أعرفُ أنك تحبُّ الغناء وتؤثره على كل شيء، وتستهين في سبيله بكل فن، حتى بأقرب الفنون الجميلة إليه، وألصقها به، فأنت تؤثره على المُوسيقى المُجَرَّدة؛ لأنك ترى هذه المُوسيقى أدنى إلى اللُّغز والمُحَاجاة، تتحكم فيها شخصية صاحبها، فهي لا تَدُلُّ إلا على ما يُريد، أو شخصية سامعها، فهي لا تدل إلا على ما يريد أن يفهم منها.

وأنت تُؤثِره على الشعر؛ لأنك تراه لغة واضحة، جلية المعنى، قريبة الدلالة، تظهر فيها شخصية الشاعر حُرَّةً مُطلقة، تقولُ ما تريد أن تقول، ولا تظهر فيها حرية السامع أو القارئ؛ لأنَّه مُضطرٌ إلى أنْ يَفْهَمَ عن الشاعر ما أراد أنْ يعلم من دقائق حِسِّه، ودَخَائل نَفْسِه، دون أنْ يذهب به الخيال كل مذهب، ويستطيع أنْ يفهم ما يحب هو أن يفهم مُتأثرًا بحسه الخاص وشعوره الفردي.

أعرف هذا كله، ولكنِّي أعرفُ أيضًا أنك تغلو فيه كل الغلو، وتُسرف فيه كل الإسراف، وأنَّك تُخطئ حين تقَدِّر أنَّ الغناء وسط بين وضوح الشعر وغموض الموسيقى؛ لأنه يعتمد عليهما جميعًا، يعتمد على الأول في ألفاظه ومعانيه، ويعتمد على الثاني في تلحينه وتوقيعه، ففيه ما يُرضي حاجتك إلى الوُضوح، وفيه ما يرضي رغبتك في الغموض.

وأنت حين تستمع للغناء تتخيل دون أن تضل؛ لأنَّ شعر الشاعر يحول بينك وبين الضلال، ويَعْصِمُك من الجورِ عن السبيل، ولكن أليس هذا نفسه يكفي لإقناعك بأنَّ الغناء كما تفهمه ليس شيئًا؛ لأنه لا قوام له إلا أن يعتمد على الشعر، ويعتمد على الموسيقى، ومهما تجهد وتتكلف من مَشَقَّة، فأنت عاجِزٌ عن أن تتصور غناءً لا شعر فيه ولا موسيقى.

فأنت حين تُحب الغناء وتؤثره على الشعر الخالص أو الموسيقى الخالصة لا تزيد على أنك تُحب الشِّعر حينَ يخضع لقوانين التوقيع والتلحين، أو تُحِبُّ التوقيع والتلحين حين يتناولان الشِّعر ويَعْتَمِدَان على صوت المغني.

وأنا أكره أن أتحدث إليك في فضل الشعر الخالص أو الموسيقى الخالصة، ولكنِّي أُحِبُّ أن يكون فهمك للغناء وحكمك عليه أصحَّ بعض الشيء من هذا الرأي الذي تراه، أو قُل إن شئت: إني أحب أن تفهم الغناء فهمًا فيه شيء من الدقة، وفيه شيء من الترف العقلي معًا، فما دام الغِنَاءُ وسطًا بين الشعر والمُوسيقى، فليس هو في الموسيقى وحدها ولا في الشعر وحده.

ولولا أن تظن بي الظنون لقلتُ: إنه ليس في شيء منهما، وإنما هو في أنفسنا وأفئدتنا، وما الشعر والمُوسيقى والغناء نفسه إلا وسائل تكشف لنا عن هذه المَلَكة الخَاصَّة التي فُطرنا عليها، فليس لنا سبيل إلى الحياة من غيرها.

