ولم يكن بد من أنْ تكون لوزير التقاليد عظائم تُنْسَب إليه، وتُوسَمُ بسَمْتِه، وتضاف إلى اسمه الكريم، كما أنَّ لوزير المالية أعمالًا جسامًا، وأمورًا عظامًا، تبقى على الدهر، وتنبُت في ذاكرة الزمان مضافة إلى اسمه العظيم. فما ينبغي لوزير التقاليد أن يكون أيسر خطرًا، ولا أهون شأنًا، ولا أقل شجاعة وجرأة من وزير المالية.

وقد يجوز لوزير المالية أنْ يسبق زملاءه جميعًا، ويتفوق عليهم جميعًا، إلا وزير التقاليد، فما ينبغي لأحد أنْ يسبقه أو يتفوق عليه. هو مبرز دائمًا، مهما تكن الظروف، ومهما تكن الأحداث. ولعل وزير المالية وزملاءه جميعًا — وعلى رأسهم صاحب الدولة الرجل الطيب — يعترفون في غير تردد ولا تحفُّظ بأن زميلهم وزير التقاليد قد سبقهم، وبرز عليهم في هذه المرة، وقد استحقَّ رضا الإنجليز، وتقدير المندوب السامي، وأصبح خليقًا أنْ يظفر من التأييد الكامل الشامل المطلق بما لا بد منه ليكون رئيسًا للوزراء في يوم قريب أو بعيد، فما أظن أنَّ لوزير المالية أو لواحد من زملائه آية كهذه الآية الخالدة التي سجَّلها وزير التقاليد لنفسه، في كتابه التاريخي العظيم، الذي أرسله إلى مدرسة الهندسة، ونشرناه في الوادي منذ يومين. ما نظن أنَّ واحدًا من هؤلاء الوزراء يستطيع أنْ يزعم أنه سجَّل لنفسه آية كهذه الآية، أو اصطنع عند الإنجليز يدًا كهذه اليد، أو أقام للمندوب السامي دليلًا على أنه يعرف كيف يسبق الإنجليز إلى إجابة مطالبهم قبل أنْ يطلبوها، بل دون أنْ يطلبوها، إلا أنْ تكون هناك أسرار خطيرة تخفى علينا، ولا تظهر لنا كما ظهر لنا هذا السر الخطير من أسرار وزير التقاليد، ومهما يكن من شيء فنحن مضطرون إلى أنْ نسجِّل السبق إلى رضا الإنجليز وغضب المصريين لوزير التقاليد حتى تتكشف الأيام، وما نظنها تتكشف عما يثبت أن له من زملائه شبيهًا أو نظيرًا.

وقد يكون من الخير — أو من الشر لا أدري — أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الفذة؛ فهي قد تُغْضِب عليه المصريين، ولكن المصريين ليسوا شيئًا، وغضبهم لا ينبغي أنْ يحفل به كبار الناس، وعظماء الرجال، وهي تُرْضِي الإنجليز من غير شك، والإنجليز كل شيء، ورضاهم خير ما ينبغي أنْ يتنافس فيه المتنافسون، ويعمل له العاملون، ويفوز به الفائزون.

والدليل على ذلك أنَّ صدقي باشا قد أغضب المصريين، وأذاقهم من العذاب أشكالًا وألوانًا، ومن الحرمان ضروبًا وفنونًا، ومن الإذلال ما لم يذوقوا مثله في هذا العصر الحديث، فلم يمنعه ذلك من أنْ يحتفظ برياسة الوزارة وسلطانها أكثر من ثلاثة أعوام، ولم يمنعه ذلك بعد أنْ هوى عن منصبه أنْ يظل فوق القانون، وفوق الدستور، لا يُسْأَل عما عمل، ولا يُسْأَل عما قال، وإنما يستمتع بالحرية والنعيم، على حين لم يُفِق المصريون من آثار ما سلط عليهم من الذلة والشقاء. والدليل على ذلك أيضًا أنَّ صدقي باشا أرضى الإنجليز؛ فظفر بتأييدهم له في الحكم ومعونتهم له على إذلال الشعب أكثر من ثلاثة أعوام، ثم ما يزال ظافرًا بحبهم له وعطفهم عليه، وقيامهم دونه أنْ يصيبه مكروه، أو يمسه سوء، وإن كانوا زاهدين في حكمه، راغبين عن نهوضه بتصريف الأمور.

فغضب المصريين لا يُخيف مهما يعظم، ورضا الإنجليز لا يزهد فيه مهما يَهُنْ، فنستطيع إذن أنْ نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الخالدة التي ستسجَّل له عند الإنجليز، وستجعل له من نفوسهم مكانًا محمودًا، وستسوق إليه الوسام، أو ما هو خير من الوسام، في يوم من الأيام. وأظنك توافقني على أنَّ الإنجليز ليسوا حمقًا ولا بلهًا، ولا أغمارًا ولا أغرارًا، وإنما هم قوم يعرفون أين يضعون ثقتهم، وكيف يحبون أنصارهم، وما لهم لا يثقون الثقة كلها بهذا الوزير الخطير الذي يعرض عليه مجلس مدرسة الهندسة تعيين مصري كفء مكان إنجليزي فيأبى كلَّ الإباء، ويرفض كلَّ الرفض، ويُصدِر من مكتبه كتابًا يمضيه بيده، ويأمر فيه بأن يعيَّن مكان الأستاذ المصري أستاذ بريطاني.

