لم أشتغل قط بما يسمى «تحضير الأرواح»، وكل ما قرأته في موضوعه كان للتسلية لا للدرس، فقد خفت أن يغمرني منه بحر لجب، ولست من الجاحدين أو المنكرين، وإني لأوثر أن أومن — بإرادتي — حتى وإن كان عقلي لا يطمئن أحيانًا، أو يسكن، وفي الإيمان راحة، وإرضاء لشعور المرء بذاته، وتلطيف وتخفيف لما يثقل على النفس من فكرة الفناء والعدم. وإذ كان الأدب أداتي وشغلاني، فقد بدا لي أن الأوفق أن لا أعنِّي نفسي بهذه الأمور والأشكال، وسيجيء نبأ ذلك كله بعد حين، حين ندرج في التراب، أو يصنع بنا الأحياء ما يبدو لهم أن يصنعوا، ففيم العجلة إذن؟ وإني لأعلم أنه لو فعل كل إنسان ما أنا فاعل، وآثر نفض اليد مما يجشمه العناء، وصد عن البحث طلبًا للعافية أو الراحة، لوقفت معارف الإنسان عند حد لا تعدوها، ولكن لكل بحث وسائله، وكل امرئ ميسر لما خلق له، ولا وسيلة عندي أعالج بها هذا البحث ولا استعداد فيما أحس وأعلم من نفسي، لمعاناته، وأنا بعدُ قليل الصبر، سريع الملل.

ويخيل إليَّ من جملة ما قرأت أن الذين عالجوا هذا الموضوع، لم يصلوا إلى شيء قاطع، ولا نكران أنهم يقولون إنهم استطاعوا أن يتصلوا بأرواح الموتى بوسائل شتى، وعلى صور مختلفة، بل سجلوا أصوات بعض الأرواح على أسطوانات، وقارنوها بما يذكرون من أصوات أصحابها في حياتهم فألفوها لا تختلف، وفعلوا غير ذلك، ولكن هذا ليس سوى بداية لا يمكن الاكتفاء بها والوقوف عندها. فما نعرف مثلًا ماهية هذه الأرواح التي تنطلق وتتجرَّد بعد فراق الأبدان، ولا كيف أو أين تحيا بعد فراقها وعلى أية صورة من صور الحياة تكون في ذلك العالم المحجوب، وهل تبقى لها علاقة بدنيانا الأرضية وأثر فيها، أو تنبتُّ الصلات، وينعدم الأثر، وهل يظل «نوع» إحساسها بعالمنا الأرضي كما كان أو يختلف، وهل تأسى وتفرح لأحزاننا ومسرَّاتنا، وتشاطرنا شعورنا على نحو ما كانت تفعل، ولم أجد فيما قرأت — على قلَّته باعترافي — جوابَ واحدٍ من هذه الأسئلة، أو جوابًا يمكن أن يستريح إليه العقل المتشوف، وتقنع به النفس المتلهِّفة على المعرفة.

وأحسب أن هذا البحث الروحاني ينبغي أن يجري على نسق علمي بحت، وإلا أفسده الانخداع، إذا لم يفسده الخداع المتعمَّد، ولكني — وعذري جهلي — لا أدري لماذا يحتاج إلى الظلام أو الأضواء البرتقالية وغيرها، ولا يجري في وَضَح النهار، كما يجري كل بحث علمي، ليست له علاقة بالضوء خاصة، ومن غير أن تكون هناك هذه الأجهزة والأدوات المريبة، وبدون ذلك الاستعداد الذي لا يخلو من تأثير في الأعصاب. ولا أدري كذلك لماذا لا تخاطبنا الأرواح بلغاتنا، حين يتيسَّر الاتصال بها، وتلجأ إلى معونة الأصوات والنقر والرموز وغير ذلك مما يصفه لنا بعض الذين يشتغلون بهذا الشأن؟ ولم أقرأ فيما رُوِيَ لنا من أحاديث الأرواح ما يُعَدُّ ذا قيمة، أو ما يعدو أن (يكون مما) يمكن أن يعزى إليهم، ولا يستغرب منهم. وقد يكون هذا هو الطبيعي، أعني أن تتكلم الروح كما كان صاحبها يتكلم في حياته، ولكن المرء لا يسعه مع ذلك إلا أن يتوقع من الروح، بعد التجرد عن المادة وخلع طينتها، والتحرر من قيودها أن تكون أرحب أفقًا، وأعمق غوصًا وأنفذ نظرًا.