أُريد أن أقولَ: إنَّنا حينَ نُحِبُّ الشِّعر لا نُحِبُّه لنفسه، وإنَّما نُحِبُّه لأنه يظهر لنا من عواطفنا وأهوائنا، وما نجد من ضروب الحس ما تعجز حياتنا العادية عن إظهاره، وكذلك حين نُحِبُّ المُوسِيقى نُحِبُّها لأنَّها تُمثل لنا هذه العواطف، وهذه الميول، وهذه الضروب الحسية والشعورية التي نجد لذة في الشعور بها والخضوع لسلطانها.

وآية ذلك أنَّ كل شيء يكشفُ لنا عن هذه الصور من نفوسنا مُحبب إلينا، كريم عَلَينا، نقفُ عِنْدَه، ونُمْعِنُ فيه، ونَسْتَزِيدُ حَظَّنا منه، سواء أكانَ من هذه الأشياء التي نَصْنَعُها ونتعمدها، ونقصد إليها؛ كالشعر والموسيقى، وكالتصوير ونحت التماثيل، أمْ مِنْ هذه الأشياء التي لم نُنْشِئها، ولم نُفَكِّر في إِنْشَائها، ولم نُحاول أن نُصادفها أو نلقاها.

ألست ترى منظرًا لم تكن تُفكر في أن تراه فتقف عنده وتملأ عينك منه مرة ومرة؟ ألست تسمع صوتًا لم تكن تقدر أن تسمعه فتُصغي إليه، وتُطيل الإصغاء، وتملأ أذنيك منه، وأنت لم تبتكر هذا المنظر ولم تخترع هذا الصوت، وإنما صادفته مُصادفة، ولقيته من غير حساب ولا تقدير؟ وإلا فما إعجابك بالبحر والجبل؟! وما رِضَاك في الغابة المُلتفة والجَنَّة الأنِيقَة؟! ومَا اسْتِمتاعك بغناء الطير وصوت الحشرات إذا أظلم الليل وهدأ من حولك كل شيء؟!

وهل توقيع الموسيقى وشعر الشاعر في حقيقة الأمر إلا تقليد هذه المناظر والأصوات والمَظاهر الطبيعية التي نَلْقَاها فتُعْجِبُنا، وتُثير في نفوسنا ما تُثير من لذة هي أدنى إلى الابتهاج حينًا، وإلى الابتئاس حينًا آخر، وهي شيء بين الابتهاج والابتئاس في كثير من الأحيان؟

ليس الغِناء إذن في الشعر، ولا هو في الموسيقى، ولا هو فيهما مُجتمعين، وإنَّما الغِنَاءُ في أنفسنا يثيره الشعر وحده، وتُثِيرُه المُوسيقى وحدها في نفوس المترفين الذين أخذوا بحظ موفور من رقي العقل، ودقة الحس، ورقة الشعور، ويُثيره اجتماع الشعر والموسيقى بالتوقيع والألحان في نفوس أوساط الناس.

ولست أُخفي عليك أنِّي أتَمَنَّى لك من دِقَّة الحسِّ، ورقة الشعور، والإمعان في الحياة العقلية الخالصة ما يُمكنك من أنْ تجد اللذة الغنائية في الشعر الخالص والمُوسيقى المجردة؛ فإنَّ في ذلك لَذَّة لا تَعدِلُها لذة، واستغناء بالنفس لا تَعدله الكنوز التي لا سبيل إلى أن تُقدر.

وأي لذة تعدل هذه الساعة التي تخلو فيها إلى ديوان من دواوين الشعر، أو مجموعة من مجموعات الموسيقى فتقرأ وإذا أنت لا تنتقل من سطر إلى سطر، ولا مِنْ كَلِمَةٍ إلى كَلِمَةٍ، ولا مِنْ لَحْنٍ إلى لحن، ولا مِنْ نغمة إلى نغمة، حتى تثور في نفسك العواطف المُختلفة المضطربة، وحتى تلتهب في نفسك نيران الشوق إلى الكمال، أو تغمر نفسك راحة الرِّضا والاطمئنان دون أن تكلف أذنك الاستماع لإنشاد الشاعر، أو توقيع الموقع، أو غناء المغني.

