ترى ماذا يصنع الموسِرون والمترفون ومحدثو النعمة إذا ظلت الحرب تدور بضع سنوات أخرى وعَزَّت أسباب الترف وتعطلت السيارات؟

سؤال سألنيه أخ كريم قبل يوم أو يومين، فخطر لي أن لعل الأمر يكون أشق وأثقل على محدثي النعمة منه على سواهم، فإن هؤلاء هَمُّهم المظهر، وبه سرورهم، وعليه حرصهم، وإنك لتستطيع أن تعرف الرجل وقرب عهده بما هو فيه من خير وثراء، من نظرة واحدة تلقيها على ثيابه، أو أثاث بيته، بل من الفنجان الذي تُقدَّم لك فيه القهوة.

شهدت مرة مزادًا عرضت فيه سيارات «مستعملة» للبيع، وكانت عيني على واحدة منها لصديق لي أوصاني أن أتخير له سيارة صالحة، وكان ظني أنه يستطيع أن يشتريها بمائة جنيه، أو حوالي ذلك، وإذا ببعضهم يثب بالثمن إلى حوالي خمسمائة، فتعجبت لهذا الأحمق، ثم عرفت أنه كان مُشفيًا على الإفلاس فأنقذته الحرب، وجاءته بما لم يكن له في حساب من الربح، وكثر المال عنده، فهو لا يدري ماذا يصنع له، فهمه أن يقتني ما كان يرى الأغنياء دونه يقتنونه، واشتهى أن تكون له سيارة تمرق به في الشوارع وهو مضطجع فيها وإحدى ساقيه على الأخرى، والسيجارة في فمه، وماذا يصنع إذا لم يشترِ سيارة؟ وما قيمة خمسمائة جنيه يكسب أضعافها من صفقة واحدة يعقدها وهو في المقهى؟

وحدثني صديق أنه كان ذات ليلة في مقهى على البحر في الإسكندرية وإذا ببعضهم يصيح بصاحب المقهى ويدعوه إليه، ويُخرج حزمة من أوراق النقد يُلقي بها أمامه، ويقول له: «اطرد كل هؤلاء الناس والمقهى كله على حسابي!» غضب الأحمق لأمر ما، فصب سخطه على الزباين المساكين الذين لم يربحوا مثل ما ربح من الحرب.

أمثال هؤلاء يشقون ولا شك إذا عَزَّهُم أن يتخذوا مظاهر البذخ؛ لأن انعدام هذه المظاهر يتركهم حيث كانوا، يسيرون على أقدامهم، أو يركبون الترام أو ما هو إليه كما كانوا يفعلون، ويرتدون ثيابًا لا يبدو عليها أنها جيدة أو نفيسة أو غالية الثمن — وهو المهم — وتخلو بيوتهم مما كانوا يتمنون أن تكتظ به من الأثاث والأدوات والمواعين، وهكذا، فما خير المال الوفير إذن؟

وكيف يطيقون أن يظل مظهرهم كما كان قبل أن تنتقل بهم الحال من الضيق إلى السعة؟ إن للغنى الحادث فجأة وبسرعة وعلى غير انتظار فعلًا يدير الرأس، ويخرج بالمرء عن القصد والرشد في أحوال كثيرة، وما رأيت واحدًا ممن فعل بهم المال المكسوب على هذا النحو فعلَه هذا إلا ضحكت ورثيت له، وإلا ثارت نفسي أيضًا على النظام الذي يباعد بين الإنسان والإنسان، وبين المرء وعقله، إلى هذا الحد، ولكن هذا موضوع آخر فيحسن أن أقصر.

وتمثَّلت لعيني — وأنا أدير في نفسي سؤال الأخ — صور من الماضي كانت مألوفة قبل ربع قرن أو أقل.

لم تكن هناك يومئذٍ سيارات تخطف، ولكن كانت هناك مركبات خيل، ودواب كالحمير والخيل والبغال والجمال، وكانت الجمال تنقل الحاصلات من القرى إلى المدن، وتسير على الطرق الزراعية قوافل قوافل، وكانت مركبات الخيل للأثرياء والسكارى، وكانت الحمير (لأولاد البلد) وللأوساط العاديين حين يذهبون من حي إلى حي لا يجري بينهما الترام، وكان «الشيخ» — العالم أو شبهه — يؤثِر ركوب «البغلة».

وكان هواة الحمير يُعنون بها ويدللونها ويتخذون البرادع المُوَشَّاة، واللُّجُم الأنيقة ويجعلون لها عُذرًا من فضة على خديها، وتجافيف نفيسة كالحلي لها، فإذا كان يوم الخميس ارتدى الرجل من أولاد البلد أفخر ثيابه وامتطى حماره، وثبت على ظهره، وجذب رأسه إليه ليرجع القهقرى أولًا ثم أرخى له العِنان قليلًا ليعدو، ولا يضطرم، وهو معجَب بسعة خطوه وجودة عدوه وحسن سبحه في سيره، حتى إذا صار قريبًا من حي «المحمدي» همزه همزًا خفيفًا فانطلق يرجم الأرض بحوافره، ثم يترجل، ويشد اللجام إلى السرج، ويذهب يمشي إلى جانبه وكلاهما مَزْهُوٌّ مختال.

وكان في كل يوم من أيام الأسبوع «حضرة»، ففي يوم الأحد حضرة السيدة نفيسة، وفي يوم الإثنين «حضرة» الحسين، وفي يوم الثلاثاء حضرة السيدة زينب، وهكذا. وكان هواة الحمير من أولاد البلد — أعني أولاد البلد من هواة الحمير — يعرضون دوابَّهم هذه في الساحات الرحيبة أمام المساجد، وربما ذهبوا يتسابقون أيضًا وكانت حميرهم أَعَزَّ عليهم من ولدهم، أو هي صنوهم أو عدلهم عندهم؟ ومن يدري؟ عسى أن يعيد التاريخ نفسه، فتعود الحمير سيرتها الأولى، وترتقي بعد [أن] انحطت، ويعلو نهاقها بعد طول الخفوت، وتحلى بعد عطل، وتسمن بعد هزال، وتعز بعد ذل.

لقد كانت للحمير في الجيل الماضي دولة، وما أظن إلا أن دولتها ستعود بإذن ربك إذا طالت هذه الحرب، ومن أدرانا أن هذا لا يكون خيرًا؟ إن الفرق بين حمار وحمار لا يدركه إلا خبير، ولا يحسه إلا الراكب المطمئن أو القلق، وهي رخيصة، وكُلفتها هينة، أما الفرق بين سيارة وسيارة فأوضح من أن يخفى، فلعل دولة الحمير إذا عادت تكون إيذانًا بعهد من المساواة بين الناس لا سبيل إليه في دولة السيارات، والله الغني عن السيارات التي تتلف فلا تصلح وعجلاتها التي تبلى فلا تعوض ولا تزال تنفق عليها ما كانت جملته تكفي لابتناء دار لك ولولدك بعدك.

ألا قاتل الله السيارات، وبارك الله في الحمير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.