في مثل هذا اليوم من شهر نوفمبر عام ١٨٤٨م انتقل والي مصر إبراهيم باشا إلى دار البقاء بعد أن سجَّل لبلاده نصرًا عظيمًا في صفحة الخلود، ووجب على مصر الناهضة الوفية أن تحيي ذكرى مفاخره ومآثره وأن تشيد بها الآن وعلى مر السنين، وليكن رائدها في هذا وأمثاله تلك الحكمة الرائعة المأثورة عن مليكها الراحل فؤاد الأول: «لا يفقه شعب ما سر مستقبله قبل أن يتنبه شعور الاحترام فيه لمآثر أجداده، فهنا وهنا فقط يستطيع أن يبلغ ذروة الرقي.»

وما كان إبراهيم إلا المثل الكامل لتلك الصفوة من الرجال التي عمل محمد علي عملًا متواصلًا على تنشئتها وتربيتها وتكوينها، وكانوا جميعًا على اختلاف أصولهم يتفقون معًا في شيء واحد؛ في أنه لهم هو ولي النعم، تعهَّدهم بالتعليم، وقلَّدهم المناصب، وعهد إليهم بخططه، ونفث فيهم من همته وآماله، وأنعم عليهم ورفع قدرهم، وقد وضع علاقته بهم لا على أساس السيد والمسود، بل على أساس آخر؛ علاقة الأب بأبنائه؛ يأخذهم باللين أحيانًا وبالشدَّة أحيانًا أخرى، كما يأخذ الأب أبناءه باللين والشدَّة. وهذه أوامره الحكومية قلَّ أن تجد لها شبيهًا في أوامر الحكومات، فكانت في جمعها للنصح والترغيب والترهيب وضرب الأمثال والإشارة إلى أن منفعة الرعية أو مجد الوطن متوقف على ما نيط بعمال الحكومة أداؤه صورة صادقة لشخصية هذا العاهل الكريم. وهذه أيضًا طريقته الإدارية، جعل لكل شأن من الشئون العامة ديوانًا، وكان لا يتخذ قرارًا في مسألة ما إلا بعد أن يستمع لآراء المجلس المختص بها؛ ذلك لأنه لم يكن حاكمًا فحسب، بل كان طوال مدته مربِّيًا ومكوِّنًا للرجال. تحدَّث مرة إلى رؤسائهم في اجتماع تاريخي فقال: «إن المماشاة والموافقة في الأمور المضرة بالمصلحة والأصول الموضوعية من أعظم الجرائم، فيجب الاجتناب عن ذلك، حتى إذا كنت آمر أحدكم شفاهًا أو تحريرًا بقولي له: أجرِ المادة الفلانية بهذه الصورة، وحصل منه اعتراض عليَّ وذكَّرني وأفادني شفاهًا أو تحريرًا بأن المادة المذكورة مضرة، فهذا يكون منه عين ممنونيتي الزائدة.»

وشاء سعد الطالع أن يحقق إبراهيم في نفسه وفي أعماله كل ما كان أبوه يأمله ويرجوه؛ كره ما كان يكرهه أبوه، فكان يمقت «الشعوذة والغفلة والرخاوة والغرض والضغينة والمحاباة»، ونشأ وعاش صريحًا جادًّا مترفعًا عن الدنايا مقدِّسًا للنظام «على أساس الإنصاف والإنسانية والكياسة والعدالة والاجتهاد والغيرة»، لا يأنف من أن يتعلم ما لم يكن يعلم. فوقف وقفة الجندي في صف التعليم، وجلس جلسة التلميذ، وخالط واستعلم واستمع إلى أحاديث الكُتب وأقوال الرجال. يشارك في وضع الخطط ويقوم بالتنفيذ، لا يمشي ولا يوافق على ما لا يراه غير محقق للمصلحة العامة، بل يقول ما يراه، وقد يتمسك برأيه ويصر إصرارًا بلغ في بعض الأحايين أنه طلب الإعفاء من الرياسة مع البقاء مؤديًا للواجب في صفوف الجنود. ترك الراحة وتحمَّل المشاق، وتجلَّد لبث العدل وتشييد العمران للأعقاب والأخلاف.

