ثارت في مجلس النوَّاب خصومتان مُنيفتان في هذا الأسبوع، ذهبت إحداهما لغوًا كأن لم تكن، وكادت الأخرى تُفسد الائتلاف بين حزبَي الحكومة لولا أن الذي بيده عقدة هذا الائتلاف لم يأذن بعدُ بالطلاق بين الحزبين الشقيقين كما تسميهما بعض الصحف.

فأمَّا الخصومة العنيفة التي ذهبت لغوًا كأن لم تكُن، فهي التي أُثيرت حول سياسة التعليم. فقد خطب نوَّاب، وردَّ عليهم نوَّاب آخرون، وتكلم وزير المعارف. وخيِّل إلى الذين قرءوا كلام أولئك وهؤلاء أن تغييرًا عظيم الخطر سينال سياسة التعليم في أصولها وفروعها، ثم سكنت العاصفة وصفا الجو وابتسمت السماء، ومضت سياسة التعليم كما تريد وزارة المعارف أن تمضي، إن كانت وزارة المعارف تعرف وجهًا تمضي فيه بسياسة التعليم!

فالواقع أن وزارة المعارف في هذا العهد السعيد قد اضطربت بين سياستين: إحداهما سياسة الوزير السابق، وكانت تعتمد على التجديد والرُّقِيِّ، وكانت تعتمد أيضًا على تعرف العلل التي يشكو منها التعليم في مصر؛ لذلك ألف الوزير السابق لجنة لسياسة التعليم، وألفت هذه اللجنة لجانًا فرعية، وكتبت مذكرات، واشتغلت اللجان، وكانت مناقشات، وخيِّل إلى الناس يومئذٍ أن أمور التعليم ستُقلب رأسًا على عقب، وأن مصر ستجد آخر الأمر لنفسها سياسة تعليمية معقولة ملائمة لحاجاتها وآمالها. ولكن وزير المعارف السابق ذهب إلى بروكسل وخلفه الوزير القائم. فذهبت إلى بروكسل أيضًا سياسة التعليم الأولي، وقام التقليد مقام التجديد، فأُقفلت معاهد وأُلغيت أعمال، ونامت اللجنة الأصلية، وتفرقت اللجان الفرعية، وقام الفرد مكان الجماعة. واستغنى وزير المعارف بنفسه ووكيله عن هذه اللجنة التي لو أُمهِلت لقلبت سياسة التعليم في مصر رأسًا على عقب. وأجمل ما في الأمر وأدعاه إلى الابتسام — بل إلى الضحك — أن جماعة من النوَّاب كانوا يطالبون أثناء هذه المناقشة في سياسة التعليم بتأليف لجنة لتقرير سياسة للتعليم، كأن هذه اللجنة لم تكن أُلِّفت من قبلُ، ولم تكن قد بدأت أعمالها، وكأن النوَّاب لم يسمعوا بها. ولم يذكر الوزير هذه اللجنة ولا أشار إليها، وإنما أجاب بأن الوزارة تستطيع أن تمضي في سياسة التعليم على سيرتها التي اتخذتها، وهي توسيع التعليم الأولي وتضييق التعليم الثانوي والعالي، وقبل النوَّاب هذا الكلام، وانتهت الخصومة بسلام كما تنتهي الأحلام.

أمَّا الخصومة الثانية، فقد كانت محرِجة وممعنة، وكانت خطرة أدارت الرءوس وأذهلت النفوس، وأَقَضَّتِ المضاجع، وأضاعت يومًا كاملًا على كثيرٍ من النوَّاب ورجال الأحزاب. كان من شك في أن موضوعها كان أجلَّ خطرًا أو أعمق أثرًا وأَمَسَّ بحياة الشعب الآن، بعيدًا عن سياسة التعليم، وهو إعانة الأوبرا.

أتمنح الحكومة أم لا تمنح إعانة للممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات والراقصين والراقصات؟ والظريف الطريف أن الدفاع عن منح هذه الإعانة لهؤلاء الأجانب الذين يفِدون علينا كل عام لتسلية الأجانب الذين يقيمون بيننا، قد نهض به وزير التقاليد الذي أقفل معهد التمثيل وألغى الرقص، وحارب اختلاط الجنسين في المدارس. نهض وزير التقاليد، فدافع دفاع الأبطال عن الفن والجمال يصول ويجول، ثم يسكت ويقول، ثم يرفع يده في الهواء ويهوي بها إلى المائدة، والنواب ينظرون ويسمعون ويعجبون؛ ومنهم من يدافع ويمانع، ومنهم من يؤيد ويسرف في التأييد، والوزير ثابت في موقفه مصمم على أن يشهد الأجانب في مصر كل عام على حساب الدولة تمثيل الممثلين والممثلات والراقصين والراقصات، ويسمعوا غناء المغنين والمغنيات.

ومع أن الخصومة بلغت أقصاها، وكان حزب الشعب عدو التمثيل والرقص والغناء، وكان حزب الاتحاد صديق هذه الفنون الجميلة؛ فقد انتهى الأمر بفوز وزير التقاليد وانتصار حزب الاتحاد. وسيدفع المصريون طوعًا أو كرهًا هذه الآلاف ليسلُّوا الأجانب، ويعينوا جماعة من أهل الفن الأوروبيين على الحياة، ويمكِّنوهم من السياحة والاستمتاع بما في مصر من صفو السماء في فصل الشتاء، ومن اعتدال الجو وجمال النيل.

وما كنت أظن أن سياسة التعليم تثير عاصفة لا تلبث أن تهدأ، وأن دار الأوبرا تثير عاصفة تتجاوز مجلس النوَّاب إلى أندية الأحزاب وإلى دور الوزراء القائمين والمستقيلين، وتزعج حتى رئيس الوزراء الذي هو في أشد الحاجة إلى الراحة وهدوء البال. ولكن الله يريد أن تنعكس الأشياء دائمًا في مصر، فيهون التعليم كله، وتعز الأوبرا، ويلقي وزير التقاليد في الدفاع عن التجديد — وأي تجديد — ما يُطاق وما لا يُطاق من خصومة الشعبين.

انتهى الأمر في مجلس النوَّاب إلى ما أراد الوزير، وانتهى الأمر خارج المجلس إلى صفو وسلام بعد جفاء وخصام. ولكن من يدري لعلَّ مسألة أخرى أشد خطرًا من سياسة التعليم تمر غدًا أو بغد غدٍ مرور النسيم، ولعل مسألة أخرى أقلَّ شأنًا من مسألة الأوبرا تحطم الائتلاف حطمًا، وتمضي بالشعبيين إلى اليمين حيث المحافظة على السنن الموروثة والعادات والتقاليد، وبالاتحاديين إلى الشمال وإلى أقصى الشمال حيث الغلو في التجديد والإغراق في مسايرة العصر الذي نعيش فيه. وما دام الليل يمر، والنهار يكر، فلن يثبت لهما شيء حتى ائتلاف الاتحاديين والشعبيين، وحتى دفاع وزير التقاليد عن السنن والعادات.

فلننتظر فقد رأينا إلى الآن عجبًا، وما أرى إلَّا أننا سنشهد منذ الآن ما هو أدعى إلى العجب وأبلغ في الغرابة. ولكن صدقني أنك تخطئ كل الخطأ إذا نظرت إلى حياتنا العامة نظرة الجد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.