ضحكت حين تلقيت رسالة معنونة هكذا: «الفيلسوف الكبير …» ولبثت لحظة محجمًا عن فضها مخافة أن أقرأ فيها ما هو شر من ذلك، وإذا كانت الفاتحة أني «فيلسوف» و«كبير» أيضًا — ألا ليت من يكتبون إليَّ يرونني!! وإن كنت لا أحب أن يريهم الله سوءًا — فما ظنك بالخاتمة؟ وقلت وأنا أفتح الظرف بعد طول التردد: «إذا كنت أنا فيلسوفًا، فالله يرحم مصر!» وتساءلت وأنا أهز رأسي أسفًا: متى يعتدل الميزان في بلدنا المسكين؟ حتى متى نسرف ونشتط في كل شيء: في الرضى والسخط، وفي المدح والذم، والحب والبغض؟

وتوكلت على الله، وقرأت الرسالة، فجف وجهي، وأحسست أن شعلة ساطعة ذات لهيب شديد وزفير قوي تستطير فيه، فقد ردتني بعنف إلى عهد الطفولة والشباب الذي قطعته «وثبًا»، ورفعت أمام عيني صورًا كنت أتوهم أني طويتها أو أدرت وجهها إلى الحائط.

وتلوت الرسالة مرة، وأخرى، وثالثة، ورابعة؛ فقد وجدت فيها عزاء. أنا إذن لست الوحيد الذي عانى ويعاني ما شاء الله أن يكتب له في لوحه! فهذه فتاة في سن السادسة والعشرين تكتب إليَّ، فتقول:

ولو سألتني عن سر انطوائي على نفسي لحرت ولم أَدْرِ بماذا أجيب … غير أني أذكر طفولة غير سعيدة، وتعليمًا بدأ مبكرًا وسار سيرًا حثيثًا، لينقطع فجأة وأنا أشد ما أكون رغبة في مواصلته، وأحوالًا مالية مرتبكة أدت إلى ذلك الانقطاع، وآمالًا كبارًا عقدتها على ذلك التعليم انهارت كأنها كوم من الرمل، واضطراري لمزاولة عمل بسيط ينافي ما كنت أرغب فيه وأتطلع إليه، مع قوم أجزل الله لهم حظهم من تفاهة الخلق، وأصابني منهم إيذاء وإيلام وتجريح، ولقد حاولت كثيرًا أن أضحك وأن أتلقى ما تجيء به الأيام بالسخر، ولكن كلمة تبدر أو إشارة تصدر، تردني إلى الحقيقة — حقيقة نفسي الموجَعة — وعبثًا حاولت أن أنسى أو أتناسى … ولقد وهبني الله قبسًا من السعادة في شخص صديقة عرفتها، سيدة عاقلة فاضلة مهذبة، حباها الله ذكاء نادرًا وزودها العلم بثقافة عالية، وجمعت بين دقيق الشمائل وحميدها، وقوة العزم ومضائه، ولكن الأيام باعدت بيننا، ففقدت بفراقها هدوءًا وجدته في ظلها، وحُرِمْتُ سكينة النفس، وما كنت أفيده من علمها وفضلها وأدبها وتهذيبها … والآن أراني قد أصبحت على شفا انهيار عصبي لا يعلم نتيجته إلا الله … فأنا أكتب إليك راجية أن أجد عندك طبًّا لما أعانيه من جراء الكبت والانطواء على النفس، من شتى الأحاسيس والانفعالات.