اقرأ مثلًا ما قالته روح «أديسون» المخترع الأمريكي العظيم، عن فشله هو وماركوني في اختراع جهاز للاتصال بعالم الروح:

لعلكم تكونون قد سمعتم عن الجهود الكثيرة التي بذلتها في هذه السبيل، ولعلكم تكونون قد سمعتم أيضًا عن جهود ماركوني، والفرق بين ما وفقتم إليه أنتم وبين ما كنا اعتزمنا إنفاذه، هو أنكم نجحتم فيما فشلنا فيه نحن.

ثم قالت: «وقد كان يكتب لنا النجاح لو أنه كانت لدينا محطة لتوليد القوة.» — يريد وساطة روحية راقية — وقالت: «سيروا إلى الأمام. لقد أجريت هنا بنفسي عصر اليوم بعض التجارب، وإني لأحس بأننا سنتمكَّن قريبًا من أن نقدم لكم ما يشدُ ُّأَزْركم في العمل وما يقضي على تلك الآراء المستقرة في الأدمغة المتمادية في عنادها. إنكم تعرفون ما قالوه عني لما اخترعت الفونوغراف. ألم يقولوا إن صوته خارج من بطني؟ وهذا هو ما يقولونه عنكم الآن.»

وهذا كله كلام تافه، يستطيع كل إنسان سمع بأديسون واختراعاته وجهوده أن ينحله إياه، ويشبهه على الناس، وعليه طابع الدعاية، ولا حاجة بنا إلى عناء إحضار روحه لنسمعه منها.

ولست أحاول أن أثير الشك في إخلاص المشتغلين بهذا الشأن، أو فيما يرون ويصفون، فإن بينهم نفرًا علماء مخلصين صادقي السرائر بلا نزاع، وكثيرًا ما تلقَّى الناس بالشك — بل بالرفض — نتائج بحث تبيَّن بعد زمن طويل أو قصير أنها صحيحة، وأن الناس كانوا مخطئين في شكِّهم! متعجِّلين في رفضهم، ولكن مئات من المخترعين والعلماء والباحثين ذهبوا إلى عالم الأرواح من زمان طويل، فإذا كان يتاح لهم أن يواصلوا بحثهم في عالم الروح كما يتاح لأديسون — على ما عُزِيَ إلى روحه — فإنه يكون للمرء العذر إذا تعجَّب لدنيانا الفانية لماذا لم يتسنَّ لها أن تنتفع بما اهتدت إليه الأرواح في عالمهم من اختراعات وثمار بحث وثيقة الصلة بما تركوا على الأرض؟ أم ترى كان لا بد أن يستحدث أهل الأرض جهازًا يصلهم بعالم الأرواح؟ وإذا كان عالم الروح يخترع ويستحدث، فلماذا لم يخترع هو هذا الجهاز اللازم لوصله بالأرض وأبنائها، وعالمه أصفى، ولعل وسائله أيسر وأقرب؟

خطر لي هذا وما يجري مجراه وأنا أقرأ كتاب «ظواهر حجرة تحضير الأرواح» الذي نقله إلى العربية الأستاذ أحمد فهمي أبو الخير، وهو من المتوفرين على هذا البحث. وقد خدمه بما ألَّف وترجم. وأنا كما أسلفت أومن بالروح، ولكن الإيمان بالروح شيء والإيمان بإحضارها شيء آخر. وقد وقفت في كتابه الجديد على كثير مما كنت أجهل. ولكني لم أقترب به من الإيمان بصحة ما روي فيه من الاتصال، فلا يزال شكِّي باقيًا. وإن كنت لا أرفض شيئًا ولا أجزم بشيء. فإن شكوكًا كثيرة تساورني لها وجهها ولا سبيل مع ذلك إلى القطع برأي في أمرها. وغاية ما أستطيع أن أقوله في هذا الشأن إن ذهني خالٍ؛ فلا أنا مقتنع ولا أنا رافض. فأنا أتلقى ما يوصف لي في هذا الكتاب وأمثاله وأتدبَّره بعقلي، ولكني لا أتلقاه بروح المستعد سلفًا للاقتناع. على أن هذا لا يمنع أن يستفيد المرء متعًا من هذا البحث. ولا ينفي أن الاطلاع عليه يوسِّع الأفق ويحول دون قصر النظر إلى الحياة على جانب واحد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.