لما أخرج الدكتور هيكل باشا كتابه «الصديق أبو بكر»، وتلقيت منه نسخة «ممتازة» على ورق نفيس يعد في أيامنا هذه تحفة نادرة، دار في نفسي للصديق ما يشبه الحسد. فلو كنت حاسدًا من الناس أحدًا لحسدته يومئذ! وأعددت بعض المراجع، وعكفت على الكتاب حتى أتيت عليه في ليلة وبعض ليلة، وصحَّ عزمي على أن أقول فيه كلمة أؤدي بها حق التاريخ وحق الصديق المتفضِّل، ولكني أردت شيئًا وأراد الله غيره، فمضت الأيام، والعزم على حاله من الصحة، ولكن الكلمة لا تكتب حتى ذهبت الفرصة، وصار أن أكتب شيئًا، عملًا حريًّا أن يعد غير لائق؛ لأنه يجيء بعد أوانه بزمان طويل، فانصرفت آسفًا، وفي مرجوي أن يمهد لي الصديق العذر ولا يحوجني إلى الاعتذار.

ثم أخرج الأستاذ العقاد كتابه الجديد في «عبقرية الصديق»، وتفضل عليَّ بنسخة منه، فأقبلت عليه، كما أقبلت على ذاك، مغتبطًا متلهِّفًا، ونويت بإذن الله إذا أصبحت أن أكتب عنه، ولكن وعكًا هينًا حال دون ذلك أسبوعًا كاملًا، فخطر لي أن لعل هذه فرصة تغتنم لاستدراك ما فات. وماذا يمنع أن أتناول الكتابين في كلمة واحدة ما دام أن كليهما يدور على أبي بكر الصديق، وصحيح أن النهجين مختلفان جدًّا، وأن الطريقين شتى، ولكن هذا أحرى أن يفيد القارئ متعة عقلية يعزُّ نظيرها.

والواقع أن الكتابين مختلفان أشد الاختلاف — في الموضوع وفي أسلوب التناول — وإن اتفقا في بعض العنوان، ولقد خطر لي بعد أن فرغت من «عبقرية الصديق» أنه يخيل إليَّ أن صديقي الأستاذ العقاد قد تعمد أن يجتنب ويتحامى ما خاض فيه الدكتور هيكل باشا أو استشهد به أو نقله من الأخبار والأقوال المأثورة، وكأني به قد قال لنفسه إن الحلبة فسيحة والمادة غزيرة؛ ففي الوسع بلا كلفة أو مشقة أن أصول وأجول حيث شئت من رقعتها العظيمة من غير أن أحتاج إلى الركض في حيث اختار هيكل باشا أن يركض. وقد وسعه أن يجتنب هذا التلاقي، فلست تجد في كتاب العقاد كلمة أو خبرًا مما في كتاب هيكل.

وأرى أنه يحسن أن أنبه هنا — إنصافًا للصديقين — أن تأليفهما في موضوع واحد، مصادفة محض، فالعقاد لم يكتب «عبقرية محمد»؛ لأن هيكل كتب «حياة محمد»، بل لأن هذا الموضوع كان يدور في نفسه من ثلاثين سنة، كما روى في مقدمته، وأنا من الشاهدين، وقد أخرج «عبقرية عمر» وما يعرف أحد هل ينوي هيكل أن يؤرخ لعهد عمر أو لا يؤرخ، وفي نية العقاد أن يخرج حلقات أخرى من سلسلة هذه «العبقريات» الجليلة.

والنهجان، بعد، كما أسلفت، مختلفان. فهيكل معنيٌّ بالحوادث، والعقاد معنيٌّ بالرجل، وتقرأ كتاب هيكل في أبي بكر فإذا هو تاريخ لعصره، وللإسلام في عهده، وليس بترجمة لأبي بكر على وجه الخصوص، بل ليس حظ أبي بكر في كتابه بأجزل من حظ عمر، أو خالد بن الوليد، أو غيرهم من أبطال الإسلام الذين كان لهم شأن في هذه الفترة القصيرة الحافلة من عهد أبي بكر في الخلافة، بل إنك لتقرأ الكتاب كله، وموضوعه «الصديق أبو بكر» فلا تعثر على اسم أبيه ولا يأتي له ذكر إلا في آخر الكتاب. وأقول الحق إن كتاب هيكل باشا لا يزيد قارئ التاريخ الإسلامي تعريفًا بأبي بكر الرجل، وأحسب أني لا أحتاج أن أقول إن هذا لا ينبغي أن يغض من فضل هيكل باشا، فكل ما أعنيه أن الكتاب تاريخ لما وقع في عهد أبي بكر، وليس بترجمة لأبي بكر على الخصوص، وأن المؤلف مشغول بالحوادث عن العناية بأمر الرجال إلا بمقدار اتصالهم بهذه الحوادث يستوي في هذا أبو بكر وغيره.

