كان من عادة العرب الأقدمين أن يقفوا بالأطلال يذكرون عندها مغاني حبهم، وكان مطلع قصيدة امرئ القيس «قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل» مضرب المثل في البلاغة وحسن التصوير. وقد انتقلت هذه العادة إلى العهد الإسلامي، فاستمر الشعراء يذكرون الأطلال والوقوف بها، وذكر الحبيب عندها. وجاء أبو نواس في عهد العباسيين فرأى هذا التصوير غير متفق مع ما تطور إليه العصر وآلت إليه الحضارة. فإذا كان الوقوف بالأطلال سائغًا في البادية حين كان الشاعر يجوب البِيد ممتطيًا ناقته، فإذا مر بمضارب حبيبته بعد انتقالها إلى مكان آخر وقف يهتف بها، فلم يبقَ ذلك مقبولًا في عهدٍ استقر الناس فيه في المدن التي ازدهرت بعمرانها؛ لذلك قال بيته المشهور يتهكم فيه بالوقوف بالأطلال وذكر الحبيب عندها:

قُل لمَنْ يَبْكِي عَلَى رَسْمٍ دَرَسْ

وَاقِفًا مَا ضَرَّ لَو كَان جَلَسْ

وهذا تعبير فيه من السخرية بالشعراء الذين أقاموا في المدن، وظلوا مع ذلك يقلدون أهل البادية، ويتحدثون بأسلوبهم، مما كان له أكبر الأثر في تطور الشعر العربي لذلك العهد. والواقع أن هذا البيت من الشعر يصور ثورة الحديث بالقديم تصويرًا بارعًا، إذ يدعو الناس للعيش في البيئة المحيطة بهم لا في خرائب الماضي وأطلاله، وإنما بقي هذا البيت وخلد على الزمان؛ لأنه يعبر عن هذه الثورة، ولأنه يدعو الناس للتعبير عن إحساسهم وأخيلتهم بما تنطق به حياتهم.

ومعركة القديم والحديث في اللغة والأدب متجددة دائمًا على النحو الذي اختاره أبو نواس، أو على نحو غيره. وقد كانت هذه العركة وارية الضرام في مصر من ثلاثين سنة أو نحوها، ثم هدأت حتى تستجم لتعود إلى الظهور من جديد، بل إن لها اليوم لمظاهر لا تفتأ تتبدى في غير عنف، ومن هذه المظاهر ما يحدث في مجمع اللغة العربية حول المصطلحات العلمية والفنية، وحول ألفاظ الحضارة وتعريبها، فهناك تياران يتداولان النصر والهزيمة، يذهب أحدهما إلى أنَّا يجب أن نلتمس في ألفاظ اللغة العربية لعهودها الأولى ما يعبر عن هذه المصطلحات الحديثة، ويذهب الآخر إلى أنَّا إن استطعنا تعريب المصطلحات الأجنبية نفسها كان ذلك أدنى إلى التقريب بين لغتنا واللغات الحية في العالم. وكثيرًا ما يقع الصلح بين هذين التيارين، فإذا وُجِدَ لفظ عربي قديم سائر الدلالة على معنى المصطلح الحديث قَبِلَهُ أنصار الجديد صلحًا، وإذا أمكن تعريب اللفظ الأجنبي في صياغته واشتقاقه قَبِلَهُ أنصار القديم صلحًا كذلك. ولست أدري أيُقَدَّر لهذا الصلح المجمعي الاستقرار والثبات عند العلماء والكُتَّاب، والمعنِيِّين بهذه المصطلحات، أم تظل المعركة مؤذنةً بأن تثور على هذه الألفاظ نفسها بين حين وحين؟!