والأستاذ المصري كفء من غير شك؛ ظفر بأعلى الشهادات من مصر، ثم ظفر بأعلى الشهادات من أوروبا، ولو لم يكن كفؤًا حقًّا لما اختاره مجلس المدرسة لهذا المنصب، وفي هذا المجلس الفنيون من الأجانب، وفيه كبار الدولة من المصريين. ولكن ذنب هذا المصري الكفء أنه ليس إنجليزيًّا، أو قل إنه ليس بريطانيًّا كما يقول وزير التقاليد، أو قل إنَّ ذنبه أنه مصري كفء يزاحم البريطانيين، وأنت تعرف ظروف السياسة، وحاجة الذين يحبون السلطان إلى رضا الإنجليز في هذه الأيام.

فليبعد المصري إذن عن هذا المنصب، وليصبر المصري إذن على الضيم، وليرضَ المصري بما قُضِيَ عليه من الذل، وليسجل الأجانب علينا أننا قوم تراد بنا الكرامة فنأبى إلا الهوان، ويؤدَّى إلينا الحق فندفعه بأيدينا دفعًا؛ ليظفر وزير من وزرائنا برضا الإنجليز، وليحظى وزير من وزرائنا بابتسامة من ابتسامات المندوب السامي.

ثم يتحدث الإنجليز بعد ذلك بأنهم قد أحسنوا إلينا ورقَّوْنَا، ووصلوا الأسباب بيننا وبين الحضارة الحديثة! ومن ذا الذي يستطيع أنْ يشك في ذلك؟ أليس الإنجليز يتحدثون باللورد كرومر، وأيام اللورد كرومر، وما أسبغ من نعمة على المصريين؟ أليس الإنجليز يتمنون أنْ تعود إلى مصر وإليهم تلك الأيام الغر، التي كان كرومر يفيض فيها الخير والبركة على مصر، ويحفظ فيها للدولة البريطانية كرامة الآمر المسيطر الذي لا يرد له أمر، ولا يخرج عن طاعته خارج؟

أليس الإنجليز يمنُّون علينا بأن اللورد كرومر قد ردَّ إلى أرضنا الخصب بعد الجدب، وأصلح إدارتنا بعد الفساد، ونظَّم ماليتنا بعد الاضطراب؟ بلى، ولكن الإنجليز ينسون — نستغفر الله — بل يتناسون أنْ عهد كرومر قد محا القومية المصرية محوًا، وأفنى الشخصية المصرية إفناءً، وأخرج لنا وزراء وموظفين يعرض عليهم تعيين المصري الكفء مكان الإنجليزي في مدرسة مصرية وفي عهد نهضة واستقلال فيأبون، ويرفضون، ثم يداورون، ويناورون، ثم يطلبون بعد التفهيم أنْ تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني، يطلبون ذلك إلى مدرسة الهندسة، وعلى رأسها رجل أجنبي كان يظننا أُبَاةً، فإذا نحن نفضل رضا الإنجليز على الإباء، كان يظننا حراصًا على الحق، فإذا نحن نحرص على رضا الإنجليز أكثر مما نحرص على الحق، يطلبون ذلك إلى هذا الأستاذ الأجنبي مدير مدرسة الهندسة، لا يخشون انتقادًا منه، ولا من زملائه الأجانب، ولا يخشون اعتراضًا من أنفسهم، ولا من مواطنيهم؛ لأن رضا الإنجليز آثرُ عندهم من رضا أولئك جميعًا.

هذه هي الآثار الباقية في نفوسنا من عهد اللورد كرومر، ينساها الإنجليز، ويتناسونها، أما نحن فلن ننساها، ولن نتناساها، ولكننا سنضعها دائمًا بإزاء هذا الإحسان المادي الذي أهداه إلينا اللورد كرومر، وسنوازن بين قوميتنا التي قتلها، وعزتنا التي أفناها، وشخصيتنا التي محاها، وبين أرضنا التي أخصبها، وإدارتنا التي نظَّمها، وماليتنا التي أصلحها، وستمتلئ قلوبنا حزنًا وحسرة وأسًى بأننا نؤثر ألف مرة ومرة قوميتنا وعزتنا وشخصيتنا على الأرض والإدارة والمالية، ولأننا نودُّ ألف مرة ومرة أنْ نعيش رجالًا لهم حظهم من القومية والعزة على أرض جدبة، وفي ظل إدارة مضطربة ومالية فاسدة، نؤثر هذا ونفضِّله على أنْ نعيش كالأنعام في أرض خصبة كثيرة العشب، وتحت سلطان راعٍ يعرف كيف يُخْضِعنا للسوط والعصا.

إنَّ الذين يثنون على عهد كرومر ويودون لو يعود خليقون أنْ ينظروا في هذه الآية العيسوية الخالدة؛ ليروا آثار هذا العهد، وليسألوا أنفسهم بعد ذلك ماذا يريدون. أما الإنجليز فهم يعرفون ماذا يريدون، هم يريدون في مصر أرضًا خصبة، وأنعامًا يستغلون بها هذه الأرض، فهم لذلك يحبون عهد كرومر، ويحنُّون إليه. وأما نحن فنريد في مصر رجالًا كرامًا مستقلين، يعيشون في وطن حر عزيز، ونحن لذلك نكره عهد كرومر، ولن نرضى أنْ يعود.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.