وقد يؤخذ عليه أنه أسهب في وصف لا يكاد يصف شيئًا، وأنه أبى أن يقطع برأي في بعض المسائل على خلاف ما كان ينتظر أو ينبغي، مثال ذلك وصفه لخطط خالد في بعض معاركه، فما عدا أن نقل لنا، بأسلوبه هو، ما قاله المؤرخون القدماء في وصف هذه المعارك، وليست لهذا فائدة تذكر، ولو كان استعان ببعض من درس هذه المعارك دراسة عسكرية فنية، مثل الفريق طه الهاشمي (العراقي)، أو لو كان رجع إلى ما كتبه هذا الرجل الفاضل، لجاء بما هو أنفع وأوضح.

ومن أمثلة ما اجتنب فيه البت برأي، موقف عليٍّ من بيعة أبي بكر، وإني لأعلم أن هذا لا يخلو من عسر، بل من اعتساف، ولكنه كان يستطيع على الأقل أن ينفي بغير تردد أن عليًّا حمل فاطمة على دابة وخرج بها يطوف على الناس، هو مكتف بجر الدابة، وهي تناشد الرجال وتتوسل إليهم أن ينصفوا بعلها، وهم يعتذرون آسفين، فإن المرء لا يحتاج إلى ذكاء أو علم ليدرك أنها مختَلَقة من أولها إلى آخرها.

على أن هذه وأمثالها ليست سوى هنات يسيرة يسهل التجاوز عنها؛ لأنها لا تغض من قيمة الكتاب، وسيذكر هيكل باشا بأنه الرجل الذي يسَّر التاريخ الإسلامي على طلابه، وقرب منهم مناله، وأعفاهم من مشقة الرجوع إلى الكتب القديمة.

أما الأستاذ العقاد فسبيله غير هذه. ليس قصده إلى الحوادث، بل إلى الرجل ظاهره وباطنه، وهو يصوره لك كما ارتسمت شخصيته في ذهنه من مطالعاته الطويلة في التاريخ الإسلامي والأدب العربي، ولا غنى عن الإشارة إلى الحوادث، ولكن العقاد يُعْنَى من الحادثة بدلالتها، وبأثر الرجل فيها، أو تأثره بها، وببواعثه على موقفه منها، وقد نص على هذا في المقدمة ونبه إليه فقال:

إنني لا أكتب ترجمة للصديق (رضي الله عنه)، ولا أكتب تاريخًا لخلافته وحوادث عصره، ولا أُعنى بالوقائع من حيث هي وقائع، ولا بالأخبار من حيث هي أخبار، فهذه موضوعات أقصدها … ولكني قصدت أن أرسم للصديق صورة نفسية تعرفنا به وتجلو لنا خلائقه وبواعث أعماله كما تجلو الصورة ملامح من تراه بالعين. فلا تعنينا الوقائع والأخبار إلا بمقدار ما تؤدي أداءها في هذا المقصد الذي لا مقصد لنا غيره، وهي قد تكبر أو تصغر فلا يهمنا منها الكبر أو الصغر إلا بذلك المقدار، ولعل حادثًا صغيرًا يستحق منا التقديم على أكبر الحوادث إذا كانت فيه دلالة نفسية أكبر من دلالته، ولمحة مصورة أظهر من لمحته. بل لعله كلمة من الكلمات الموجزة التي تجيء عرضًا في بعض المناسبات تتقدم لهذا السبب على الحوادث كبيرها وصغيرها في مقياس التاريخ.

وصحيح أنه لم يقصد أن يكتب ترجمة بالمعنى المألوف للصديق، أو تاريخًا لخلافته، ولكن القارئ يخرج بترجمة وافية لأبي بكر، وبتاريخ لا ينقصه التفصيل لخلافته، وما كان فيها، بل يخرج بخير من ذلك: بفهم أصح وأقوم لهذا التاريخ؛ فإن الوقائع موجودة في بطون الكتب ولن يخلقها أحد أو يزيد عليها، وفي وسع من شاء أن يتخلَّى لذلك أن يجمعها ويرتبها ويسردها، ولكن فهمها على الوجه الصحيح، لا يتأتَّى إلا بدرس النفوس التي كان لها فيها عمل، وهذه هي الزيادة التي يستطيع أن يضيفها رجل حديث إلى تاريخ قديم إذا أوتي القدرة على ذلك، كما أوتيها الأستاذ العقاد، ورزق الملكة المؤاتية.