وإني لأعرف قومًا لا يبغضون شيئًا كما يبغضون أدوات المُوسيقى وما تُحدث من ضجيج وعجيج، وإنهم في الوقت نفسه لأشد الناس كلفًا بالموسيقى وحبًّا لها، ولكنهم يجدون لذتهم الفنية في قراءة النَّغم والألحان دونَ الاستماع لها، وإنِّي لأعرف قومًا يثقل عليهم إنشاد المُنشدين وهم على ذلك مُترفون في حب الشعر؛ مُوفَّقون في تَخيُّره والحكم على جيده، ولكنهم يؤثرون أن يفرغوا له وينقطعوا لقراءته والنظر فيه على أنْ يشغلهم عن جماله الخالص صوت المُنشد، أو غناء المُغني. هؤلاء هم المترفون في الفن الذين بلغوا من فهمه وإساغته أن جعلوه فلسفة، ووقفوا منه موقفهم من الطبيعة: يتأملون ويعجبون، ويغنيهم التأمل والتفكير عما يحتاج إليه غيرهم من الدلالة والتعبير.

وإذا كان حقًّا أنَّ الغناء في أنفسنا، وأنَّ أنفسنا هي التي تُفيضه على الشعر والمُوسيقى وعلى غيرهما من المَظَاهِر الفَنِّية للجَمَال، فليس عَسيرًا أن أُجيبك على ما تَسأل عنه مِمَّا يقصد إليه النُقَّاد حين يقولونَ: إنَّهم يَجِدُون غناء في القطعة منَ الشِّعر القَصَصِيِّ أو التمثيلي، أو في القطعة من النثر الفني، فهم لا يفهمون من الغِناء هذا المَعْنَى العادي الذي يدلُّ عليه اللفظ في مُعجم اللغة، وإنَّما يفهمون منه إثارة ما يَكْمُن في نفوسنا من العواطف والميول والأهواء، التي تبعثُ فيها الرضا حينًا، والغضب حينًا آخر، والفرح طورًا، والحزن طورًا آخر.

وليس من شك في أن كل مظهر من مظاهر الفن مثير لشيء من هذه العواطف، باعث إذن على الغناء، فليس الغناء — كما يفهمه الناس — إلا إعلانًا لعاطفة نجدها، أو استثارة لعاطفة تضمرها النفوس ولا تظهر عليها.

وإنك لتقرأ الشعر القصصي؛ فإذا انتهى بك الشاعرُ إلى موقف مؤثر من حياة البطل، أو منظر بديع من مناظر الطبيعة، أو مظهر رائع من مظاهر الحياة الإنسانية، أحسستَ في نَفسك الحَنان أو الإعجابَ أو الرَّوعة، فتغنت نفسك بما أحسست، ولم يبقَ بينك وبين إعلانِ هذا الغناء إلا أمد قصير.

وتستطيع أنْ تقول هذا في كثير من مَواقف القصص التَّمثيلي، شعرًا كانَ أو نثرًا، بلْ تستطيع أن تقولَ هذا أمام الصور أو النقش أو التمثال، بل تستطيع أن تقول أمام مظاهر الطبيعة الخالصة؛ لأنك تجد الغناء في كل شيء، أو بعبارة أدق؛ لأن نفسك تستطيع أن تفيض الغناء على كل شيء.

ستقول: وإذن فَلِمَ قُسِّم الشعرُ إلى قصص وغناء وتمثيل؟ وما باله لم يكن كله غناء؟! وحري — في حقيقة الأمر — بالشعر كله أن يكون غناء، ولكنَّ هذا التقسيم تقسيمٌ تاريخي دعتْ إليه المُصَادفة وحدها؛ فقد كانَ الشِّعْرُ في جيل من أَجيال الناس في أول أمره غناء يغلب عليه القصص، ثم غناء خالصًا، ثم غِناء يغلب عليه التمثيل، فقُسم هذه الأقسام وسُمي هذه التسمية. ولولا هذه المصادفة الصرفة، وأن الناس تأثروا بها بعد الجيل اليوناني، واتخذوها أصلًا وقاعدة؛ لما عدلوا بالشعر على أنْ يكون غناء خالصًا كله.

