم المختلفة في عصور تطورها، ونحن اليوم في عصر تطور لا يقف في حدود بلادنا، بل يتناول البلاد التي تتكلم العربية جميعًا. أهل هذه الأمم يبتغون حالًا خيرًا مما هم فيه، ويريدون أن ينتقلوا إلى هذه الحال انتقالًا فكريًّا بادئ الرأي؛ ليكون وسيلتهم القوية السليمة إلى الحال الجديدة في صورتها العملية الواقعية، وهم في هذا يتوقون إلى ما يقدِّمه لهم الكتَّاب والأدباء من الثمرات، فإذا لم يجدوها لم يكن لهم بُدٌّ من الاكتفاء بما يقدَّم لهم في انتظار ما يكون خيرًا منه.

لا أريد بذلك أن أغمط ما لبعض الآثار الأدبية التي ظهرت في مصر وفي العالم العربي من حق، ولقد أتيح لي أن أتناول بعض هذه الآثار، وأن أتحدث عنها بما أعتقد أنها له أهل، لكن طائفة من هذه الآثار الجديرة بالإعجاب أدنى إلى أن تكون نوعًا من الترف الأدبي لا يثمر ثمرته المرجوَّة قبل أن تحصل الأمم العربية على حاجاتها التي لا يؤديها إلا الإنتاج الأدبي في شأن مشاكلها المختلفة. ورُبَّ كتاب أبعد أثرًا في هذا الشأن من كل قانون يمكن أن ينظمه، بل إن التشريع الذي لا يسبقه شعور إنساني بالحاجة إليه قلَّ أن يلائم الحاجة التي يُسن لها. ولا أدل على ذلك من أنَّا نحاول أن نسن تشريعًا للعمال في مصر، ونعمل لذلك من سنوات، ثم لا نستطيع أن نطمئن فيها إلى شيء؛ لأن البحث والدراسة لا يكفيان وحدهما للتشريع، بل لا بد من أن تصقل الفكرة التي تبرز ضرورته ألوان الأدب المختلفة في الشعر والنثر، وليس هنا من لا يقدِّر التطور الاجتماعي العظيم الذي حدث في مصر والشرق متصلًا بحياة المرأة وبنظام الأسرة، وكلما ذُكر هذا التطور، ذُكر اسم المرحوم قاسم أمين، وذُكرت الحركة الأدبية الضخمة التي ترتبت على تفكيره، وعلى إبرازه هذا التفكير في كتابيه (تحرير المرأة)، و(المرأة الجديدة). ومشكلة التربية والتعليم ليست دون مشكلة العمال في مصر تعقيدًا، وهي تضطرب بين تجارب كلها لا تلبث حين يبدأ العمل بها أن يذرها أصحابها إلى غيرها؛ لأنهم لا يعرفون الغاية التي يقصدون إليها، والمثل الأعلى الذي يريدون تحقيقه، وهم لا يعرفون هذا ولا ذاك، وهما من حاجاتنا الضرورية؛ لأن الأدب هو الذي يحل المشاكل جميعًا، كما أنه هو الذي يخلقها، وحله لها هو التمهيد الأول والضروري إذا أُرِيدَ للشعوب المختلفة أن تسير على هدًى، وفي نظام يكفل للجماعة نوعًا من الطمأنينة، ويكفل لها اطِّراد السير في سبيل التقدم.

هل الكتاب والأدباء هم وحدهم الذين تقع عليهم تبعة هذا التقيُّد في أداء الأدب ما دام الجمهور مستعدًا لأن يأخذ من الأدب الكبير ما يسد حاجته؟ لا ريب أن عليهم قسطًا كبيرًا منها، لكنهم ليسوا وحدهم الذين ينوءون بأعبائها، فلقد انصرف كثير من أدبائنا وكتَّابنا إلى الصحافة والسياسة عن الأدب وعن التفكير في شأنه، وهم إنما انصرفوا إلى الصحافة والسياسة بدافع من الساسة الذين لم يفكر أحد منهم في تشجيع الأدب بصرف النظر عن كل اعتبار سوى المثل الأعلى الذي يجب أن يدعوَ الأدب إليه. وهؤلاء الساسة لا يفعلون ذلك وهم في المعارضة وكفى، بل هم يفعلونه حين يتولون الحكم كذلك، وهم يعزفون عن تشجيع الكتابة والأدب ما بَعُدَا عن السياسة وعن تأييد أهواء الساعة، وهذه تبعة كبرى لو قدَّرها من يقع عليه وزرها لاستعاذ بالله منها، ولالتمس المغفرة عنها.

ولو أن ساستنا شجعوا الأدب — بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية — لكان له شأن غير شأنه اليوم، ولوجد الكتَّاب ما يشجعهم على التماس الأدب الكبير واقتحام أبوابه، ويومئذٍ يسد الأدب حاجات الأمة في مصر وفي الشرق، كما يسد الأدب في الغرب حاجات الأمم التي يعيش فيها.

على أنه إذا لم تكن الحكومات في مصر قد قامت في هذا الأمر بواجبها، فإن لنا في جلالة مليك مصر المحبوب فاروق الأول أكبر الأمل في أن يصنع صنيع الخلفاء الأولين من المسلمين، وصنيع كبار الملوك من أهل الغرب الذين ازدهر التفكير في عصرهم؛ فأصبح فخرًا لبلادهم على مر القرون، وأن المأمون العباسي ليُذكر اليوم لا يزال بتشجيعه العلوم والفنون والآداب، ولويس الرابع عشر الفرنسي ليُذكر اليوم لا يزال بنهضة الأدب في عصره نهضة ما برحت فخر الأدب الفرنسي والثقافة الفرنسية إلى اليوم، وسيبقى فخرها إلى عصور وأجيال.

وفَّق الله جلالة المليك الخيِّر، وجعل أيامه مقرونة باليُمن، زاهرة بكل ما يبقى لمصر فخرًا ومجدًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.