الريش مثله مثل العيون أو الأيدي؛ فهو معقَّد للغاية ومبهر للغاية من حيث عمليات التكيُّف التي يقوم بها، وجَيِّدٌ للغاية في إنجاز المهامِّ المنوطة به؛ لدرجة تجعل الاعتقاد في كونه مَرَّ بعملية تطور يبدو أمرًا صعبًا في البداية. يغطِّي الريش اليوم فقط أجسام الطيور التي تستخدمه في أشياء مثل الطيران والتحكُّم في حرارة أجسامها، والاستعراض أمام أزواجها المحتملين. وأكثر الكائنات الحالية قربًا للطيور — وهي التماسيح والقواطير — ليس لديها ريشٌ بالمعنى المعروف. فالافتخار بامتلاك الريش، على الأقل بين الكائنات الحية، إما أن يكون موجودًا أو لا.

بومة نسارية تركمانية بسيبيريا.
بومة نسارية تركمانية بسيبيريا.

لكن كلما زادت معرفتنا أكثر بالريش، زاد تقديرنا للكيفية التي تطوَّر بها. القاعدة العامة تقول إن الأشياء المعقدة — سواء أكانت ريشًا أو أيديَ أو عيونًا — تستغرق وقتًا طويلًا للغاية كي تتطور. كنت قد كتبتُ في مجلة ناشونال جيوجرافيك عام ٢٠١١ قائلًا إن السجل الحفري ساعدَنا كثيرًا على فَهم كيف اتخذ الريش الشكل الذي نراه اليوم. فقد تطورت الطيور من أسلاف الديناصورات، وهذه الأسلاف كان لديها ريش بالفعل. كان الريش في البداية عبارة عن خيوط بسيطة، ثم تحوَّل إلى زَغَب، ثم تعدَّدت أشكاله المختلفة، بما في ذلك تلك التي سمحت للطيور في آخر الأمر بالطيران في الهواء.

نماذج للديناصورات المُريشة والطيور الأولى.
نماذج للديناصورات المُريشة والطيور الأولى.

تقدِّم لنا دراسة جديدة — نُشرت في مجلة مولكيولار بيولوجي آند إيفولوشن — نظرةً أعمق على تاريخ الريش. فبدلًا من تفحُّص الحفريات، فحص العلماء الوصفة الجينية للريش في الحمض النووي للطيور، وتبيَّن أن جزءًا كبيرًا منها كان موجودًا بالفعل قبل مئات الملايين من السنين من ظهور أي شيء يشبه الريش من بعيد على الأرض. في الواقع، أنت نفسك يا صديقي العزيز، يا من لا تحمل ريشًا على جسدك، تمتلك معظم المعلومات الجينية المطلوبة لتكوين الريش أيضًا.

لم يكُنْ عالِم الطيور بجامعة هارفرد سكوت إدواردز وزملاؤه ليتمكنوا من إجراء هذه الدراسة حتى منذ سنوات قليلة ماضية؛ لأن العلماء لم يتوصلوا إلى الكثير من التفاصيل حول كيفية تطور الريش إلا مؤخَّرًا. تكون أجسام أَجِنَّةِ الطيور في البداية غير مغطاة بريش. ولكن في بشرتها تنمو العديد من الكتل الصغيرة الخاصة بالخلايا التي تُعرَف باللويحات، والتي تقوم الخلايا بداخلها بتشغيل جينات بنمط معيَّن. والسبب في تشغيل جينات معينة داخل اللويحات وعدم تشغيل البعض الآخر هو أن الجينات لديها مفاتيح تشغيل وتعطيل صغيرة قليلة بالقرب منها. إذا هبط مزيج معين من البروتينات على مفتاح جين، فسيبدأ الجين في إنتاج البروتين الخاص به.

تطور الريشة. الشكل في المنتصف هو مقطع عرضي للريشة البدائية الموضحة على اليسار.
تطور الريشة. الشكل في المنتصف هو مقطع عرضي للريشة البدائية الموضحة على اليسار.

في البداية تتكاثر الخلايا الموجودة في اللويحات بسرعة، ثم تبدأ في النمو مكوِّنة العِراق الذي يُفتح مكوِّنًا الريش. وبحسب نوع الطائر والبقعة التي تنمو فيها الريشة على جسمه، قد تكون الريشة ريشةً زَغَبية أو ريشة طيران على شكل مِجداف، أو ريشة ذيل تزيينية. وطوال الوقت، تتمايز الخلايا عن طريق إنتاج تركيبات مختلفة من البروتينات. فمثلًا، تُقوَّى الخلايا التي تكون المحور الرئيسي للريشة من خلال أنواع معينة من الكيراتين، بينما الخلايا الموجودة في المناطق الأكثر نعومة من الريشة تنتج أنواعًا أكثر مرونة من البروتين من جينات مختلفة. وتقوم مجموعات من الخلايا بإنتاج الجزيئات الصبغية المسئولة عن ألوان وأنماط الريش. وتمتلك كل خلية جينومًا كاملًا؛ بمعنى أنها تمتلك كل الجينات المسئولة عن تكوين أي جزء من الريشة. ولكن المفاتيح الخاصة بها تضمن أنها لا تستخدم سوى تركيبات معينة من هذه الجينات.