على أنك كما تَجِدُ الغِنَاء في الشِّعر القَصَصِي والتمثيلي، تَسْتَطِيعُ أنْ تَجِدَ التَّمثيل في الشعر الغِنَائي والقصصي، فيَكْفِي أنْ يتصور الشاعر القصصي بطلين أو فردين يتحاوران، وأنْ يُصور حِوارَهُما تصويرًا دقيقًا قويًّا، حتى يخدعك عن نفسك، ويُخيل إليك أنك تسمعهما وتراهما، وتتأثر بما تسمع وترى من أمرهما، وإذا أنت أمَامَ قِطْعَةٍ مِنَ الشعر التمثيلي ليست أقلَّ إمْعَانًا في فن التمثيل من القصص التَّمثيلي الذي لا شك فيه، ويكفي كذلك أنْ ترى الشاعر المُغَنِّي يتصور شيئًا كهذا، ويُتقن وصفه، ويُحْسِنُ تغنيه، لتجد التمثيل في الشعر الغنائي. ولعلك تذكر قصة ابن أبي ربيعة مع صاحبته في رائيته المشهورة:

أمن آل نُعمٍ أنتَ غادٍ فمُبكِّر

غداة غَدٍ أم رائح فمهجر؟!

وتذْكُر ما كان بينه وبين صاحبته من حِوَارٍ دَقيق رَقيقٍ خَلَّابٍ، ولعلك لا تُخَالِفُني في أنَّ هذه القصيدة أقرب إلى أنْ تَكُون قصة تمثيلية صغيرة منها إلى أن تكون قصيدة غنائية عادية، وأنت كذلك تستطيعُ أن تجد القصص، بل أنت تجد القصص في الغناء والتمثيل حين يقصد الشاعر المغني إلى قصة يتحدث بها إليك، أو حين يقصد الشاعر الممثل إلى قصة يكلف أشخاصه إلقاءها على الجمهور من النظارة.

فالحدود بين القصص والغناء والتمثيل حدود دقيقة في نفسها، ولكنها على كل حال حدود اصطلاحية تَواضَعَ عليها الناسُ للتعلم والتعليم، وللتصنيف والتقسيم، فهي إذا قسمت الشعر إلى فنون وفرقت بين هذه الفنون؛ فلن تستطيع أن تقسم شعور الناس بجمال هذا الشعر، وتأثرهم بما له من قوة وروعة، أو عُذوبة ورِقَّة، أو سِحْرٍ واخْتِلابٍ للعقول، إلى أقسام مُختلفة أو أطوارٍ مُتباينة، وإنَّما هو هذا القدر المُشْتَرك منَ الجمال الذي تجده دائمًا في كل آية من آيات الفن مهما تكن قصصًا أو غناء أو تمثيلًا، ومهما تكن شعرًا أو موسيقى أو تصويرًا.

وأنا أعرف أنك ستقرأ هذا الكتاب ضاحكًا له، ساخرًا منه؛ لأنه لن يبلغ منك أن يقنعك بهذه الآراء أو يُرضيك عنها، ولكني أعلم أنك تحتمل من الرأي ما لا تَرْضى، وتستطيع أن تقرأ ما لا يُقنعك دون أن يُخرجك هذا عن طورك، فاكتم علي هذه الآراء؛ فليس للناس جميعًا ما لك من الصبر والاحتمال والحلم على من لا يشاركك فيما أنت فيه من خطأ أو صواب.

وقد تعودتُ أن أحتمل منك سخفًا كثيرًا؛ فاحتمل مني سخفًا قليلًا، على أني لا أكره أن ألح عليك في هذا السخف حتى تُشاركني فيه، وتطمئن معي إليه، إلا إذا كان لك من قوة الحُجَّة على طلبك ما يُمكنك من أنْ تعدل بي عن هذا الرَّأي، وأنا مُنتظرٌ كتابًا منك على كل حال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Kaled Goda ·١٨ أغسطس ٢٠١٥، ١٢:٢١ م

    الحدود بين القصص والغناء والتمثيل حدود دقيقة في نفسها