أشرت في مقال سابق إلى ما رآه حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا من ضرورة العمل لتكوين مجلس اجتماعي يُتَّقى به ما يمكن اتقاؤه، ويُنتقى به ما يصح انتقاؤه مما يصل إلى الأمة من تيارات الحضارة الراهنة، ومن الخير أن نثبت نص مذكرته في ذلك؛ إذ جاء فيها:

تجتاز البلاد في ثقافتها ومدنيتها القديمة؛ أي فيما يتعلق بأخلاقها وعاداتها وتقاليدها ونظمها وصور الحياة فيها ومثلها العليا دورَ انتقالٍ تلتقي فيه التيارات المختلفة والنزعات المتعارضة آلية من جانب الثقافة والمدنية الحديثة، بفضل سهولة المواصلات وسرعتها وكثرة تداول المطبوعات، وما استحدثه الاختراع والتقدم في أسباب الحياة.

ولو ترك هذا الدور لمجرد التفاعل الطبيعي بين ثقافتين ومدنيتين اختلفت أصولهما وتباينت أركانهما لاختلط الأمر وفسد، فإن انطباع الناس على التقليد والأخذ بكل جديد يوشك أن يذهب بالتناسق والتماسك الواجبين في موازين الحكم وضوابط التصرف في الشئون الاجتماعية.

وقد لا يمكن تجنب مثل ذلك التفاعل، ولكنَّ الذي يدخل في دائرة الإمكان هو أن تُرصَد أحوال هذا التفاعل وآثاره في تطور البلاد الاجتماعي، وألا تُترَك الأمور تجري في أعنَّتها، بل يُعمل على توجيهها وجهة يخلص معها للبلاد أكبر الخير وتتسق مع خصائص الشعب المصري وتقاليده وملكاته، وتهيئ ما يقدر له من المصائر، وتحقق له ما يعقده أو يعقد به من الآمال.

ولا سبيل لذلك إلا أن تكون للبلاد سياسة اجتماعية تقوم على الاحتفاظ بأخلاقها وعاداتها وتقاليدها ونظمها الصالحة للدفاع عنها، وعلى التوفيق والملاءمة بينها وبين العادات والآراء والنظم الحسنة وصور الحياة الجديدة التي أتت بها المدنية الحديثة.

ومثل تلك السياسة يجب على الحكومات والهيئات وأهل الرأي أن يساهم كلٌّ بنصيبه في رسم أغراضها ووسائلها.

والواقع أن البلاد لم يخطئها الإرشاد والتوجيه الصحيح من أولئك جميعًا بين وقت وآخر، ولكنه إرشاد وتوجيه يعوزه الاستمرار، وتنقصه الوحدة والقوة.

وربما كان النصيب الأكبر من هذا الواجب يقع على الحكومة، ولها من وسائل العمل والتنفيذ ما لا يجتمع لغيرها. ولكن الحكومات تستغرق همَّها غالبًا شئون الحكم ومشاكل السياسة، ولا تدع لها من فراغ الذهن وتهيؤ النفس ما يقتضيه الإصلاح الاجتماعي من ترديد النظر وإطالة الفكر في المسائل الاجتماعية الشائكة الدقيقة. ويخشى فوق ذلك أن اختلاف هيئات الحكم وتعاقبها فيه، وتباين وجهات النظر بينها يؤدي إلى أن الإصلاح لا يمضي على وتيرة واحدة، وأنه لا يكون موصول التنفيذ بالقدر الذي يبين عن فوائده أو يجلو خطأ الاتجاه فيه.

لذلك كله وجب أن يكون الإصلاح بمنجاة من أسباب الاضطراب والتذبذب، وآية ذلك أن يقوم على هذه الشئون مجلس ثابت يؤلَّف من أهل الرأي، ويجمع المناحي والنزعات المختلفة، ويختص بمراقبة أحوال التطور، وبالنظر في الوسائل والتدابير والإصلاحات التي توجَّه توجيهًا صحيحًا، وبالتوفيق بين القديم والجديد.

ومن الخير أن يضع ذلك المجلس أسسًا سياسية اجتماعية تتناول شئون الأسرة والتعليم ومرافق الحياة المختلفة، على أنه إذا كان من التعجُّل وضعُ تلك السياسة مرةً واحدةً، فإن من الواجب ألا تعالج الحكومة بقانون أو لائحة أيَّ شأن من الشئون الاجتماعية أو التي يكون لها أثرٌ في الأحوال الاجتماعية بالبلاد دون أن تستأنس برأي المجلس المذكور.

