أما أداؤه فقد تم في شيء من الطول، والمشقة، والعسر، وأما نتيجته فلم تظهر بعدُ، وقد كان من الخير للممتحَنين أن تظهر في هذه الأيام ليستطيعوا أن يستقبلوا العيد باسِمين له ولِما يحمل من الرجاء، أو ضيقين به وبما يحمل من اليأس والقنوط.

ولكن الأستاذ الذي نهض بهذا الامتحان فألقى الأسئلة، واستمع للأجوبة، رجلٌ مُترفٌ لا يحب العجلة، ولا يميل إلى السرعة، وإنما يحب التريُّث ويكلف بالأناة، ولعله كغيره من الأساتذة يستعذب هذه اللذة القاسية، لذة الإبطاء في إظهار النتيجة، والشعور بأن الذين أدَّوْا الامتحان ينتظرونها على قلق واضطراب.

والناس يحسنون الظن عادة بالأساتذة، ويرونهم مُثُلًا عليا للسذاجة واليسر والرفق، ولكن الناس يخطئون، فمن الأساتذة قساة، ومن الأساتذة من ذاقوا مرارة الامتحان وانتظار النتائج، وضاقوا بأساتذتهم حين كانوا طلابًا، فهم يجدون لذة، مترفة غريبة، قاسية في أن يذيقوا طلابهم ما ذاقوه هم حين كانوا طلابًا يؤدون الامتحانات.

ولسنا ندري أذاق المندوب السامي مرارة الامتحان وانتظار النتيجة في يوم من الأيام، ولسنا ندري أيجد المندوب السامي ما يجده الأساتذة القساة من هذه اللذة المترفة الغريبة القاسية؟ ولكن الذي لا شك فيه هو أن المندوب السامي قد امتَحن فأطال الامتحان، فلما فرغ من الامتحان، لم يتعجل بإظهار النتيجة، ولم يفكر في أن يهيئ للطلاب عيدًا سعيدًا، أو عيدًا هادئًا مطمئنًّا، مريحًا على أقل تقدير.

ولعلك قد فهمت أن الذين أدَّوْا الامتحان هم وزراء مصر والمشرفون على أمورها، والمسيطرون على حياتها العامة. ولا بد من أن نلاحظ مع شيء من التقدير غير قليل أن المندوب السامي على قسوته كان رفيقًا شفيقًا؛ فهو قد أقبل إلى مصر فأقام فيها أسابيع، ثم رحل عن مصر فغاب عنها أسابيع، تاركًا للذين سيؤدون الامتحان فرصة واسعة يهيئون فيها أنفسهم لليوم العظيم؛ يدرسون، ويتذاكرون، ويبحثون ويستظهرون، ويستعد كل واحد منهم أحسن استعداد ليؤدي أحسن امتحان على أجمل وجه وأكمله!

قل ما شئت أيها القارئ العزيز وليقُل الوزراء ما يشاءون، وليقل المندوب السامي ما يشاء أيضًا؛ فليس من شك في أن هذه المقابلات الفردية التي كانت بين المندوب السامي والوزراء، مبتدئة بالرئيس منتهية بوزير الزراعة أو بغيره، لا أدري تركت في نفوس الناس هذا الشعور الطريف المؤلم بأن سادتنا الوزراء كانوا يؤدون امتحانًا شفويًّا أمام المندوب السامي الجديد. والمحقَّق أن الممثلين السياسيين للدول الأجنبية يقبلون إلى مصر وينصرفون عنها، ويتعرفون إلى الوزراء ويتعرف الوزراء إليهم، فلا يجد المصريون في ذلك شعورًا غريبًا، أو شيئًا يشبه الشعور الغريب. ومن المحقق أيضًا أن المندوب السامي كان يستطيع لو أراد أن يلقى الوزراء ليتعرف إليهم وليتعرفوا إليه ليس غير، مجتمعين مرةً واحدةً في يومٍ واحدٍ وفي مكان واحد، حول كئوس من القهوة، أو كئوس من الشاي، أو حول مائدة فارغة من القهوة والشاي، فيتحدث إليهم ويسمع منهم، ثم يتفرق القوم، وتتصل المقابلات بعد ذلك، إن كان هناك ما يدعو إلى اتصال المقابلات. ولكن المندوب السامي لم يؤثِر هذا النحو من التعرف إلى الوزراء، وإنما أخذ يدعوهم إليه واحدًا واحدًا. يستقبل واحدًا منهم في يوم، ثم ينتظر أيامًا ليستقبل منهم واحدًا آخر، وقد يستقبل أحدهم اليوم، ويستقبل زميله غدًا. وقد ينشط، فيستقبل أحدهم في الصباح، ويستقبل زميله في المساء، قد يشتد النشاط للامتحان أو الضجر من الامتحان، فيستقبل وزيرين في صباح واحد.

