منذ أعوام طوال، سمعت حديث الوحدة العربية، ولم أسمعه للمرة الأولى والثانية والثالثة إلا من السوريين. كانت الوحدة العربية حلمًا للسوريين حين كانت أرضهم وحياتهم ومنافعهم كلها في أيدي الفرنسيين، يتصرَّفُون فيها كيف شاءوا، ويعبثون بها كيف أحبُّوا. ولعلها كانت حلمًا للسوريين قبل ذلك حين كانت سورية خاضعة للترك العثمانيين، يدبِّرون أمرها، ويسومون أهلها سوء العذاب. ولعل السوريين كانوا يتعزَّوْنَ بهذا الحلم، من عسف الترك، ومن ظلم الفرنسيين. ولعلهم كانوا يرون في تحقيقه وسيلة يخرجون بها من محنهم القاسية، ويستردون بها شيئًا من حريتهم ومن كرامتهم ومن سيادتهم؛ لا في وطنهم السوري وحده، بل في الوطن العربي كله. وقد أوشك هذا الحلم أن يتحقق حين انتصر الحلفاء الغربيون على الترك، وحين أصبحت سورية دولة مستقلة. ولكن ذلك الاستقلال لم يكد يرى النور، حتى أطبقت عليه ظلمة الانتداب الفرنسي، وحتى مُزِّقَ الوطن السوري كل مُمَزَّقٍ في أيدي الفرنسيين، وقُسِّم إلى دويلات يعبث بها المنتدبون، يوجهونها إلى مصالحهم، فعاد ذلك الحلم يداعب نفوس السوريين. والناس جميعًا يعرفون كيف أبلى السوريون أحسن البلاء في مقاومة الظلم الفرنسي، وكيف ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل العودة إلى الاستقلال، وكيف أمنت قلوبهم ووثقت نفوسهم بأن هذا الاستقلال لن يكون غاية في نفسه إن أتيح لهم، ولكنه سيكون وسيلة إلى تحقيق استقلال آخر أوسع وأشمل وأكرم، وهو استقلال الوطن العربي كله، وتحقيق وحدة الأمة العربية بعد ذلك.

وكان السوريون في تلك الأيام يكرهون أن يسمعوا من عربي كلمة الأمة السورية، بل كانوا يُسرعون إلى إصلاح هذه الكلمة، فيقولون لمن ينطق بها: لا تقل هذا، فليست هناك أمة سورية أو أمة عراقية أو أمة مصرية، وإنما هناك أمة واحدة: هي الأمة العربية، وقل إن شئت: الشعب السوري والشعب والعراقي والشعب المصري، فليس بد من أن تتحد هذه الشعوب في العصر الحديث كما اتحدت في وقت مضى، وتصبح كلها أمة عربية كما كانت في وقت مضى.

وأذكر أني خاصمتهم كثيرًا في هذه الوحدة، وكنت أسألهم أين تكون العاصمة لهذه الوحدة؟! أتكون في المدينة كما كانت أيام الخلفاء الراشدين؟! أم تكون في دمشق كما كانت أيام الأمويين؟! أم تكون في بغداد كما كانت أيام العباسيين؟!

فكانوا يردون عليَّ في استخفاف أي استخفاف ويقولون: ليس هذا هو المهم، فالأهم هو أن تحقق الأمة العربية وحدتها، ولا بأس بأن تكون عاصمة هذه الوحدة حيث تريد أن تكون.

ثم لم يلبثوا أن اتهموني في صحفهم بالفرعونية أولًا وبالشعوبية بعد ذلك، ثم تجاوزوني إلى اتهام الكتاب المصريين كلهم أو أكثرهم بهذه الفرعونية التي كانوا يُبغضونها أشد البغض، وينكرونها أعظم الإنكار.

وكنت في سوريا سنة أربع وأربعين وتسعمائة وألف حين اجتمع مندوبون من البلاد العربية بمدينة الإسكندرية ليدرسوا إنشاء الجامعة العربية. ولست أنسى أنني خطبت في دمشق في العيد الألفي لأبي العلاء المعري، وتمنَّيت النجح لفكرة الجامعة العربية وللذين كانوا يحاولون تحقيقها، فضجَّت الجماهير الضخمة بالهتاف والتصفيق، وكان السيد شكري القوتلي — رئيس الجمهورية السورية حينئذ — يرأس ذلك الاجتماع، وقد ظلَّ الهتاف والتصفيق متصلًا حتى يئستُ أو كدت أيأس من إتمام الحديث عن أبي العلاء.

وفي تلك الأيام جعل السوريون يهنئونني بالعدول عن الفرعونية والميل إلى الوحدة العربية، لا في دمشق وحدها، ولكن في معرة النعمان، وفي حلب، وفي حماة.

كذلك كان السوريون أثناء الانتداب الفرنسي، فلما انتهى هذا الانتداب وأُتيح الاستقلال للسوريين، لم يشكوا في أن تحقيق الوحدة العربية الشاملة قد أصبح قريبًا من متناول اليد.

وما من شك في أن السوريين كانوا من السابقين إلى التفكير في الوحدة وإلى الدعوة إليها والجد في سبيلها، حتى اضطروا في يوم من الأيام أن يتعجَّلوا تحقيقها، وأن يُلِحُّوا في هذا التحقيق أشد الإلحاح وأقواه، وأن يسبقوا الظروف الملائمة لتتحقق هذه الوحدة دون أن تقوم العقبات في سبيل تحقيقها.

