في غير هذا المكان من الوادي يستطيع القراء أن يروا خلاصة للمقال الذي كتبته البورص عن موقف الوزارة من الصحف، وما تحاول أو ما كانت تحاول لها من تقييد جديد.

ومما لا شك فيه أن صديقنا المسيو «دي لوموا» قد توخى الصراحة والإخلاص في هذه الملاحظات التي أثارها حول هذا التشريع الذي لا ندري أننتظره لأن الوزارة مصممة عليه، أم لا ننتظره لأن الوزارة قد عدلت عنه؟

وقد يخطئ الكاتب وقد يصيب، وقد يُوفَّق الكاتب إلى إرضائك وقد لا يُوفَّق، فليس يعيبه شيء من هذا، وإنما الذي يعيبه هو أن يتعمد الالتواء حين تجب الصراحة، ويغرق في المكر حين يجب الإخلاص، ولن يستطيع مخاصم للمسيو «دي لوموا» أن يشك في أنه كان صريحًا مخلصًا في هذا المقال الذي كتبه أول أمس، فليس يُعاب الأجنبي بحرصه على الامتيازات، وإنما يعاب المصري إذا قبل منه هذا الحرص، أو رضي منه ما يريد من بقاء الامتيازات؛ فالأجنبي إنسان يبتغي لنفسه المنفعة، ويناضل في سبيلها، والامتيازات نافعة للأجانب من غير شك؛ فلا غرابة في أن يحرصوا عليها ويستبقوها ما وسعهم ذلك، وإنما الغرابة في أن ينزلوا عنها طائعين دون أن يُكرَهوا على ذلك إكراهًا معنويًّا أو ماديًّا، وعلى المصريين وحدهم أن يُقنعوا الأجانب، أو يُلزِموهم النزول عن الامتيازات؛ فالذي قاله المسيو «دي لوموا» بشأن الامتيازات في هذا الفصل طبيعي مألوف لا يُنتظَر غيره من أجنبي مهما يكن محبًّا لمصر، وهو على كل حال كلام قاله الأجانب دائمًا، وسيقولونه دائمًا؛ فليس فيه شيء جديد يمكن أن نقف عنده أو نجادله فيه الآن.

ولكن الصحف الوزارية، وخاصة الصحيفة الفرنسية التي تصدر في الصباح، والتي تسمي نفسها الليبرتيه، أي الحرية، والتي تُعرب أو تُعجم عن مبادئ حزب مشترك في الحكم، هو حزب الاتحاد، ضاقت جدًّا بهذا الفصل، وأثارت على صاحبه حربًا شعواء، لا لشيء إلا لأن صاحب هذا الفصل يكره لنفسه ولزملائه من الأجانب، ويكره للمصريين أيضًا أن يُحرَموا حرية النقد، وأن يُحال بينهم وبين ما يُباح للناس جميعًا في أقطار الأرض المتحضرة، وفي جميع الشعوب المثقفة.

والله يعلم أنا أحرص الناس على ألا يمتاز الأجانب من المصريين في شيء من الأشياء، وأبغض الناس لهذا الامتياز، وأشدهم إمعانًا في الحرب له، والتأليب عليه، وأشدهم رغبة، بل أشدهم إيمانًا بأن الأجانب إذا أقاموا في بلد من البلاد وجب عليهم أن يُذعنوا لقوانينه، ويخضعوا لسلطانه في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا مقاومة.

ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نطلب من الأجانب أن يقبلوا الظلم وهم صاغرون، ولا أن يذعنوا للذل وهم راضون، ولا أن يقال لهم: ألغوا عقولكم، ودعوا إنسانيتكم، وكونوا قطعانًا مسخرة، فيجيبوا راغمين. لا نستطيع أن نطلب إلى الأجانب ذلك؛ لأننا نكره ذلك لأنفسنا، ونحن لا نريد من الأجانب أن يمتازوا، ولكننا لا نريد منهم أن يكونوا أذلاء، إنما نريد أن نسوي بينهم وبين أنفسنا بالعدل والقسط، وفي ظل النظام المستقيم، والقوانين الملائمة لكرامة الإنسان.

وليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نقول للأجانب: إن عشرة منا يريدون أن يتحكموا فينا، وأن يخضعونا لما لا يخضع له الناس المثقفون المتحضرون؛ فكونوا مثلنا، واحتملوا من الشر مثل ما نحتمل، وتعرضوا من البؤس لمثل ما نتعرض له، ونحن نعلم أنكم قادرون على أن تتقوا الظلم، وتحموا أنفسكم من البؤس، ولكن المجاملة تقتضي منكم أن تكونوا أذلاء؛ لأن عشرة منا يريدون أن نكون أذلاء.

ليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نطلب ذلك إلى الأجانب، وإنما الحق والإنصاف والمروءة أن نقول لوزرائنا: لا تظلمونا، ولا تشتطوا علينا؛ فإنكم إن فعلتم فرقتم بين مواطنيكم وبين من يقيمون فيهم من الأجانب، وأظهرتم مواطنيكم مظاهر لا تليق بكرام الناس والحق والإنصاف والمروءة، أن نقول للوزراء: لا تفعلوا؛ فإنكم بحكم مصريتكم، وبحق ائتمانكم على مصالح الشعب وحقوقه يجب أن تَجِدُّوا في إلغاء الامتيازات، وليس مما يعينكم على إلغاء الامتيازات أن تشرعوا القوانين الظالمة، أو تفرضوا الأحكام الصارمة، أو تأخذوا الناس بما تنكره الحضارة ويأباه الرقي الحديث؛ ذلك خليق أن يزيد الأجانب حرصًا على الامتيازات، واستبقاءً لها، وشكًّا في استعداد مصر للحياة الحرة التي تنعم بها الأمم حين تكرم على نفسها وعلى وزرائها، فتكرم بالطبع على غيرها من الأمم والشعوب، فإذا كان هناك لوم، فلا ينبغي أن يُساق اللوم إلى الأجانب؛ لأنهم يأبون أن يكونوا عبيدًا، أو لأنهم يأبون أن يكونوا أدوات! ولأنهم يأبون أن يعيشوا في بلد يراد أهله على الصمت والسكوت، وعلى إلغاء العقل وإخفات صوت الضمير.

قل لمن شئت من الأوربيين: إن قومًا يريدون أن يقيدوا كتاب التاريخ وهم يريدون أن يأخذوك بهذا القيد، فستثور نفسه وسيغضب ضميره، وسيقول لك: ليس إلى هذا من سبيل، فإذا أنكرت منه ذلك أو لُمْتَه فيه؛ فأنت رجل تُنكر الثقافة والحضارة والرقي، ولا تكتفي بأن ترضى الذل لنفسك، بل تريد أن يشاركك فيه الناس.

على أن الذي أغضب الوزاريين من مقال مسيو «دي لوموا» فيما يظهر ليس هو إباءه هذا الظلم، وإنكاره لهذا التشريع وإنفاذه في الأوربيين، وإنما هو — فيما يظهر — تسجيله لحقيقة ليس فيها شك، وهي أن وزارتنا إذا كانت تريد أن تسير في مصر سيرة هتلر، فتتخذ لنفسها قوة الدكتاتور، وتفرض على الحرية ما تريد فرضه من القيود؛ فقد يجب عليها قبل كل شيء أن تثق بأن الشعب المصري يؤيدها، أو بأن كثرة الشعب المصري تؤيدها، كما يؤيد الألمانيون زعيمهم هتلر.

فهتلر يستفتي الألمانيين من حين إلى حين، ولا يفرض عليهم شيئًا إلا بعد أن يظهر للناس جميعًا أن الألمانيين يؤيدونه، ويرضون عن سيرته، ونظن أن وزارتنا مهما تتكلف من الجهد، ومهما تتحمل من العناء، فلن تستطيع أن تقول للناس: إن الشعب المصري يؤيدها، أو إن كثرة الشعب تؤيدها، أو إن نصف الشعب يؤيدها، أو إن مليونًا من الشعب يؤيدها. هي بعيدة عن هذا كل البعد، وإذن فما ينبغي لها أن تسير في الشعب سيرة هتلر أو موسوليني.

هذا فيما يظن هو الذي أغضب الوزاريين من مقال البورص، ولكن ما ذنب البورص إذا كان الحق هو هذا، وإذا كان كل شيء في مصر يدل على أن الشعب لا يؤيد الوزارة ولا ينصرها، ولا يرضى عن سياستها، أفيريد الوزاريون أن ينفذوا في البورص هذا النظام الجديد قبل أن يشرع، وأن يكرهوها على أن تكذب على نفسها وعلى الناس، وعلى أن تقول لنفسها وللناس: إن الشعب يؤيد الوزارة وينصرها، وهي تعلم غير ذلك حق العلم؟ أليس يحسن بالوزاريين أن ينتظروا صدور هذا القانون الذي يُهيَّأ، وإنفاذه في الأجانب، حتى إذا تم ذلك طلبوا إلى البورص وإلى غيرها من الصحف أن تقول ما يريدون هم لا ما تريد هي؟

إن في هذا كله لعبرًا وعظات للوزارة لو أنها تريد أن تعتبر أو أن تتعظ؛ إذن لأراحت نفسها من هذا العناء الثقيل، ولجنَّبت مصر هذه الفضائح المتصلة، ولصانت كرامة المصريين من أن يقول لهم الأجانب: إنا نرثي لكم، ونعطف عليكم مما يُفرض عليكم من القوانين، ولكنا لن نذعن لقوانينكم هذه، ولن نرضى لأنفسنا الذل، سواء أرضيتموه أنتم أم أكرهتم عليه؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.