لقد تجلَّت عظمة إبراهيم في فن القيادة العسكرية، ولكن فيمَ تختلف صفات القائد الكبير عن صفات الحاكم القدير؟ إن صفات العزم والحزم والتدبير والجد وسعة الأفق وحُسن التصرف وإدراك العواقب ولطف الحيلة ودقة فهم الطبيعة البشرية والإحسان إلى المحسن ومؤاخذة المقصر؛ كل هذه من مستلزمات النبوغ في فني الحكم والحرب على حدٍّ سواء. لقد تجلت هذه الصفات في إبراهيم قائدًا، أفلا يحق لنا — نحن المصريين — أن نأسى على أن القدر لم يُتِح لإبراهيم أن يَخْلُف أباه بعد أن تشرَّب روحه وأخلاقه، وتعلق بخططه ومراميه وآماله، وعاونه في بناء النهضة المصرية ما يقرب من خمسين عامًا؟

***

في سنة ١٨٠٥م قبِل محمد علي اجتماع كلمة الناس عليه وتولى باشوية مصر، ولكنه قبِلها على أن يسير فيها على منهجٍ مِن وضْعه.

وقد أدرك منذ اللحظة الأولى أنه لم يتولَّ أمر باشوية بل جلس على عرش مملكة عظيمة كل ما حوله فيها يشهد بما كان لها ولملوكها، وأن عناية الله سلمته حكم أمة متحدة يُدِرُّ نِيلُها الفيضَ العميم، كما أدرك بالفكر الثاقب الذي وهبه الله أنْ لا بد لحكم مصر من انتهاج مناهج جديدة، وهدته مواهبه لسياسة جديدة يحقق بها رجاء الناس فيه؛ فيصون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم ويرتقي بهم درجات إلى ما لم يكونوا يهدفون. ورأى أن ذلك لا يحتمل التأجيل وأن إعزاز مصر يتطلب العمل السريع والقوة التي تصون الكرامة؛ قوة الحديد والعلم والمال.

ولقد عرف محمد علي السياسة الكبرى في طور عنيف من أطوارها؛ عصر الثورة الفرنسية والفتوح النابليونية وحركات القرن التاسع عشر الاجتماعية؛ ففي حقبة قصيرة من أحقاب الزمان تجمَّع الشيء الكثير من العناصر الأساسية في تشكيل العلاقات بين الأمم؛ تسخير قوى الإنتاج وتنظيمها وتنسيقها وتوجيهها لتحقيق غايات قومية، خريطة أوروبا تُطوى وتُنشر، مبادئ هدامة، عروش تُقوَّض وأخرى تقام، تفوُّق الدول البحرية، تدخُّل الروسيا في شئون أوروبا، العالم العثماني تحت رحمة الأقدار.

بهرته الحركة وصادف ذلك هوى في نفس مشرئبة طموحة، فعوَّل على أن تكون سياسة الحركة ديدنه، واعتزم أن يكون دائمًا البادئ لا المنتظِر.

ولكن كان لا بد له في أول الأمر أن يقيم بناء الحكومة على أساس جديد، أن مصر لا بد أن تتولى أمورها سلطة عامة واحدة.

وقد بدأ إبراهيم حياته العامة بالاشتراك في إقامة هذا البناء، بدأها وهو بعدُ فتى غَضُّ الإهاب؛ فقام بالفحص والتحقيق والكشف عن حقوق السلطات في الصعيد، وشارك في العملية الكبرى؛ عملية فك الزمام التاريخية.

وقد أكسب إبراهيم عمله هذا خبرة بشئون الفِلاحة المصرية تكاد تبلغ خبرة أبيه بها، وعمل في خدمة الزراعة المصرية في ممتلكاته الخاصة وفي مداولات المجالس العامة التي تولى رياستها فيما بين فترات الجهاد أعمالًا جليلة باقية الأثر. وكوَّن لنفسه في السياسة المالية — وبخاصة ما تعلق منها بأموال الأراضي الزراعية — رأيًا يخالف ما كان عليه العمل جاريًا، وكذلك كوَّن في سياسة التعليم رأيًا فنزع إلى أن يتخذ منه إحدى الوسائل للارتقاء بالشعب. واهتم عندما حمل عن أبيه عبء الحكم بافتتاح مكاتب لتعليم الناس أطلقوا عليها اسم «مكاتب الملة» على نحو ما كان موجودًا في ذلك الوقت في فرنسا وإنجلترا لتعليم الشعب عن أقرب طريق وفي أقصر وقت، فلمكاتب الملة غرض جديد غير غرض المدارس الابتدائية؛ فليس الغرض منها إعداد التلاميذ للمدارس التجهيزية، بل الغرض منها توفير قسط من الثقافة لسواد الشعب، لكن هذه الحركة المبشِّرة بالخير ماتت بموته.

***

كان قلب إبراهيم يفيض عطفًا على عامة الشعب، ولا عجب فقد خالط وعاشر أشرف ممثلي الشعب المصري؛ الفلاح والجندي، وخبر عن قرب ما يستطيعه الفلاح المصري والجندي المصري.