وكما قام النضال على الألفاظ قام نضال على الأساليب. كان السجع في النثر بعض ما عُنِيَ به كُتَّاب الجيل الماضي، وما جعلهم أشد عناية باللفظ منهم بالمعنى، ثم قامت بينهم وبين المجددين في الأساليب معركة جعلت الناثرين اليوم يرون هذا اللون من الكتابة غير سائغ، ويعنون بالمعنى، ويجعلون اللفظ لباسه، ويعتبرون البلاغة كل البلاغة في دقة تصوير اللفظ لما يُراد التعبير عنه من المعاني دقة تنجي هذا التعبير من كل قصور أو تقصير.

وهذه المعارك جليلة الخطر لا ريب. فهي مظهر حيوية اللغة، بل هي مادة حياتها؛ فاللغة أداة التعبير عن الحياة وصورها ومعانيها، وما دامت هذه الصور والمعاني تتجدد وتتطور فيجب أن تجاريها اللغة في تجددها وتطورها، فإن لم تفعل كان تخلفها وجمودها دليلًا على تخلف الناطقين بها وجمودهم.

لكن ثمة معركة يسمونها معركة القديم والحديث لا تتصل بالمعنى الذي قدمت في شيء، هي معركة بين كُتَّاب هذا الجيل والجيل الذي سبقه من آبائهم ممن لا تزال أقلامهم تجري في الصحف وفي المؤلفات. وأعترف بأنني لم أفهم هذه المعركة، ولم أجد لها مسوغًا، فالقدامى اليوم كانوا محدثين بالأمس، ولم يفكر أحد منهم يومئذٍ في إثارة معركة مع من هم أسنُّ منهم كالمعركة التي يتحدثون اليوم عنها؛ فتعاقب الأجيال أمر طبيعي، وتضامنها أمر طبيعي كذلك، ونظرية بقاء الأصلح تسيطر على الكتابة والكُتَّاب، وعلى الأدب والأدباء، كما تسيطر على كل ما في الوجود. ومن الشبان في هذا الجيل وفي الأجيال التي سبقته من تقدموا الصفوف، وبرزوا على سابقيهم في ميادين الكتابة المختلفة في الصحافة، وفي الأدب، وفي الفلسفة، وفي سائر ألوان الكتابة. والكُتَّاب الناشئون في أيٍّ من هذه الميادين يشقون طريقهم، ثم لا يكاد أحدهم يبلغ الثلاثين، أو يدنو منها حتى يكون قد تبوَّأ المكان الواجب له بين الكتاب قدامى ومحدثين، بل إن من هؤلاء الشبان لمن يغبطه آباؤه ويشيدون بذكره، أيًّا كان الميدان الذي برز فيه، فكيف والأمر كذلك تقوم معركة بين الأحياء من القدامى والمحدثين من الكتاب، وبخاصة في هذا الزمن الذي نعيش فيه، والذي انفسحت فيه ميادين الكتابة إلى حيث تسع كل من يريد أن يعالج أي لون من ألوانها؟!

عرفت أبًا كان يحفز ابنه الذي بلغ العشرين ليخوض ميادين الحياة بعزم وإقدام، وكان يذكره ببيت ينشده:

إِذَا بَلَغَ الفَتَى عِشرينَ عامًا

وَلمْ يَفخَرْ فَلَيسَ لَهُ فَخَار

يحاول إقناعه بأن مواهب الإنسان تظهر في هذه السن، فإذا لم يقدِّرها الناس حق قدرها أول ظهورها فرضت نفسها عليهم بعد قليل، ودفعتهم — راضين أو كارهين — للاعتراف بها. ولهذا برز شبان من الكُتَّاب في المقدمة في كل العصور وفي كل الأمم، واعترف لهم الناس بالسبق، وآمنوا بمواهبهم وبمقدرتهم.