دجاجة ذات ريش مجعَّد.
دجاجة ذات ريش مجعَّد.

بحث إدواردز وزملاؤه فيما نُشِرَ من أبحاث علمية عن الجينات المهمة بالنسبة إلى تكوين الريش. فقد درس العلماء مثلًا الدجاج ذا الريش المجعَّد، وتوصَّلوا إلى الطفرة الجينية المسئولة عن تجعُّد الريش في هذه السلالة، وعن طريق ذلك حدَّدُوا الجين الأساسي لتكوين الريش. في المُجمَل وجد إدواردز وزملاؤه ١٩٣ جينًا مهمًّا في هذا الشأن. وتضمنت قائمتهم ٦٧ جينًا تحمل شفرات لأشكال مختلفة من الكيراتين و١٢٦ جينًا يساعد على تحديد نمط الريش.

بعد ذلك بحث العلماء عن المفاتيح التي تتحكَّم في هذه الجينات. وهذه المهمة ليست سهلة؛ إذ تمثِّل هذه المفاتيح قطاعات قصيرة من الحمض النووي، والتي غالبًا ما تكون مَخْفِيَّةً بعمقٍ داخل قطاعات أخرى أطولَ بكثير من الحمض النووي، والتي تكون غير مشفرة. وأكثر من ذلك أن الجينات تحمل مقاطعَ مميزة تجعلك تعرف أن ما أمامك هو واحد منها، ولكن التمييز بين مفاتيح الجينات والقطاعات غير المشفَّرة من الحمض النووي يكون أصعب بكثير.

استخدم العلماء استراتيجيات متعددةً لاستهداف مفاتيح الجينات؛ فقد استغلوا حقيقة أن معظم مفاتيح الجين تكون قريبة من الجين نفسه؛ لذا فقد بحثوا فقط في المناطق المجاورة للجينات المسئولة عن تكوين الريش، والبالغ عددها ١٦٧. واستغلوا أيضًا حقيقة أن هذه المفاتيح تتطوَّر بشكل محدود نسبيًّا؛ لأن معظم الطفرات الوراثية ستضر بها. لذا قارنوا قطاعات الحمض النووي الموجودة حول الجينات المسئولة عن تكوين الريش في العديد من الأنواع المختلفة، وبحثوا عن القطاعات التي تتشابه على نحو ملحوظ من نوع إلى آخر. وباستخدام هاتين الاستراتيجيتين، اكتشف العلماء عددًا مذهلًا من مفاتيح الجينات المسئولة عن الريش يبلغ ١٣٣٠٧ (تُعرف هذه المفاتيح تقنيًّا بالعناصر غير الإكسونية المحفوظة).

وبعد ذلك طرح العلماء سؤالًا عن الوقت الذي تطوَّر فيه كل جزء من أجزاء دليل تطور الريش. فإذا وجدوا جينًا أو مفتاحًا لأحد الجينات في الحمض النووي الخاص بالطيور فقط، يمكنهم أن يكونوا واثقين من أنه تطوَّر بعدما انفصلت أسلاف الطيور عن أسلاف التماسيح والقواطير. ولكن إذا وجدوا جينًا أو مفتاحًا لأحد الجينات لدى الطيور والقواطير والتماسيح؛ فهذا يعني أنه لا بد أنه تطور في وقت مبكر أكثر لدى سلف مشترك لهذه الأنواع الثلاثة.

(ربما تتساءلون كيف تطوَّرت هذه الجينات الجديدة؟ والإجابة باختصار هي أنها يمكن أن تتطوَّر من خلال تضاعُف الجينات القديمة أو تحوُّل القطاعات غير المشفَّرة من الحمض النووي.)

ولكي يعرف العلماء إلى أي مدًى يعود تطوُّر الجينات المسئولة عن تكوين الريش، قارَنوا الطيور بعددٍ كبير من الفقاريات، ومن ضمنها الإنسان والسلاحف وأسماك البفر، ووجدوا أن التعليمات الخاصة بتكوين الريش بدأت قبل أن يوجد الريش نفسه بفترة طويلة للغاية (انظر التسلسل الموجود في نهاية التدوينة). فقد كانت الجينات المسئولة عن تكوين النمط الأساسي لِلُّويحات موجودة بالفعل لدى السلف المشترك للأسماك والطيور التي تحيا الآن (ولنا أيضًا)؛ أو بمعنًى آخر، تواجدت هذه الجينات منذ نحو نصف مليار عام، حتى إن المزيد من الجينات المسئولة عن تكوين الريش تطوَّرت عندما صعد أسلافنا المشتركون إلى الشواطئ وجابوا أنحاء اليابسة منذ ٣٥٠ مليون عام. هذا بالإضافة إلى ظهور العديد من مفاتيح جينات الريش خلال هذه الفترة أيضًا.

