لا يزال التوفيق مُخَاصِمًا للوزارة القائمة أشد الخصام، مُعْرِضًا عنها أشد الإعراض، أظهر هذه الخصومة في غير موطن، وجَهَرَ بها في غير ظرف، ولَكِنَّه اليوم أظهرها في شكل مُؤْلِمٍ حَقًّا ومُضْحِكٍ مع الأسف في الوَقْتِ نفسه.

فقد ظهرت صحيفةُ الوزارة القائمة بعد أنْ كَانَتْ صَحيفة الوزارة الساقطة، ظهرت صحيفة عبد الفتاح يحيى باشا بعد أن كانت صحيفة صدقي باشا، وفيها فصل طويل وضعته موضع الفصل الأساسي الذي تكتبه في كل يوم، وهذا الفصل كله دفاع حار عن وزير الداخلية الذي كانت تهاجمه هذه الصحيفة منذ أسابيع قليلة، لا يكاد عددها يبلغُ أَصَابِعَ اليدِ الوَاحِدَةِ كَمَا يَقُولون، وليست الغَرَابَةُ تَأْتِي مِن انتصار الشعب لعبد الفتاح باشا بعد انتصارها لصدقي باشا، ومن دفاعها عن وزير الداخلية بعد هجومها عليه.

فذلك شيء مألوف يسيغه العُرف في هذا العهد السعيد، وقد اندفع إليه عدد ضخم من أعضاء البرلمان الحاضر، ودُفِع إليه حزب الشعب كله، فلا غرابة إذن في أنْ تُدْفَع إليه صحيفة الشعب، وفي أن يصبح عبد الفتاح باشا بطلًا لا كالأبطال، ورجلًا لا كالرجال وأنْ يُصْبِحَ صِدْقِي بَاشا كما قالت الشعب منذ أيام رجلًا مسرحيًّا لا يُريد باستقالته واسترداد استقالته إلا لعب الممثلين وأن يصبح وزير الداخلية حامي الأمن ومُقِر النظام، والوزير الخطير الذي ليس له نظير.

لا غرابة في شيء من هذا فهو مَأْلُوفٌ، وإِنَّما الغرابَةُ أنْ تطيل الشعبُ أو الذين يوحون إلى الشعب في الدفاع عن حماية الوزارة للأمن وصِيَانَتِهَا للأنفس والأموال وحقنها للدماء، وأن تتهم الشعب أو الذين يوحون إلى الشعب من أساطين وزارة الداخلية خصوم الوزارة؛ لأنهم يُسيئون إلى بلادهم ويُشَوِّهون سُمْعَتَها، ويُرَوِّعُون الأجانب ويشككونهم في كفاية المصريين، ويُؤَخِّرون إلغاء الامتيازات، يأتون هذا كله؛ لأنهم يحصون ما يقع من الجرائم ويُذيعون الأَنْبَاءَ الرَّسْمِيَّة التي تبلغ إلى وزارة الداخلية عن سفك الدِّماء وإزْهَاقِ النُّفوس وانتهاك الحرمات وأخذ الأموال عنوة أو اختلاسًا.

الغريب أن تغضب الشعبُ لوزير الداخلية أو تغضب الداخلية لوزيرها أو يغضب الوزير لنفسه هذه الغضبة المُخيفة المزعجة التي انهدت لها قوة المُعَارَضَة، وانخلعت لها قلوبُ المُعَارِضِين، وكيفَ لَا تَنْهَدُّ القوى ولا تنخلع القلوب وقد غضبت الشعبُ وغضبت الدَّاخلية وغضب الوزير؛ لأنَّ صحف المعارضة تُذيع أنباء ما يُصِيبُ الأَمْنَ من فساد، وما يُلِمُّ بالنظام من اضطراب؟!

الغريبُ أنْ تَغْضَبَ الشعبُ والذين يوحون إلى الشعب، وأن نقرأ هذا المقال الطويل صباح اليوم في نفس الوقت الذي تنشر فيه صحيفة الشعب وغيرها من الصحف أن رجلًا أرمنيًّا وُجِد أول أمس في شارع من شوارع العاصمة صريعًا يَسْبَحُ في دَمِهِ قريبًا من داره، وقريبًا من مُسْتَقَرِّ الشرطة على بعد خمسين مترًا من هذه الدار التي أُنْشِئَتْ لتحمي الأمن وتُقِرَّ النِّظام، وأنَّ هذا الرجل قد مات ولم تهتدِ الشرطة بَعْدُ إلى الذين اعتدوا عليه فسفكوا دمه جهرة، والجند حاضر غير بعيد، والعدد ضخم غير قليل، والوزير مُستقر في العاصمة ليس بالمريض ولا بالمُستريح، ومدير الأمن العام بالنِّيابة مُستقر في العاصمة لا يتنقل في الأقاليم ولا يستشفي من وراء البحر.