ولا يضير الإنسان ألا تظهر مواهبه في سنٍّ مبكرة، فإن كثيرين من أولي المواهب مَن حالت ظروف الحياة دون بروزهم إلى المقام الواجب لهم قبل تقدمهم في السن، أذكر من هؤلاء بين الكتاب الفرنسيين جان جاك روسو، هذا الأديب الفيلسوف الذي اعترف أصدقاؤه وخصومه بمواهبه وامتيازه، فقد بقي إلى الأربعين من سنه يعاني تحت ضغط الحاجة إلى العيش ما حال بينه وبين الكتابة، فلما واتته الصدفة وبدأ يكتب إذا مواهبه تظهر فجأة، وإذا هو في أعوام معدودة يصبح بين كُتَّاب فرنسا العظماء في عصره، وإذا اسمه يخلد بعد ذلك على الزمان، ولا يجني عليه النسيان.

فلا يبتئس كاتب شاب لأن مواهبه لم تُقدَّر إذا كان لها بالفعل قدر ومكانة، وليذكر الشبان جميعًا أن الطريق لا يزال طويلًا بيننا وبين الغاية التي يجب أن نبلغها في ميادين الكتابة المختلفة لنجاري الأدب العالمي الكبير، والكتابة الرفيعة في السياسة أو الفلسفة، أو ما إليهما من ميادين الكتابة المختلفة. وشبان اليوم هم المطالبون بأن يسلكوا هذا الطريق حتى يبلغوا غايته، وهذا مجهود ضخم عرفه آباؤهم فيما قطعوا من هذا الطريق إلى اليوم، وهم يرجون لأبناء هذا الجيل توفيقًا يدنيهم من الغاية ليرتفعوا ببلادهم إلى المكان الواجب لها بين آداب العالم وثقافاته، فتكون عنوانًا مشرفًا لهم ولهذا الوطن العزيز علينا جميعًا.

وأغلب الظن أن يواجه المحدثون في مستقبلهم معارك كالتي واجهها القدامى فيما مضى؛ فالكتابة تتطور اليوم في بلاد العالم كله تطورًا سريعًا يحسه الذين عاشوا في أوائل هذا القرن ثم امتد بهم العمر إلى وقتنا الحاضر، ولا أريد بهذا التطور ما هو حادث في أساليب التحرير وكفى، بل إنه ليتناول ما هو أعمق من الأساليب، وأعمق في الحياة أثرًا، يتناول النظريات والمبادئ؛ لأن فلسفة الحياة تتطور مبادئها ونظرياتها تطورًا كبيرًا، متأثرًا بالحياة الاقتصادية، وبالنظم السياسية والاجتماعية، وبلادنا وبلاد الشرق كله تحاول أن تندمج في هذا التطور من غير أن تتنكر لماضيها أو تنكره، وإن لم تفكر في المستحيل من العود إلى هذا الماضي، أو بعثه بالصورة التي كان بها.

وهذا الجهد الذي ينتظر المحدثين من كُتَّابنا جدير بتفكيرهم الطويل فيه واستعدادهم له، وهذا التفكير وهذا الاستعداد يشغلان القدامى كما يشغلان المحدثين، لكن القدامى يدركون أن ما بقي لهم من جهد في الحياة محدود لا يكفيهم ليبلغوا من اقتحام المستقبل قدر ما بلغوا إلى اليوم، وإن استطاعوا مع ذلك أن يعاونوا في الجهد الواجب بذله، وأن يتضامنوا فيه. أما الشبان من المحدثين فهم الذين تُلقِي عليهم الأقدار معاناة هذا الجهد والعمل لنجاحه.

وإني لأدعو الله أن يوفق المصطفين من شبابنا للنجاح في جهدهم، وليضعوا كتبًا تُخلَّد على الزمان كما خُلِّدت كتب أفلاطون، ودانتي، والمعري، وشكسبير، وأضرابهم من الأفذاذ الذين وهبهم الله من فضله، فخلَّفوا للعالم تراثًا خالدًا يستمتع حتى اليوم به، ويتخذ كل كتاب من هذه الكتب الخالدة عَلَمًا في تاريخ الفكر الإنساني، ومنارًا تهتدي به الإنسانية جيلًا بعد جيل في تقدمها إلى الكمال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.