في الحياة ذكريات سعيدة تبتهج لها النفس ويطمئن لها الخاطر، وكثيرًا ما تكون هذه الذكريات ثمرة كفاح طويل شاقٍّ تحمد أولاه أكثر مما تحمد أخراه.

بدأنا نصدر جريدة السياسة الأسبوعية سنة ١٩٢٦، وجعلنا نصدرها على غرار التايمز الأسبوعية في حجمها ولون غلافها، واشترك معنا في تحريرها نخبة ممتازة من كُتَّاب مصر وعلمائها وأدبائها، ومن المراسلين في البلاد العربية وغير العربية. وقد ظلت هذه الجريدة — أو المجلة إن شئت — مدرسةً للشرق العربي كله سنين متعاقبة بفضل مَن تعاونوا في إظهارها بقلوبهم وعقولهم وكل ملكاتهم. وكم آسَف حين أذكر الخاتمة التي انتهت إليها السياسة الأسبوعية بعد أن تُرِكت الصحافة إلى الوزارة.

والسياسة الأسبوعية من الذكريات السعيدة التي تبتهج لها نفسي حقًّا، وأعتقد أن الذين شاركوا في تحريرها في ذلك العهد تبتهج نفوسهم كلما ذكروها، فقد اعتبر أبناء الشرق العربي جميعًا هذه المجلة مدرسةً جامِعةً يتثقف عليها مَن شاء أن ينهل من ورد الصحافة الصحيحة، ومنهم إلى اليوم مَن لا يزالون يذكرون تلك الأيام ويُذكِّرونني بها ويثيرون في نفسي الحنين إلى عهدها المجيد الزاهر.

وإني لَأذكر دائمًا مع الغبطة يومًا من سنة ١٩٢٧، تناولت فيه «كارت بوستال» من يافا وعليه صورة صبي لا أحسبه يومئذٍ بلغ الثالثة عشرة من سنه، وقد ذكر كاتب هذا الكارت أنه من أبناء فلسطين، وأن اسمه يوسف هيكل، وأنه يشعر أن بيني وبينه قرابة يشهد بها تشابه الاسم، وأنه يتتبع السياسة الأسبوعية بلهفة وشغف فلا يفوته عدد منها، وأنه يتمنى أن يصبح يومًا كالدكتور هيكل رئيس تحرير السياسة الأسبوعية. وابتسمت حين قرأت ما كتب، ورجوت له التوفيق في حياته، وكتبت له خطابًا أشجعه على المضي في دراسته، فالدراسة المنتظمة هي طريق النجاح لمن يريده. وفي سنة ١٩٣٧ زرت فلسطين ونزلت القدس، وإنني لفي غرفتي في فندق الملك داوود يومًا إذ قيل لي إن شابًّا اسمه يوسف هيكل يسأل عني ويريد أن يراني، ذكرت لفوري هذا الصديق الشاب الذي اتصلت المكاتبة بيني وبينه غير مرة، فاستقبلته، فرغب إليَّ في أن أزور بيته بيافا وأن أقضي فيه الليلة التي تسبق عودتي إلى مصر، وعلمت منه أثناء الحديث أنه ذهب إلى باريس فأتمَّ بها دراسة الحقوق، وحصل من جامعتها على إجازة الدكتوراه، وأنه تزوج فرنسية كانت زميلة له في الدراسة، وأنه ذهب بعد ذلك إلى لندن وحصل من جامعتها على إجازة تعدل الدكتوراه في القانون كذلك. وكم اغتبطت إذ سمعت قصته هذه وأجبت رغبته أن أزور داره بيافا، وأن أقضي فيها سحابة ليلي قبل سفري إلى مصر.

ويومئذٍ قدَّمني إلى السيدة الفاضلة زوجته، وعرفت أنهما رُزِقا طفلة ظريفة تجمع بين قلبيهما بأوثق مما جمع الشباب والود الخالص.

وبررت بوعدي وقضيت الليل عندهم بيافا، وسعدت بصحبة آل هيكل هناك.

وقد لقيت الدكتور يوسف هيكل بعد ذلك غير مرة بالقاهرة، فلما حدثت كارثة فلسطين، كان الدكتور يوسف هيكل رئيس بلدية يافا، وكانت يافا بلدًا إسلاميًّا بحتًا، فلم يدخلها تقسيم الأمم المتحدة لفلسطين في حدود إسرائيل، بل استبقاها بلدًا حرًّا كما استبقت معاهدة فرساي دانتزج بلدًا حرًّا، لكن اليهود لم يرضوا بهذا الوضع وأصروا على ضمِّ يافا إلى دولتهم، فقاومتهم يافا ما استطاعت المقاومة، وكان الدكتور يوسف هيكل على رأس مَن تولَّوا هذه المقاومة، وكان آخِر الذين خرجوا من يافا بعد أن استولى عليها اليهود عنوة، وفرَّت السيدة حرمه مع الذين فروا من يافا. رأيتها يومًا بمصر، فذكرت لي أنهم يوم فرارهم من فلسطين إلى مصر كانوا في فزع كأنه يوم الفزع الأكبر، وأن عربة السكة الحديد التي كانت بها كانت مكتظة، مما اضطر بعضهم إلى أن يلقي إليها ابنتها من نافذة العربة؛ لأن أبوابها وطرقها كانت مكتظة بجموع الهاربين المحتشدين فيها.

ورأيت الدكتور يوسف هيكل بعد ذلك سنة ١٩٤٨ في صوفر بلبنان، فلما ضُمَّت فلسطين العربية إلى الأردن أرادت الحكومة الأردنية الاستعانة بالكفايات الممتازة فعيَّنتهم في مناصبها، وبلغ الدكتور يوسف هيكل فيها مرتبة السفير في الولايات المتحدة، ثم مرتبة السفير في إنجلترا، حيث هو اليوم يتولى عمله بمقدرة فائقة.

وهذا واحد ممن يسمون أنفسهم تلاميذ السياسة الأسبوعية.

وليس العجب أن يسمي الدكتور يوسف هيكل نفسه تلميذ السياسة الأسبوعية، وقد كان من قرَّائها ولا يزال في دراسته الثانوية، لكن حديثًا آخَر أثار عجبي وإعجابي وغبطتي وابتهاجي، ذلك حين كنت عائدًا من نيويورك سنة ١٩٤٧ على الباخرة (كوين ماري)، فقد كان معي على الباخرة الدكتور شارل مالك سفير لبنان السابق في واشنطن، ورئيس وفدها لدى الأمم المتحدة، وإننا لَنجلس في بهو الباخرة ذات مساء نتداول الحديث إذ قال: يا سيدي، نحن من تلاميذك وتلاميذ السياسة الأسبوعية. أتحرص يا دكتور شارل كل هذا الحرص على أن تبدو شابًّا إلى جانبي، وابتسمنا بعد أن أكد لي أنه لا يقصد إلى ذلك، وأنه وزملاءه في الجامعة الأمريكية ببيروت كانوا ينتظرون وصول السياسة الأسبوعية إلى لبنان بفارغ الصبر، فيتخاطفونها ويعتبرونها جامعة ثقافية لا تقل قدرًا عن الجامعة الأمريكية التي يتعلمون فيها. أَلستُ على حقٍّ حين أذكر أن في حياتنا ذكريات سعيدة تبتهج لها النفس، وإن كانت هذه الذكريات ثمرة كفاح طويل قد تحمد أولاه أكثر مما تحمد أخراه؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.