هو ذلك اليوم القريب البعيد الذي تتعلق به النفوس وتتصل به الآمال، والذي تصبو إليه القلوب وتسمو إليه الأماني، والذي يجلو فيه آخر فوج من الجنود البريطانيين عن أرض الوطن بعد عشرين شهرًا.

هو قريب لأن عشرين شهرًا ليست شيئًا ذا خطر في حياة الشعوب، وهو بعيد لأن آمالًا كثيرة وآجالًا كثيرة تتقاصر من دونه، ولا يعرف أصحابها أيدركونه فيما قُدر لهم أن يدركوا من الأيام، أم يفوتهم فيما قدر أن يفوتهم من الأيام. في ذلك اليوم الموعود يستدير الزمن كهيئته منذ ستة وعشرين قرنًا، حين كانت مصر حرة بأوسع معاني الحرية، كريمة بأدق معاني الكرامة وأصدقها، مستقلة بأصح معاني الاستقلال وأعمقها، أمرها إليها وسلطانها خالص لأبنائها، لا يشاركهم فيه أجنبي مشاركة قريبة أو بعيدة، حين كانت مصر تقضي وحدها في كل أمورها، لا ترجع إلى عاصمة بعيدة في أعماق بلاد الفرس أو في أعماق بلاد اليونان والرومان، أو في أعماق بلاد العرب أو في دمشق أو بغداد.

ويقضي أبناء مصر وحدهم في أمورها لا يشاركهم فيها ملوك وخلفاء، قد استقروا في أرضها، وألصقوا أنفسهم بها أو ألصقتهم هي بنفسها. نعم في ذلك اليوم الموعود بعد عشرين شهرًا تشرق الشمس على مصر، فتراها كما عرفتها منذ ستة وعشرين قرنًا، حرة كريمة خالصة لأبنائها، لا ترجع في أمرها إلى سلطان أجنبي بعيد مسيطر عليها، ولا إلى سلطان أجنبي قريب مستقر فيها، وإنما يدبر أمورها أبناؤها الذين خرجوا من أعماقها وتأثروا بطبيعتها الخالصة من كل شائبة، البريئة من كل زيف. في ذلك اليوم تعرف مصر نفسها، بعد أن أنكرتها وجدَّت في طلبها، واحتملت في سبيل هذا الطلب خطوبًا في إثر خطوب، وكوارث في إثر كوارث. فقد ينبغي أن يذكر المصريون أن وطنهم لم ينسَ نفسه في يوم من الأيام، ولم يقبل الضيم من أي مصدر من مصادر الضيم، وإنما جاهد في سبيل استقلاله منذ فقدَ هذا الاستقلال، وأرهق الغزاة والغاصبين والمحتلين من أمرهم عسرًا.

يجب أن يذكر المصريون حين يظلهم ذلك اليوم الموعود أن وطنهم لم يسترح ولم يرح قط، منذ فقدَ الاستقلال في القرن السادس قبل المسيح، إلى أن استرده في القرن العشرين بعد المسيح. وإنما أنفق هذه القرون الطوال صابرًا مصابرًا ومجاهدًا معاندًا وثائرًا يشقى ويشقى مستذليه ومستغليه، حتى أتيح له أن يبلغ الغاية التي جدَّ في سبيلها، واحتمل ألوان العناء، وحمل غيره ألوان العناء ليبلغها وفي الاستقلال الحر الكريم.

إن في تاريخ مصر أثناء هذه القرون الطوال لعبرًا لمن يريد أن يعتبر، وعظات لمن يريد أن يتعظ، وعلمًا لمن يريد أن يتعلم، وحكمة لمن يريد أن يبلغ أعماق الحكمة. مصر هي الوطن الوحيد في أقطار الأرض كلها، الوطن الوحيد الذي جاهد هذه القرون الطوال، شاعرًا بالجهاد أحيانًا وغافلًا عن الجهاد أحيانًا. ولكنه مجاهد دائمًا، محتفظ بشخصيته دائمًا، مشارك في تنمية الحضارة دائمًا، مؤدٍّ حق الإنسانية عليه دائمًا، مناهض للمستذلين والمستغلين، حتى أُتيح له أن يجني ثمر جهاده الطويل الثقيل الذي ملأ التاريخ علمًا وحكمة، وملأ الأرض حضارة وثقافة.

وما أحب أن يظن القارئ أني أتمدح أو أتكثر أو أستجيب لهذه العاطفة الكريمة؛ عاطفة الحب للوطن، وإنما أنا أحقق ما أقوله كل التحقيق. وأيسر النظر إلى تاريخ مصر الطويل أثناء هذه القرون الستة والعشرين يثبت في غير شك، ولا لبس أن مصر لم تخضع قط لمستعمر إلا كارهة ثائرة حين استطاعت أن تثور، مناوئة حين لم تتح لها وسائل الثورة، وهي في أثناء ذلك مشاركة في تنمية الحضارة، ناهضة بأعظم حظ في حفظ الثقافة ونشرها وإذاعتها، منتهزة كل فرصة لتؤدي واجبها للإنسانية المتحضرة كاملًا غير منقوص.