وهذه مزية العقاد، لا يكتب تاريخًا أو ترجمة، وإنما يرسم صورة، أو يحلل لك العناصر التي تتألف منها شخصية خاصة، فإذا التاريخ مكتوب من تلقاء نفسه، وإذا الترجمة مسرودة بغير تكلف لها، وإذا الوقائع قد صارت أوضح وأبين؛ لأنه فتح لك الكُوَّة التي ينبغي أن تنظر منها أو دفع إليك مفتاح الشخصية التي يتناولها، فإذا استوقفتك حادثة فليس عليك إلا أن تتناول المفتاح وتديره فإذا الغامض مجلوٌّ.

ولعبقريات العقاد مزية أخرى، هي أنها تعلِّم القارئ كيف يدرس التاريخ؛ فهي نماذج يقاس عليها، فإذا وسع القارئ أن يدرس كما درس الأستاذ العقاد، وأن يفكر، وينعم النظر، فإنه خليق أن يستطيع السير على الدرب، وما وهب كل امرئ ما وهب الأستاذ العقاد، ولكن نهجه هو النهج. وإذا كان غيره لا يطمع أن يبلغ مبلغه، فإنه يستطيع أن يكون على ثقة أنه على الأقل ينهج الطريق الأقوم، وعلى الله التوفيق.

وأحسب أن القارئ قد استخلص أني أوثر كتاب العقاد على كتاب هيكل، وهذا صحيح، وليس يضير هيكل باشا قولي هذا، وأرجو أن لا يظن أحد أني أحاول الغض منه، فما يعد الإخلاص في إبداء الرأي طعنًا أو تجريحًا إلا بين قوم منافقين، على أن إيثاري لكتاب العقاد يرجع أيضًا إلى إيثاري لنهجه، وهو نهج يتيح لمواهب الكاتب أن تتبدَّى، فيمتع القارئ بما لا مطمع فيه من نهج التاريخ العادي، ويوسع آفاق النفوس، ويمد النظر، ويعمِّقه أيضًا، ويجعل المرء أقدر على فهم الحياة وأصح إدراكًا لما يقع فيها، وأولى من أجل ذلك أن يكون أنفذ بصيرة وأهدى سبيلًا، وما خير التاريخ إذا لم يكن هذا ما يستفاد منه؟ أكل خيره ومزيته أن تعلم أن كذا وكذا كان في سالف العصر والأوان؟ والإنسان أين مكانه من هذه الوقائع وأثره فيها؟ وأنى لك أن تعرف هذا إذا لم تعرف الإنسان نفسه، ولماذا كان منه هذا، ولم يكن ذاك؟

لهذا قلت إني أوثر نهج العقاد وسبيله. وسبب آخر هو أن كتبه تظل بفضل هذا النهج في صميم الأدب، ولك أن تقول غير متحرج أو متردد في الذروة العليا منه: وما هو الأدب إذا لم يكن ترجمة عن النفس؟ وإن العقاد ليتناول عباقرة العرب فيرسم لك صورهم ويجلو لعينيك ظاهرها وباطنها جميعًا، ولكنه وهو يفعل ذلك يرسم لك أيضًا صورة لنفسه هو، ويجلو لك عبقريته هو في أروع مجلى. أترى سيقول قوم أني مفتون أو أني أصانع العقاد؟ أي والله قالها بعضهم وقد عرف رأيي، ومن نعم الله على المازني أنه يستطيع أن لا يبالي الناس، خيارهم وشرارهم، فما يعبد إلا الله، ولا يرجو أو يخاف سواه، وإنه لأعرف بالناس وأخبر بهم من أن يحفلهم أو يعبأ بهم شيئًا، أو يجعل أحدًا منهم مناط أمل، أو موضع خشية، وإني لأكره لنفسي أن أكون لئيمًا فأكتم أنه يفتـنـني ما يفتن الرجل المحس المدرك ولا أزيد، وإذا كان مصانعة أن أشهد بالحق فأنا راضٍ ومغتبط، وهل كون العقاد صديقي يوجب أن أغمطه لئلا يقال مصانع؟ إذن خير من ذلك عداوة لا تخشى «عار» الإنصاف. وعلى أن من العبث وقلة العقل أن تحاول غمط رجل يأخذ حقه بفضله كرهت أم رضيت! وإن أحدنا ليرى المنظر أبدعته الطبيعة فيسحره جماله أو يروعه جلاله، ولا يكتم ما يقع في نفسه منه؛ فلماذا يكتم كلمة الحق فيما أبدع إنسان. أيصده ويغريه بالكفران أن الإنسان يحس ويدرك ويعي كما لا تحس أو تدرك أو تعي الطبيعة التي لا فضل لها فيما بدا منها؟ إن هذا ليكون ألأم اللؤم وأخسَّ الخسة، وإني لشاكر لربي أن أخرجني «بالمصانعة» من زمرة اللئام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.