وقد لا تخلو مراعاة هذا الواجب من صعوبة بسبب اختلاف الرأي والتقدير في صفة القوانين أو مراميها أو آثارها، فيصدر القانون أو اللائحة دون أخذ رأي المجلس المذكور فيما يجب إبداء رأيه بشأنه، لتستطيع الحكومة إذا اقتضى الحال اتقاء الضرر أو تدارك الخطر قبل فوات الأوان.

على أن هذا الاختصاص الاستشاريَّ لا يوجب العمل الإنشائي، ويجب أن يعالج المجلس من تلقاء نفسه دراسة الأحوال الاجتماعية وإجراء كل بحث أو تحقيق يقتضيه العمل على تقدم البلاد من هذه الناحية.

فإذا انتهى به ذلك إلى رأي في الإصلاح أشار به أو اقترحه على الحكومة لتنفيذه بالوسائل المناسبة، وقد يقتضي ذلك إصدار قانون، كما قد يكفي فيه اتخاذ تدابير إدارية.

وإن ما يجب مراعاته في اختيار أعضاء المجلس من صدق الرأي ونافذ النظر ومبسوط العلم وواسع التجربة في الشئون الاجتماعية، كفيل بأن يجعل للمجلس مكانة في البلاد تجعل لنداءاته ونصائحه أثرًا حسنًا، وقد تحتاج الحكومة إلى الاستعانة به في هذا السبيل أو في تنظيم دعايات اجتماعية لأخذ الناس بعادة صالحة أو حملهم على الإقلاع عن عادة ضارة.

ويؤيد الكثيرون في أعماق نفسهم جملة المعاني التي تندمج في هذه المذكرة، كما أنهم يقدرون سلامة البواعث التي حفَّزت إلى وضعها.

على أنه برغم ذلك نجد المؤيدين لها والمقدِّرين يسيرون في اتجاه التيارات التي تقاومها وتأباه روح هذه المذكرة. ترى مَن إذا خلوت إليه في المجلس الخاص يترحم في صدقٍ على طائفة من الأخلاق والعادات والتقاليد التي كانت تروج في حياة الأمة الماضية، وينحي باللائمة على طائفة من الأخلاق والعادات والتقاليد تقحمنا فيها مسايرة المدنية الحاضرة، ومع ذلك ترى هذا الشخص نفسه في مقدمة الملبين لكل ما تدعو إليه التيارات المدنية الراهنة!

وقد شهدنا كذلك من يجتهد في اتخاذ الحيطة لنفسه ولبيته لكي يسلم من مساوئ الحياة الراهنة، وهو مع ذلك لين رحيم مجامل في هذه المساوئ، يؤثر المجاملة وراحة البال على النصح والموعظة. وكِلا الرجلين ضعيف وإن تفاوت فيهما الضعف، وكلاهما يعين على إضعاف قومية الأمة.

وأهم أسباب هذا الضعف راجع إلى شدة تيار المدنية الحاضرة من جهة، وإلى إخفاق القيادة ذات السلطان من جهة أخرى.

فشدة تيار المدنية الغامرة يتجلَّى في تهافتنا على ما يُتخذ عن الغربيين. وأما إخفاق القيادة والسلطان فأمارته أن أكثر من تقع عليهم التبعات في توجيهنا لهم قلوب غربية، وعقول غربية، وبعبارة أخرى: هواهم مع الغرب، وهم يفكرون لا كما ينبغي أن يفكر المصريون الصادقون.

ماذا تجدي ثقافتك الشرقية أو الإسلامية أو العربية أو المصرية إذا كنت مضطرًّا لتربية فتاك في أحضان من لا يعرفون ثقافتك ولا يعترفون بها؟ وماذا يجدي لَحْنُكَ الخافت في محرابك أو في صومعتك حين تسبح لرب المشرق، وتنخشع لماضيك أو لقوميتك، والصوت الذي يدوي لسمع ولدك يسبح لرب المغرب ويهلل لحضارة الغربيين؟ وماذا تجدي مقالتك الحائرة في زاوية من صحيفة أو في كتاب يلقى على رف المكاتب إذا كان المسيرون ممن بيدهم الأمر يعملون لغير ما تثبت في الكتاب وتقول؟ وماذا تفيد كلمتك المتهدجة على منبر من منابر الخطابة إذا كانت الآذان لا تستمع إلى دعوتك؟

الحق أن أكبر التبعات في ضياع مشخصات الأمم ترجع إلى من تعود إليهم أمورها في ثقافتها ونظمها وسائر أعمالها. فإلى أن تعمل الثورة البيضاء في تنصيب من يعرفون لواجب القومية حقه، وفي تمكينهم من أداء هذا الواجب، وإلى أن تُشكَّل المجالس الاجتماعية وتتأكد الهيمنة والسلطان لمن يحسنون التوجيه ويخلصون في النصيحة، فستظل الأمة حينًا من الدهر في تيه واضطراب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.