من حق المصريين أن يحبوا وطنهم أكثر مما يحبون أنفسهم، وأن يفاخروا بتاريخه حين كان حرًّا مستقلًّا، وبتاريخه حين كان خاضعًا مستذلًّا؛ لأنه كان في هذين الطورين نافعًا للإنسانية دائمًا، ناهضًا بعبئه في غير كلل ولا ملل، وفي غير يأس ولا قنوط.

وكأن مصر قد أبت أن تبلغ الغاية التي رسمتها لنفسها، إلا على أيدي أبنائها الخالصين من كل شائبة الخارجين من أعماقها، فقد أُتيح لمصر أن تجاهد وتقارب الفوز بما كانت تريد من هذا الاستقلال الكامل الموفور، ولكنها كانت تخفق حين تقارب الغاية، كأنها كانت تشعر بأن أوان الفوز لم يؤن بعد؛ لأن أمرها لم يكن إلى أبنائها.

ما أكثر ما جاهَدَتِ الترك وقهرتهم أو كادت، وما أكثر ما جاهدت الإنجليز واستخلصت، وأرهقتهم من أمرهم عسرًا، ولكنها كانت دائمًا تقف قبل أن تبلغ الغاية، حتى إذا أزالت الملك الأجنبي عن وطنها، وثلت عرش محمد علي وبنيه، واستخلصت سلطانها لأبنائها، وردت هذا السلطان إلى الشعب كله، وعرفت أنها إن تدرك النجح يكن خالصًا لها من دون الأجنبي القريب أو البعيد؛ سعت إلى غايتها متمهلة وأدركتها مترفقة، وأصبح أبناؤها ذات يوم فإذا هم قد ظفروا في أقصر وقت ممكن بما لم تظفر به الأجيال الكثيرة في القرون الطوال.

منذ عامين شبت الثورة فأنزلت عن عرش مصر آخر ملك أجنبي، ومنذ عام واحد أعلنت الثورة أن مصر ليست في حاجة إلى العرش؛ لأنه يغري بها الطامعين ويعلق بها آمال المغامرين، وإن الخير كل الخير في أن ترد أمر الشعب إلى الشعب، فألغت النظام الملكي وأعلنت النظام الجمهوري. وفي هذا العام بلغت الثورة الناشئة التي لم يتجاوز عمرها عامين اثنين ما أرادته مصر منذ أطول الأزمان من هذا الاستقلال الخالص الكريم، وحررت أرض مصر من الاحتلال الأجنبي الذي طالما تمنينا أن يزول وطالما جاهدنا في إزالته، فلم نبلغ مما تمنينا شيئًا، حتى ظن المستيئسون أن الذل قد سُجل على مصر تسجيلًا، وحتى زعم الزاعمون أن خصال الخير والشر قد قُسمت بين أقطار الأرض، على أن تختار كل خصلة من خصال الخير القطر الذي يلائمها، فتسعى إليه وتتبعها خصلة من خصال الشر، فاختار الغنى مصر وأعلن الذل أنه سيتبعه.

فكيف بهؤلاء الزاعمين وأولئك المستيئسين لو رأوا مصر وقد احتفظت بالغنى وجددت السعي في إنمائه وإذكائه، ورفضت الذل وأقامت مكانه الإباء الأبي والعز العزيز.

في عامين اثنين حققت ثورة الجيش في مصر أمورًا جسامًا، وأحدثت أحداثًا عظامًا؛ نفت عن نفسها النظام الملكي الذي خضعت له عشرات القرون، والذي جرَّ عليها كثيرًا من الضيم وفرض على أهلها الذل والهوان في عصور مختلفة من تاريخها في القرون الوسطى. وما بالك بأمة كانت تشتري ملوكها بالمال، ثم تُجلسهم على عرشها بعد أن تُهيئهم لذلك، وتعلمهم كيف يملكون وكيف يظلمون وكيف يُرهقون سادتهم من أمرهم عسرًا، وكيف يجزونهم من الخير شرًّا ومن العرف نكرًا ومن الإحسان إساءة وبغيًا وطغيانًا.

نفت مصر عن نفسها هذا النظام في العام الأول من عامي هذه الثورة، فاستخلصت سلطانها الداخلي لأبنائها لا يشاركهم فيه أحد، ثم فرغت لمشكلاتها الخارجية فحلتها في يُسر ورفق قلَّما يعرف التاريخ لهما نظيرًا.

