السيد أنيس منصور أحد كتاب الجيل المخضرم «الذين يكبرونها في دماغ» من يسميهم بالجيل الجديد كلما قالوا عنهم: إنهم جيل غير مفهوم وإنهم جيل جريء لا يعرف الخوف والاحترام، وإن هذا الوصف يصدق على شباب هذا العصر ويشمل الملايين منهم بلا استثناء.

فالذي نعتقده أن الجيل الذي يعنونه بتلك الصفة شرذمة محصورة في طائفة من الممسوخين الذين ابتلوا بتشويه الأخلاق والعقول لا يزيد عددهم في الأمة المصرية على نصف عشر الشبان الذين يحق للكاتب أن يقول عنهم: إنهم جيل الشباب في هذا الزمان.

فالكثرة الغالبة من هؤلاء الشباب أناس ذوو استقامة وجِدٍّ يعرفون الاحترام ويطلبونه لأنفسهم، ولا ينسونه مع ذويهم ولا مع ذويه.

أما الشرذمة التي لا تعرف الخوف والاحترام من ناشئة هذا العصر فهي قلة محصورة سبقتها قلة مثلها بين الأجيال الماضية بما يوافق نسبتها في العدد وفي الظروف.

ولعلهم لا يعرفون الاحترام حقًّا، ولكن القول بأنهم لا يعرفون الخوف تصوير مبالغ فيه بل مناقض للحس والعيان؛ فليس أجبن من هذه الشرذمة التي لا تعرف الاحترام إذا لمحت طرف العصا من بعيد ولو كانت عصًا من جريد! وكل مصيبتهم أنهم فقدوا الوازع ولم يشعروا به فوق رءوسهم كلما احتاجوا إليه. وهاتوا لهم الوازع — ولو من بعيد — وانظروا كيف يتسابقون إلى الجحور؛ هربًا من عصاه.

لقد كان الجيل الماضي جريئًا حقًّا لأنه كان يتقدم إلى «مسئولية» الحياة في الخامسة عشرة ليعمل ويؤسس الأسرة ويغامر في أسباب المعيشة. وقد كان جيل الأمس — حتى في باب الرياضة التي تحسب من بدع العصر الحاضر — أشد إقدامًا من هؤلاء الذين يقال عنهم: إنهم لا يعرفون الاحترام.

ونقيس المقارنة بين الجيلين على ما نعلمه من أمر جيلنا، فنذكر مثلًا واحدًا من عشرات الأمثال ونقول للسيد أنيس ومن يرى رأيه: إننا كنا فيما دون العاشرة نقتحم نهر النيل في إبَّان الفيضان لنلهو بالسباحة أو التجديف، وما يدريك ما فيضان النيل في أسوان؟ إنه بحر لُجِّيٌّ يبلغ عرضه ألفي متر وتتخلله ثلاث جزر، وتسبح فيه التماسيح وما هو أخطر من التماسيح؛ وهو السمك الرعاد، ويضطرب فوق الشلال بأمواج كأنها التلال.

فلا تكبروها في دماغ هؤلاء الممسوخين؛ فإنهم لا ينتفخون جهلًا بضرب من الغرور كما ينتفخون حين يقال لهم إنهم لغز يحير العقول، وإنهم غير مفهومين وغير «عاديين» وغير آدميين كسائر خلق الله من الآدميين.

لا يا أخانا السيد أنيس! إن مرضاك هؤلاء مفهومون، بل مفهومون جدًّا من فروع الرءوس إلى كواحل الأقدام، وليس على المجتمع المصري أن يتعب قلمًا واحدًا في أمرهم إذا استطاع أن يتعب عصاه … ولا حاجة إلى عصًا من حديد، تكفيهم عصًا من جريد!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.