ولا نَكَادُ نفرغ من قراءة هذا النبأ الذي ارتاع له أهل شبرا، واستخذت له الشرطة في شبرا، ولم تستحِ منه وزارة الداخلية في القاهرة ولم تستحِ منه الشعبُ والذين يوحون إلى الشعب.

لا نكاد نفرغ من قراءة هذا النبأ حتى يدخل علينا داخِلٌ بنبأ آخر ليس أقل منه هولًا، ولا أيسر منه وقعًا، ولا أَقَلَّ منه تَرْويعًا للآمنين الوادعين من أهل هذا الحي من أحياء العاصمة حي شبرا، الذي يظهر أنَّ شيطان القَتْلِ قد آوى إليه ليستريح ويُريح بعض الناس من أثقال الحياة في هذه الأيام.

قال مُنْبِئُنا: لقد تَرَكْتُ أَهْلَ الحَيِّ مُروَّعين، وكيف لا يرتاعون وإن الحادث لخليق أن يخلع القلوب، ويفرق النفوس، ويفطر الأكباد؟! رجل من المصريين كان هادئًا مُسْتَقِرًّا، قد آوى إلى داره مع الليل أمس، فلمَّا انتصف الليل أقبلَ عليه نفرٌ دَعَوْهُ إلى الخروج فخرج إليهم، ومضى معهم ولكنه لم يَعُدْ إلى داره وإنما عتر به رجل من الشرطة، فإذا هو مُلقى على طريق الترام وقد ذُبِحَ ذَبْحًا، ولم يعلم أحدٌ من أَمْرِهِ شيئًا، ولم تحس الشرطة من أمره شيئًا، لم يسمع أحد له صيحة، ولم يسمع أحد حوله جلبة، ولم يَرَ أحد هذا الخنجر أو هذه الخناجر التي قطعت ما كان بينه وبين الحياة من أسباب.

كيف لا يرتاع الناس، وهذا رجل منهم يُسفَك دمه جهرة عنوة في الطريق العام، في العاصمة، في ليلة من ليالي رمضان؟!

الغريب أن نقرأ ذلك النبأ ونسمع هذا النبأ، ونقرأ بعد ذلك أن جماعة عدوا في قرية من قرى الصعيد على رجل من رجال الأمن فضربوه وأخذوا سلاحه، فاستغاث، فأقبل لإغاثته بعض الناس، فأطلق عليهم أحد المُعتدين النار من ذلك السلاح الذي غصبه غصبًا وأخذه قسرًا؛ فأَرْدَاه وتركه أقرب من الموت منه إلى الحياة.

ثم نقرأ صحيفة الشعب فإذا هي تُدافع عن وزارة الداخلية ووزير الداخلية، وإذا هي تزعم أنَّ الأمن مُطْمَئن وأنَّ النظام مُسْتَقِرٌّ وَأَنَّ النفوس مَعْصُومة وأنَّ الدماء مَحْقُونة وأَنَّ خصوم الوزارة يسيئون إلى وطنهم، يشوهون ذكره ويروعون أهله ويخوفون الأجانب، ويؤخرون إلغاء الامتيازات حين يروون ما يروون من الأنباء!

ألست توافقني على أنَّ التوفيق ما زال مُخَاصِمًا للوزارة أشد الخصام، مُعْرِضًا عنها أشد الإعراض؟!

لقد تَعِبَ الذين أوحوا إلى الشعب بهذا الفصل الطويل، تعبوا وأتعبوا من كَتَبَ وأتعبوا من قرأ، يُرِيدُون أنْ يدافعوا عَمَّا لا يُمكن الدِّفاع عنه وأنْ يُؤوِّلوا ما ليس إلى تأويله من سبيل، حتى إذا أتمُّوا آيتهم أذاعوها واستيقنوا أَنَّها ستَهْدِم زَعْمَ المُعَارِضين هَدْمًا، وسَتَمْحُو آثارَهُم مَحْوًا، وستقنع الذين يقرءونها بأنَّ وزير الداخلية رجل خطير ليس له نظير، وبأنَّ الأمنَ هَادِئٌ مُسْتَقِرٌّ وبِأَنَّ الجرائم ظواهر طبيعية ليس إلى محوها من سبيل أَبَتِ الأيامُ الغادرة الماكرة والظروف الخائنة المائنة إلا أن تُفْسِد عليهم الأمر كله إفسادًا، وتنقض عليهم آيتهم نقضًا، وتُقيم لأَهْلِ القاهرة ثم لغَيرِهِم مِنْ أَهْلِ مصر أدلة حمرًا قانية على أنَّ الأمن بعيدٌ كل البعد عن الهدوء، وعلى أنَّ النِّظام بعيدٌ كلَّ البُعد عن الاستقرار، وعلى أنَّ أهل العاصمة أنفسهم ليسوا آمنين على أرواحهم ودِمَائِهِم، فقد صُرِع واحد منهم أول أمس قريبًا من دار الشرطة، وذُبِحَ رجل آخر منهم أمس على الطريق العام.