وكانت هذه المقابلات تُذاع مواعيدها قبل أن تتم، وتذاع أنباؤها بعد أن تتم، وكان المصريون يقرءون ما كانت تذيع الصحف فيشفقون ويألمون؛ يشفقون على الوزراء، وكل من يتقدم للامتحان فهو خليق بالإشفاق، ويألمون لمصر ولأنفسهم، فقد كانوا يظنون أنهم مستقلون، وأن وزراءهم إذا لم يكُن لهم بُدٌّ من أن يؤدوا الامتحان فإنما يجب أن يؤدوه أمام البرلمان المصري. ووزراؤنا قد أَدَّوْا هذا الامتحان أمام البرلمان، ونالوا فيه أقصى الدرجات.

بهذا كله كان المصريون يُشفقون، ولهذا كله كان المصريون يألَمون، وقد انتهى الإشفاق بانتهاء الامتحان، ولكن الألم لم ينتهِ، ولا ينبغي أن ينتهي قبل أن يرى المصريون لبلادهم وزراء لا يؤدون الامتحان إلا أمام البرلمان.

نظن أن حديث الصحف يجب أن يمَس هذا الموضوع، بل نظن أن حديث الصحف يجب أن يطول في هذا الموضوع، فهو أحق بالعناية والدرس، وهو أحق بالتعليل والتأويل والتحليل، من حفلة الشاي التي دُعِيَ إليها الزعماء ورجال السياسة وكبار الموظفين في دار المندوب السامي مساء الثلاثاء، فلم يكُن في هذه الحفلة ما يدعو أن تكتب الأهرام فصلين أو أكثر من فصلين، إنما هي حفلة من هذه الحفلات، تنشأ للمجاملة، وتقوم على المجاملة، وتنتهي إلى ما تنتهي إليه حفلات المجاملة من التعارف وإنشاء الصلات بين رجل له مكانته وخطره في السياسة المصرية، وقوم لهم مكانتهم وأخطارهم في هذه السياسة؛ فلم يكُن المصريون في يوم من الأيام جفاة ولا مقصرين في آداب المجاملة وأوضاع الحياة الاجتماعية؟ ولم يكن المندوب السامي أقل منهم عناية بهذه الأوضاع وتلك الآداب، فكان من الطبيعي أن يزوروه، وكان من الطبيعي أن يدعوهم إلى الشاي فيستجيبوا لدعوته، ولم يأبَ المصريون في يوم من الأيام أن يستجيبوا لدعوة مخافة أن يلقى بعضهم بعضًا على ما بينهم من اختلاف الميول والنزعات؛ لأنهم يعرفون كيف يَحْيَوْنَ حياة القوم المتحضرين. فمن الإطالة التي لا تُجدي، أو من التماس الظهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقول الفرنسيون أن يكثر الكلام حول هذا الشاي الذي لا غرابة فيه. إنما الموضوع الذي يستحق التفكير، والذي يستحق التفسير والذي يستحق التساؤل وانتظار الجواب، هو هذه المقابلات الانفرادية التي كانت بين وزرائنا جميعًا وبين المندوب السامي، على نحو لم يُعرف من قبلُ، ولم تجرِ به التقاليد، والتي ألقت في رُوع المصريين جميعًا أنهم كانوا يَسْعَوْنَ إلى هذه المقابلة، كأنما كانوا يسعون إلى أداء الامتحان، وأن الأحاديث إنما اتصلت بينهم وبين المندوب السامي أثناء هذه المقابلات، في أمور لا تشبه الجو والمطر، واعتدال الإقليم، وجمال النيل، وإنما تشبه ما يعنى به الوزراء من شئون الحكم وتصريف الأمور.

هذا هو الذي يستحق أن تكتب فيه «الفصول» وأن تعنى به «الأهرام» وغير «الأهرام» من الصحف التي عنيت بحفلة يوم الثلاثاء، ومهما يكُن من شيء فليس من سبيل إلى استدراك ما فات، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو أن يمنع أن الوزراء قد سَعَوْا متفرقين إلى دار المندوب السامي كما يسعى الطلاب إلى غرفة الامتحان، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن هذا السعي كان مؤلمًا مؤذيًا، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن لهذا السعي المؤلم نتائجَ كنتائج الامتحان إن لم تظهر اليوم فستظهر بعد العيد بوقت قد يكون طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه في أكبر الظن قريب على كل حال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.