ثم أقبلوا إلى مصر ذات يوم وحاصروا رئيس جمهوريتها بالإلحاح والتشدد فيه، وكادوا يُحمِّلونه تبعات ما كانت تتعرض له سورية من الخطوب الجسام. كانت تركيا تناوشهم على الحدود الشمالية، وكان نوري السعيد يحلم بالهلال الخصيب، ويستعين بالإنجليز في تحقيقه. وكانت إسرائيل خطرًا داهمًا على الحدود من ناحية ثالثة.

وكان لسان حال السوريين يوشك أن يقول لرئيس الجمهورية في مصر ذلك البيت العربي القديم الذي سار مسير الأمثال:

فإن كنتُ مأكولًا فكن أنت أكلي

وإلا فأدركني ولما أمزقِ

ولم يكن رئيس الجمهورية يريد أن يأكل أحدًا، لم يكن يحب لوطنه أن يأكل أحدًا، وإنما كان رجلًا عربيًّا كريمًا لا يتردد في أن يسرع إلى معونة أي مواطن عربي آخر يحتاج إلى هذه المعونة ويطلبها.

وكذلك اضطر رئيس الجمهورية المصرية إلى أن يستجيب إلى هذه الدعوة السورية، وهو يعلم بأن هذه الاستجابة ستثير له مشاكل لا تُحصى وستعرضه لألوان من المشقة لا يقهرها إلا أولو العزم، وستحمِّله أعباءً لا ينهض بها إلا الذين يؤمنون بالحق والخير ويستجيبون للشهامة والمروءة والنجدة حين يدعون إليها.

وأذكر أني لقيت أحد وزرائنا بعد الاتفاق على هذه الوحدة، وقلت له: إن هذه الوحدة التي اتفقتم عليها قبل أوانها ستثير لكم ولنا مشكلات لسنا في حاجة إليها، وحسبنا ما يواجهنا في وطننا من المشكلات. فكان جوابه أن الرجل الكريم يُؤْثِرُ أن يبذل التضحيات مهما تثقل ومهما تكن فادحة، على أن يعرِّض أخاه للخطر.

وقد تمت الوحدة إذن وأقرَّها الشعب السوري بالإجماع، ولم يكن الشعب المصري أقلَّ منه إجماعًا على إقرار هذه الوحدة. وبدأت المشكلات وتتابعت، واحتمل رئيس الجمهورية وزملاؤه أثقالها وأعباءها ومتاعبها، لم يضنُّوا بشيء من جهدهم ولم يضنُّوا بشيء من المال. وليس من شك في أن الذي استفادته سورية من هذه الوحدة أعظم ألف مرة ومرة من الذي استفاده الشعب المصري منها في هذه الأعوام الثلاثة الماضية.

حُفظ الوطن السوري على أهله، وأمنت حدوده، وانقطعت مطامع الطامعين فيه، ويسرت الحياة للسوريين في بلادهم وفي بلادنا أيضًا، وأُتيحت للعمال والزراع مكاسب لا تكاد تقدر، وتحققت بينهم العدالة الاجتماعية إلى أقصى ما كان يمكن أن تتحقق في هذا الوقت القصير. ولكن الإنسان بَطِرٌ بطبعه، سريع إلى الجحود، سريع إلى كُفر النعمة، ومن أجل ذلك — لا من أجل شيء آخر — استجابت شرذمة من السوريين للاستعمار، وآثرت مصالحها الخاصة على مصالح الوطن السوري، بل على مصالح الوطن العربي كله.

آثرت أن تنعم وتُسرف في النعيم، وأن يشقى الشعب السوري ويغرق في الشقاء، وآثرت أن تحقق منافعها الجائرة وطغيانها الآثم، على أن تشرق آمال الوحدة والعزة والكرامة في نفوس العرب على اختلاف أوطانهم.

ووقف رئيس الجمهورية من هذه الخيانة ومن هذا الجحود ومن هذا الكفر بالنعمة، موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف الرجل الكريم النبيل؛ آثر سلامة الوطن السوري، وأبى أن يستجيب للعاطفة، وأبى أن يأخذ السوريين بأن يبروا بأيمانهم وعهودهم ومواثيقهم، وخلَّى بينهم وبين ضمائرهم، بل تجاوز هذا كله وطلب إلى السوريين ألا يسفك بعضهم دماء بعض، وأن يدَّخروا وحدة الوطن السوري للدفاع عنه حين تدهمه الخطوب. فعل هذا كله ولم يحل بين السوريين وبين أن يصنعوا بأنفسهم ما يشاءون، لم يتحفَّظ إلا تحفظًا واحدًا: وهو أنه لن يعترف بحكومة سورية إلا إذا أقرَّها الشعب السوري في استفتاء حر كريم.

والمصريون جميعًا يقفون موقف رئيس الجمهورية، ويسألون الله أن يسدد خُطى الشعب السوري، وأن يوجهه إلى منافعه الصحيحة، وأن يجعل مثله الأعلى دائمًا هو الحق والخير وعزة العرب، ويتمنَّون على الله عز وجل ألَّا تحق على القلة الجاحدة من إخواننا السوريين هذه الآية الكريمة من سورة النحل: ().

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.