نعم؛ أَبَتِ الأيام الغادرة الماكرة إلا أن تُقيم هذه الأدلة الدامية القانية على أنَّ الشعب والموحين إلى الشعب إنما يعبثون بأنفسهم قبلَ أن يعبثوا بالناس، فقد كانت الجرائم تُقْتَرَف في الريف وتُجْتَرَح هناك في تلك الأماكن البعيدة التي قد لا تبلغها الشرطة في بعض الأوقات، أمَّا الآن فهي — والحمد لله على الخير والشر — تُقترَف في العاصمة وتُقترَف غير بعيد من مُستقر الأمن ودار الشرطة، ثم يُقَال بعد ذلك إن المعارضين يذكرون الأمن واختلاله؛ لأنهم يريدون أن يكيدوا لوزير الداخلية وأنْ يرقوا إلى مناصب الحُكْمِ!

فَأَمَّا وزير الداخلية فليسَ يَكِيدُ له أحدٌ، وإِنَّما يكيد هو لنفسه؛ لأنه يصرف همه عن واجبات وزارته إلى ما لا ينبغي أن يخوض فيه من أمر السياسة الحزبية ومن كسب الأنصار للوزارة القائمة وتخذيل الناس عن صدقي باشا، ومن هذا الكلام الخاوي الذي لا يَنْبَغِي أَنْ تضيع فيه أوقات الوزراء؛ لأنَّهم لم يرقوا إلى مناصبهم، ليضيعوا أوقاتهم وجهودهم في من يؤيد صدقي باشا أو يخذله وإنما يرقون إلى المناصب ليمنعوا الأيام والظروف من أن تقيم هذه الأدلة الحمر القانية على أنَّ أَمْنَ النَّاس في خطر، ومصالحهم مُعَرَّضَةٌ للضياع.

يظهر أَنَّا لَنْ نُوفَّق مهما تَحْسُن نياتنا ومهما نُؤْثِر العَافِيَةَ إلى أنْ نُرضِي وزير الداخلية وزملاءه الوزراء؛ فنحن لا نستطيع أن نُخفي على الناس ما يلم بهم من الأحداث والخطوب، ونحن لا نستطيع أن نسكتَ على هذه الأحداث والخطوب، ونحن لا نستطيع أن نُغَيِّر الحقائق الواقعة، ونحنُ لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُولَ أنَّ الأمن مُطمئن وهو مُخْتَلٌّ وأَنَّ النظام مستقر وهو مضطرب، وأن الوزراء يحسنون وهم يُسِيئونَ، ونَحْنُ لا نكره أن يرتاع الأجانب ما دام في مصر ما يدعو إلى الروع، وما دام المصريون أنفسهم يُروَّعون في الليل والنهار في العاصمة والأقاليم.

ومن يدري؟! لعل ارتياع الأجانب أن يلفت الوزراء إلى واجبهم وأن يصرف وزير الأمن إلى حماية الأمن؛ فقد تكونُ دِمَاءُ الأجانب أزكى من دماء المصريين، وقد تكون حياة الأجانب أغلى من حياة المصريين، وقد يكون أمن الأجانب أهم من أمن المصريين!

من يدري؟! لعلَّ ارتياع الأجانب — إن ارتاعوا — أنْ يصرف وزير الداخلية عن سياسة الأَحْزَاب إلى إصلاح الإدارة وضبطها، وتعهدها بالمراقبة الدَّقيقة؛ فقد أصبح ارتياع المصريين يسيرًا قليل الخطر.

من يدري؟! لعل ارتياع الأجانب أن يشغل وزير الداخلية بنزاهة الإدارة ويحمله على أن يصرف إدارة بعض الأقاليم عن هذا السخف الذي هي فيه، عن هذا السخف الذي يدفعها إلى أن تُخالف القانون والدستور، وتظاهر رجلًا بعينه من الناس ليحتكر القصب ويبيعه دون غيره من الملاك والزُّراع؛ ليخلص نصره للحكومة وتأييده إياها.

لعل وزير الداخلية إن أحس ارتياع الأجانب أن يصرف إدارته عن هذا السخف وأمثاله إلى حماية الأنفس، والدماء، والأموال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.