لم يبقَ شكