ذكرنا في المقال السابق أن الناس في استياء من شيء واقع، في استياء شبيه بالفوضى يضرب في حياتنا الاجتماعية، ويتولى أحوالنا النفسية.

وقلنا قد يكون في ذلك الاستياء العام مقدمة لانقلاب سيحدث في وجهة النظر، ولتغييرٍ سيكون في خُطة السير الاجتماعي، ولتطور سيصل إلى الوجدان.

ولكن هذا الاستياء الذي نشهده الآن لا ينبغي أن نقف عنده جامدين. فهذه الشكوى التي تسمعها من محدِّثك ساعةَ هو يتحدث إليك بالانحلال الخلقي.

وهذه الشكوى التي تسمعها من محدثك ساعةَ يذكر لك مساوئ المحسوبية وساعة يتحدث إليك بألمه من إهمال الكفاءات.

وهذه الشكوى التي تسمعها من محدثك ساعةَ يذكر لك مظاهر الاستبداد من أهل السلطة، وخطل الرأي ممن يؤثِّرون في سير أمورنا وشئوننا.

وهذه الشكوى التي تسمعها من محدثك ساعةَ يذكر لك عناد رجال الأحزاب مِنَّا وتزاحُمهم على الغلَبة دون أن يفكروا في التسانُد والتضامُن على الخير.

وهذه الشكوى التي تسمعها من محدِّثك ساعةَ وهو يحدثك في سوء التصرُّف والسَّفَه في أموال الأمة، وعدم الحِرص على المصلحة، وعدم تقرير الأنفع وتقديمه على النافع.

وهذه الشكوى التي تسمعها من محدِّثك ساعةَ وهو يحدثك بأن كثيرًا من الناس يُحشرون في غير أماكنهم، وتُسنَد إليهم أعمالٌ ليسوا لها أهلًا فيسيئون إلى العمل وإلى من يتصل بالعمل.

وهذه الشكوى التي نسمعها من سعة صدور الصحف للأفكار الفَجَّة، وتحميل الكُتَّاب والأدباء عِبْءَ الأساليب التي لا نزاهة فيها ولا خير منها.

هذه الشكاوى التي تسمعها كل يوم في أحاديثِ الناس، والتي قد تقرؤها أحيانًا على صفحات الجرائد ينبغي أن تُكسبك خَلتين:

الأولى: أن تسخر ممَّا هو كائن، وأن تحقد على ما هو حاضر.والثانية: أن تفكر فيما يجب أن يكون.

هكذا نتيجة الاستياء؛ مقت للحال ونزوع وراء الكمال، وأن فيهما سببًا للتقدُّم والرُّقي.

يقولون إن القرن الثامن عشر الذي تمخض بانقلابات وثورات كثيرًا ما سمع الناس فيه حديثين: حديث الساخطين، وحديث المسعدين الساعين وراء مناهج الإصلاح. وكما كان الناس يسمعون فيه حديثين فإنهم كانوا يقرءون فيه أدبين: أدبًا هادمًا لكل ما هو سيئ، وكتابة ممزِّقة لما يُظِلُّ الحياة الاجتماعية من سحب، وكان يمثل هذا الأدب الفيلسوف فولتير، وأدبًا يحسن الظن بالمآل ويستسهل وسائل الإصلاح، ويفيض بأداء الخير، وكان يمثله الفيلسوف روسو.

ولكن عندنا — وا أسفاه — لا نسمع الأحاديث إلا على نغمة واحدة: نغمة الشكوى والاستياء، ولكن عندنا — وا أسفاه — لا نقرأ من الأقلام إلا معنى واحدًا: معنى الاشمئزاز من الحال والسخط عليه.

على أن الشكوى الحقة لا تُجدِي دون أن يؤيدها الغضب والحماس.

وليس ينفع الغضب والحماس دون أن يدفعاك إلى التفكير في التخلُّص ممَّا يغضبك من السوء ويثيرك من الشر.

على ذلك نطالب الذين لم يتأثَّرُوا بآثار الفوضى، ولم تُلَطَّخْ ثيابهم البيض بأقذارها، أن يتقدموا طاهرين ليُسمِعوا الناس صوتهم.

على ذلك نطالب الذين أبقى لهم الشر المستطار في البلاد عقولًا هادئة صافية أن يتقدموا للتفكير.

على ذلك نطالب الذين لا يجهلون مواضع السوء، وظلت نفوسهم نقية من الأهواء أن يتقدموا للنصيحة.

ولكنا نطالب الذين أخلصت قلوبهم من الجمهور حين شكاتهم بأقل ما يمكن أن يطلب إليهم؛ نطالبهم بالغضب والرغبة في الخروج على الحال.

أما التفكير الصادق فنطالب به أهله ممن اتَّسع علمهم وبَعُد نظرهم وأوتوا مواهب الذكاء ومضاء القريحة. نطالبهم بالتفكير، فكيف يعرضون المسألة؟ وكيف يعرضون الحلول لتطهير ذلك الجو الموبوء أو الخروج بالناس من دائرة الخطر؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.