منذ نحو ٣٠٠ مليون عام، بدأ أسلافُنا يضعون بيضًا ذا قشرة صُلبة. ومن هذه الحيوانات الأولى انحدرت الثدييات والزواحف والطيور (التي تُعرَف مجتمعةً باسم الحيوانات السَّلَوِية نسبة إلى البيض السلوي). اكتشف إدواردز وزملاؤه أن الحيوانات السلوية الأولى كانت تمتلك بالفعل مجموعة الجينات الكاملة المحدِّدة لأنماط الريش. وهذا يعني أنك أنت، بوصفك حيوانًا سلويًّا، تمتلك هذه المجموعة أيضًا.

وبعد ذلك انفصلت الحيوانات السلوية الأولى مكوِّنة سلالاتها الرئيسية. نشأت السلالة التي تضم القواطير والطيور والديناصورات المنقرضة — التي تعرف بالأركوصورات — منذ نحو ٢٥٠ مليون عام. اكتشف إدواردز وزملاؤه العديد من جينات الكيراتين الجديدة التي تطورت خلال نشأة سلالة الأركوصورات، بالإضافة إلى ٨٦٪ من مفاتيح جينات تكوين الريش الخاصة بها، والتي يبلغ عددها ١٣ ألف جين أو نحو ذلك.

لم يُحلِّق أقدم الطيور المعروفة إلا بعد مرور ١٠٠ مليون عام تقريبًا على هذه المرحلة؛ ومع ذلك كانت كل الأشياء المطلوبة، من الناحية الجينية، لتكوين ريشه موجودة بالفعل؛ في مكانها.

ربما يبدو الأمر غريبًا عندما نضع في الاعتبار حقيقة أنك أنت باعتبارك فردًا منتميًا للثدييات تمتلك كل الجينات المعروفة اللازمة لتكوين نمط الريشة، ومع ذلك لا تبدو مثل الطيور الكبيرة التي تظهر في مسلسلات الكرتون. وسبب هذا الاختلاف هو أن الجينات يمكن أن تقوم بوظائف مختلفة؛ فبحسب مكان وتوقيت صناعتها للبروتينات الخاصة بها، بإمكانها أن تكوِّن أجزاءً تشريحية مختلفة. ولكن الأمر لم يتطلَّب من مفاتيح الجينات الكثير من التجديد لتحويل جلود الزواحف الأولى الحرشفية إلى جلود تغطيها الريش. في الواقع من الممكن أن يفسر التاريخ الطويل للريش لماذا يعثر علماء الحفريات على الكثير من الأدلة على وجود خيوط بسيطة تشبه الريش، ليس فقط لدى الديناصورات، ولكن لدى أقاربها القريبين مثل التيروصورات. فقد كانت عملية التطور تجرِّب استخدام نفس مجموعة الأدوات.

لاحظ إدواردز وزملاؤه شيئًا آخرَ مثيرًا في جينومات الطيور؛ فقد وجدوا العديد من مفاتيح الجينات التي لا تقع بالقرب من جينات تكوين الريش، لكنها كانت تُوجد لدى الطيور فقط. وعندما تفحَّص العلماء أقرب الجينات لها، لاحظوا أن العديد منها يساعد الطيور على النمو؛ فهي تتحكَّم، على سبيل المثال، في حجم أجسام الطيور أو في حجم أطرافها.

ويعتبر ذلك الاكتشاف مثيرًا للاهتمام؛ لأن السجل الحفري يكشف عن أنه مع تطور الديناصورات إلى طيور انكمش حجم أجسامها بينما ازداد طول ذراعَيْها ليكون مناسبًا لأحجامها. وقد مكَّن هذا التحول الطيور من الطيران لارتفاع كبير باستخدام أجنحة كبيرة لا يمكنها أن تحافظ إلا على جسم صغير طائر في الهواء.

اكتشف إدواردز وزملاؤه التوقيع الجزيئي لهذا التغيير. وإذا كانوا على صواب، فهذا معناه أن الدليل الخاص بتطور الريش قديم جدًّا، ولكن عملية التطور تطلَّبت من الطيور اكتساب نوع جديد من الأجسام؛ حتى تتمكَّن من استخدام الريش للطيران.

Your Inner Feather by Carl Zimmer. The Loom. November 21, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    دليل نقل العفش والاثاث ·٣٠ ديسمبر ٢٠١٦، ٢٣:٥٨ م

    http://www.eldallle.com/2016/04/Anti-Jeddah-companies.html مكافحة حشرات بجدةhttp://www.eldallle.com/2016/04/Transfer-and-relocation.html نقل عفش بالمنطقة الجنوبيةhttp://www.eldallle.com/2016/04/Movers-in-medina.html نقل عفش بالمنطقة الشمالية