لا أدري من الذي رزأنا بالطربوش وجعله لباسًا قوميًّا، ولكن الذي أدريه أنه لباس يوناني انتقل إليها — كما انتقل إلى الأتراك — في العهد التركي، وأعني به الفترة الطويلة التي كانت مصر في خلالها داخلة في ملك بني عباس، ولا نزال نرى اليونانيين يتخذون هذا الطربوش في بعض احتفالاتهم القومية التي يحرصون فيها على الزي القومي القديم.

وقد رأيت جدة أمي في آخر حياتها وكانت تلبس طربوشًا محلًّى بخيوط الذهب والفضة وله زر طويل، بل وكانوا يسمون هذا النوع من الطربوش عزيزية. والواقع أن الطربوش قد يصلح أن يكون زينة، ولكني لا أراه يصلح أن يكون غطاء للرأس، فما فيه وقاية من شمس أو مطر؛ فلا خير فيه في صيف أو شتاء، وسواد الشعب لا يتخذه وإنما يتخذه «الأفندية» وحدهم في المدن؛ فهو ليس باللباس العام ولا محل إذن لعَدِّهِ «قوميًّا» وخصوصًا إذا اعتبرنا أصله اليوناني.

ولا شأن للدين بالقبعة والطربوش، وإذا قيل إننا نتشبَّه بغير المسلمين حين نلبس القبعة؛ قلنا إننا نلبس الثياب الأفرنجية وهي لباس غير المسلمين، ولا نعد متشبهين بغير المسلمين.

إن الثياب لا تصنع الرجال وليست عنوانًا على الدين، وفي أقطار الأرض ملايين من المسلمين غيرنا يلبَسون ما يلبس غيرهم من أبناء الأديان الأخرى؛ فلا محل للتشبث بهذا الطربوش الذي لا معنى له ولا فائدة.

وكل ما يمكن أن يحصل من الاعتراض هو أن استبدال القبعة بالطربوش يخشى أن يضر بتجار الطرابيش وبهذه الصناعة على العموم، وهذا خوف في غير محله فإن مصانع الطرابيش تصنع القبعات، واسألوا مصنع طرابيش القرش يقُلْ لكم ذلك وهو يصنع القبعات الآن كما يصنع الطرابيش. أما التجار فلا ضير عليهم وما عليهم إلا أن يُحلوا القبعات محل الطرابيش على رفوفهم، وكثير من القبعات يحتاج إلى الكي أيضًا فلن تبور صناعتهم.

الواقع أنه آن نتخلص من هذا العبء الثقيل الذي نحمله على رءوسنا ونشقى به بلا أدنى موجِب، وقد بدأنا نستبدل القبعة بالطربوش «رسميًّا» فاتخذه بوليس المرور، ولا أرى أي سبب يمنع من تعميم ذلك ولا أي حكمة في قصر الانتفاع بالقبعة على رجال المرور، والخطوة الأولى هي الشاقة التي يطول قبلها التردُّد وقد خطوناها ولله الحمد؛ فخليق بنا أن يسهل علينا المضي في الطريق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.