عاش المرحوم فتحي زغلول باشا في النصف الأخير من القرن الماضي، وفي العشرة الأولى من هذا القرن العشرين، وكان رجلًا معروف الذكاء، ضليعًا في القانون، متمكنًا من اللغتين العربية والفرنسية، قضى حياته في مناصب الدولة بوزارة العدل، وبلغ فيها منصب وكيل الوزارة، لكن شهرته عند الجماهير لم تكن تتصل بحياته القانونية، بل كانت تتصل بحياته الأدبية، مترجمًا للكتب من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية ترجمة ممتازة بأسلوبها، وبقوة عباراتها، وبسلاستها وحسن أدائها.

ولم أكن أعرف اللغة الفرنسية معرفة تمكنني من مقارنة ما بين أصل الكتب التي يترجمها والترجمة نفسها، وكنت مع ذلك مغرمًا بهذه الكتب المترجمة؛ لسمو أسلوبها وقوة عبارتها، فلما أتممت دراسة الدكتوراه بباريس وأتقنت اللغة الفرنسية وعدت إلى مصر كان الله قد اختار فتحي زغلول إلى جواره. وفي سنة ١٩١٣ قال لي صديقي بهي الدين بركات: إن فتحي باشا كان قد بدأ يترجم كتاب الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر (الرجل بإزاء الدولة) من ترجمته الفرنسية إلى اللغة العربية، وإن الأجل لم يُمهله حتى يُتمَّه، ورأيت أن أقرأ الأصل الإنجليزي والترجمة الفرنسية وما أتمَّه فتحي باشا من الترجمة العربية فتركه — ولم ينقل إلى العربية إلا نصفه — واقترح عليَّ أن نُتمَّ ترجمته، وقبلتُ ما عرض عليَّ.

ورأيت أن أقرأ الأصل الإنجليزي والترجمة الفرنسية وما أتمه فتحي باشا من الترجمة العربية؛ حتى تكون ترجمتنا متسقة مع ترجمته، وقد دهشت أيَّما دهشة حين أتممت هذه القراءة، فلم يكن ما ترجمه فتحي زغلول ترجمة، بل كان إنشاء، وكان مع ذلك يكاد يكون ترجمة حرفية تقابل فيها كل كلمة مثيلتها في الأصل الأوروبي، وبلغ مني الإعجاب بهذه المقدرة الممتازة حتى لقد عدت أسأل نفسي: أوَيمكن أن تبلغ الترجمة حتى تضاهي التأليف إلى هذا الحد العجيب؟!

وإنما ألقيت هذا السؤال على نفسي إذ ذاك لأنني كنت قد قرأت قبل ذلك بعامين كتاب لورد ملنر (إنجلترا في مصر)، وقرأته وأنا في باريس في ترجمته الفرنسية للاستفادة منه في رسالتي للدكتوراه عن (دَين مصر العام)، وقد أعجبت بأسلوب الترجمة وسياقها إعجابًا دفع إلى نفسي الاعتقاد بأن سلاسة اللغة الفرنسية وجمالها هي التي خلعت على الكتاب كل هذا الجمال. وأتممت رسالتي ثم سافرت إلى إنجلترا أقضي بها زمنًا، وهناك حصلت على نسخة من الأصل الإنجليزي لكتاب ملنر، وقرأتها فإذا هي أبلغ قوة وأبرع أسلوبًا من الترجمة الفرنسية، عند ذلك آمنت أن الأصل في أي كتاب لا بد أن يكون أبرع من ترجمته.

وبقيت على هذا الرأي إلى أن اطَّلعت على ما ترجمه فتحي زعلول من كتاب سبنسر، عند ذلك عدت أسأل نفسي: أحق أن الأصل خير من الترجمة دائمًا، أم أن الأمر يتعلق بالمؤلف والمترجم أيهما أقدر؟

وإن أسفت لشيء لشد ما كان أسفي لأن هذا الكتاب لم تتم ترجمته، ولم ينشر لأسباب خارجة عن إرادتنا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    مسیحا ·٢١ أكتوبر ٢٠١٦، ١٦:٤ م

    ماشاالله