حلَّت أول ما حلت مشكلة السودان، فلم تستأثر به لنفسها؛ لأنها لم تُرد ذلك في يوم من الأيام، ولم تتركه للطامعين فيه يستغلونه ويستذلون أبناءه، وإنما حرصت أشد الحرص على أن تظفر له بحريته قبل أن تظفر لنفسها بحريتها، ونجحت في تحقيق ما حرصت عليه. فأنشأت في شهور قليلة حكومة وطنية في السودان؛ قوامها أبناء السودان أنفسهم يدبرون أمورهم ويقررون مصيرهم، كما يحبون هم لا كما يحب غيرهم من الطامعين والمستعمرين. ثم التفتت إلى المشكلة الخاصة بينها وبين الإنجليز، فاشتدت حين كانت الشدة واجبة، ورفقت حين كان الرفق نافعًا، ورفضت كل ما لا يلائم الكرامة ولا يحقق العزة، وأبت إباء المستيئس، وقبلت قبول الآمل، وانتهت آخر الأمر إلى النهج الكريم في هذه الأيام الأخيرة، فضمنت الجلاء في غير مغامرة، ولا مقامرة بالمستقبل ولا إنكار للماضي ولا جحود لسنتها التاريخية المجيدة في الاتصال الأكيد بحضارة البحر الأبيض المتوسط؛ تلك الحضارة التي أنشأتها ثم أذاعتها ثم شاركت في تنميتها وتذكيتها، حتى أصبحت حضارة الإنسان كله في هذا العصر الحديث.

وفي أثناء هذا كله عنيت بالإصلاح الاجتماعي، فجدَّت فيه غير وانية ولا متلكئة، فشرعت الإصلاح الزراعي لتلغي الفروق بين الطبقات، وتقر في نفوس المواطنين جميعًا أنهم إخوة ليس فيهم سيد ولا مسود، وأن ثروة مصر لم تُخلق ليستأثر بها فريق دون فريق، وإنما خُلقت لينعم بها المواطنون جميعًا كلٌّ على قدر بلائه وكفايته وجدِّه في العمل دون أن يكون في ذلك بغي أو سرف أو طغيان.

في عامين اثنين حلت ثورة الجيش ما أحاط مصر من المشكلات الخارجية المستعصية؛ فاستخلصت السودان لأهل السودان، واستخلصت مصر لأهل مصر، ووضعت أسس الإصلاح الاجتماعي الداخلي.

حققت هذا كله في أقصر وقت ممكن، بعد أن عجزت عن تحقيقه أجيال كثيرة في أزمنة متطاولة، وحققت هذا كله في رفق أي رفق وفي يسر أي يسر. لم تسفك في سبيله دمًا، ولم تزهق في سبيله نفسًا، ولم تعرِّض في سبيله مصلحة عامة أو خاصة لخطر قريب أو بعيد. فكان هذا كله مثلًا رائعًا سينتفع به العالم المعاصر من غير شك.

ولقد قلت حين شبت ثورتنا هذه إنها لن تنفع مصر وحدها، ولكنها ستنفع أقطارًا كثيرة من حولها. وإني لسعيد الآن حين ألاحظ أني لم أكن مخطئًا ولا مغاليًا؛ فقد نفعت ثورتنا السودان فردته إلى أهله بعد أن كان طعمة سائغة للمستعمر، ولم تكد تمضي اتفاق الإنجليز منذ أيام حتى اضطرت فرنسا إلى أن ترد إلى تونس جزءًا عظيمًا من حقها، فردت إليها الاستقلال الداخلي، وسترد إليها الاستقلال الكامل في يوم قريب ما في ذلك شك.

ولست أنا الذي يخترع هذه المقاربة بين ما حدث في مصر وما حدث في تونس، فقد اعترفت به الصحف الفرنسية نفسها، وكتبت جريدة الموند في تعليقها على الاتفاق الإنجليزي المصري تقول: إن هذا الاتفاق سيؤثر في المشكلة التونسية من غير شك، ثم لم نلبث إلا يومين اثنين وإذا رئيس وزراء فرنسا يطير إلى تونس ليعلن إليها أن فرنسا ترد إليها استقلالها الداخلي في صراحة لا تَحفُّظ فيها.

وسجلت الصحف الإيطالية ذلك اليوم في تعليقها على القرار الفرنسي، فقالت الكويري دلاسيرا: إن من الملاحظ أن هذا القرار جاء في إثر الاتفاق المصري البريطاني.

وأنا واثق كل الثقة بأن أثر هذا الاتفاق سيتجاوز تونس إلى مراكش، وعسى أن يكون ذلك قبل أن تنشر الجمهورية هذا الحديث.

فمصر قلب العالم العربي ما في ذلك شك، وحرية مصر أساس لحرية العالم العربي كله ما في ذلك شك أيضًا، وأنا مطمئن بعد هذا كله إلى أن حرية مصر الكاملة لن تنفع المصريين والعرب وحدهم، ولكنها ستنفع الإنسانية المتحضرة كلها.

فمركز مصر بين الشرق والغرب جدير بأن يجعلها مصدر خير كثير للشرق والغرب حين تطمئن وترضى، ومصدر شر كثير في الشرق والغرب حين تضطرب وتسخط، بشرط أن يُحسن المصريون تدبير أمورهم في حزم وعزم ورفق ومضاء. وأشهد لقد دبرت الثورة أمور مصر في حزم ورفق ومضاء، فلننتظر هذا اليوم الموعود فرحين مستبشرين ليسعد به الذين يدركونه وليرضى عنه الذين لا يُتاح لهم إدراكه، ويعلموا أن قد أتيح لهم أن يعيشوا حتى يروا وطنهم قد بلغ ما أراد وأصبح وطنًا عزيزًا كريمًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.