أنا أيضًا عانيت هذا كله وصَلِيت بحر نار لم أكن — علم الله — من جُناتها؛ فافتقرت — بعد يسر — في حداثتي، وكاد ينقطع تعليمي لولا عناد أمي وإباؤها كل الإباء أن أخرج من المدرسة، وجاء يوم يابس تناهي فيه سوء الحال، فاقترح قريب لنا — من أدنى ذوي قربانا — أن نقدم طلبًا بإعفائي من نفقات التعليم؛ فقد كان هذا هو كل ما تحرص عليه أمي، أما ما عداه فأمره مما نحتمله فيما بيننا وبين أنفسنا، وكتب الطلب، وذهب به ثم عاد يقول — أي والله، غفر الله له: إن الناظر يطلب رشوة! وكان الناظر من أنزه الناس وأَعَفِّهِم يدًا ولسانًا وقلبًا، وريعت أمي؛ فقد كان أبي محاميًا، فتعلمت منه أشياء وأبت كل الإباء، وأُوجِزُ فأقول إنها دفعت الرشوة إلى قريبنا لا إلى الناظر المظلوم! وبعد شهر وزيادة جاء القريب الفاضل سامحه الله يقول إن الوزارة أعفتني من نصف المصروفات فقط، فقلنا: خيرًا على كل حال، وكانت «المصروفات» ستة جنيهات في العام على ثلاثة أقساط فاعطتني أمي جنيهًا من ذهب وقرشين ونصف قرش، وألهمني الله أن أتحرَّز — وتصور طفلًا في العاشرة يتنبه الى وجوب التحرُّز — فلم أذهب إلى «الصراف» بل قصدت إلى الناظر في حجرته، ودفعت إليه الجنيه والقروش، فاستغرب فلما قصصت عليه ما أنبأنا به القريب الفاضل، كاد يبكي، فقد كان جارًا وصديقًا لأبي، وقال إنه يأسف؛ فقد رفضت الوزارة الطلب، وأبت المجانية، وأمهلني ما شئت! فعرفنا أن قريبنا «نصب» علينا وهو في يسر ونحن نتضور.

وكانت الحياة كلها في ذلك العهد كبتًا في كبت وانطواءً تامًّا على النفس، ولا حاجة بي إلى شرح ذلك وبيان أسبابه؛ فإنه هو الذي كان لا مفر منه مع الفاقة، وفي الأحوال الاجتماعية التي كانت يومئذٍ مقررة سائدة. وعكفت على القراءة — وماذا كان هناك غيرها — حتى أَضَرَّ ذلك بصحتي وكاد يطفئ نور عينيَّ، ولكني كنت قد اعتدت الاعتماد على النفس، والاستقلال في التفكير والتصرف، وأصابتني النوراستينيا، فلجأت إلى الأطباء فكادوا يطيرون لي ما بقي من عقلي، فتوكلت على الله مرة أخرى … وعالجت نفسي بنفسي، أو بذلت كل ما يدخل في طاقتي من جهد. وما زايلني تلف الأعصاب، ولكني أغالب ذلك بالإرادة، ورياضة النفس، ومواجهة الحقائق لا الهروب منها، وتلقي ما تجيء به الأيام بأعظم ما يسعني من التهوين، وبإنزال كل شيء منزلته دون مغالاة، وبقولي لنفسي إن هذه هي الدنيا، وأن الحياة هكذا أبدًا — كانت كذلك وستظل كذلك — والناس هم الناس، فيهم الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، وكل شيء في الحياة قسم وحظوظ وأرزاق، وفي وسع الإنسان أن يجمل الحياة، والسعادة ليست هبة تأتيه من الخارج، وإنما هي ثمرة لسكينة النفس الصحيحة الإدراك، ولا داعي على كل حال للتهويل على النفس؛ فإن ما لا يدرك في صورة ما، يدرك في صورة أخرى، وفي مقدور كل امرئ أن ينال ما حُرِمَهُ، وأن يفوز بما يبغي أو يتلهف عليه، ولو على وجه غير الذي تعذر، واتقاء الكبت أوجب ما يجب؛ فإن عواقبه وخيمة، وما من أحد يعدم — إذا عني بالتماس الوسيلة — مخرجًا من الكبت.

وأظن هذا جوابًا كافيًا، وإن كان غير مباشر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.