كتب لأبيه في أثناء حصار عكا، عندما أذيع أن السلطان قد جيَّش الجيوش لدفع الجيش المصري عن أسوارها: «ومهما بعثوا من القواد العظام والجيوش الجرارة فلا يُعقل أن يرسلوا أو يستحصلوا على أقوى وأشجع من عبدكم المخلص إبراهيم، ومهما بحثوا فلا يمكنهم أن يعثروا على مثل جنود العرب الذين أقودهم أنا.» وعندما توقع نشوب الحرب من جديد مع الأتراك العثمانيين في ١٨٣٩م كتب لابن أخيه عباس (وقد كان محمد علي غائبًا إذ ذاك عن مصر يتفقد شئون السودان): «يا ولدي الباشا، لو طوعت للتُّرك أنفسهم للنهوض والقيام فلن نكون دونهم، ولن يسبقونا بإذن الله وكرمه ما دامت أرواحنا في أبداننا وحتى لا يبقى منا فرد واحد، وليحفظن الله مصر كما حفظها حتى الآن.»

وهذه الثقة بالنفس، وهذا الشمم العالي، وهذا الاطمئنان التام مردُّها لأمرين؛ للحكومة وراءه، وللجندي الذي يقوده.

لقد حل محمد علي مشكلة تكوين القوة العسكرية على الوجه الذي اقتضته الديمقراطية وليدة الثورة الفرنسية؛ أي التجنيد العام، وسوَّى بذلك أمرًا طالما استعصى على الحكومات القديمة. وقد اندمج إبراهيم في الجيش الوطني اندماجًا تامًّا، جسمًا وروحًا، من أوَّل أمره لحق به متعلمًا وهو القائد المنتصر في الجزيرة العربية، وقاده من نصر إلى نصر بين السهل والحَزن في المورة وفلسطين ولبنان وسوريا والأناضول.

ولم تكن هذه القوة في نظر محمد علي وإبراهيم إلا وسيلة لا غاية، لم تكن إلا آلة العيش الكريم؛ فقد كانا بطبعهما كارهين لسفك الدماء، مؤْثرين للاعتدال. استعرض الشيخ رفاعة — أحد بناة النهضة المصرية — حروب محمد علي وانتهى إلى الملاحظة الدقيقة، وهي «أن تلك الحروب لم تكن من محض العبث ولا من ذميم تعدِّي الحدود، إذ كان جُل مقصوده تنبيه أعضاء ملة عظيمة تحسبهم أيقاظًا وهم رقود.»

أجل، لقد رسم محمد علي لنفسه منذ الأيام الأولى مشروع إحياء العالم العثماني، وسار في تنفيذه بخطى ثابتة متئدة؛ رأى السلامة في الوحدة لا في التجزئة، والقوة والرفاهية في إدارة عقل واحد لمُلك عظيم، متنوع الموارد، يملك أقصر الطرق بين الغرب والشرق.

وتولى إبراهيم تنفيذ الجانب الحربي من هذا المشروع الخطير. وحلت فترة من الزمان عاد فيها لوادي النيل اتصاله التاريخي بالجزيرة العربية والشام في ظل حكومة واحدة. والأقطار — في الجملة — هي مما يكوِّن ما تسمِّيه وثائق ذلك العصر بعربستان أو ما نسمِّيه الآن دار العروبة، فهل تصوروا لها إذ ذاك كيانًا سياسيًّا أو ما نسميه وحدة عربية؟ لقد أدرك البَطَلان الفكرة وتحمس لها إبراهيم واعتبر أنها مما يمكن التشييد على أساسه في حالة تمزق السلطة العثمانية.

ولقد عز على الدول الكبرى أن تَخلُص الدارُ لأهلها، يدبرون شئونهم، وينظمون علاقاتهم على الوجه الذي تقتضيه مصلحتهم ويتفق مع كرامتهم؛ فتدخلت في ١٨٤٠م لتحتفظ بحق التحكم في مصيرهم. ولكن ها قد دار الزمان وأثبتت الأيام أن ما قدمت مصر يومًا بني إبراهيم لم يذهب هباءً، وأن البذرة التي بذرها نمت وترعرعت شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

وها نحن بعد مائة عام نَبعث على البعد بتحية إعجاب وإجلال للشيخين اللذين ثبتا للمحنة مرفوعي الرأس موفوري الكرامة، ذهبت الفتوح واختفى الأسطول وانكمش الجيش ولكنهما بقيا مهيبي الجانب، عاليي الصيت، يتألق في جبينهما جلال الشيب ونور المجد؛ فمنعا عن مصر أن تنزل إلى ما قدَّره لها أصحاب تسوية سنة ١٨٤٠م، إلى مرتبة الباشويات العثمانية الرَّاكدة ومناطق المشروعات الاستغلالية الأوروبية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.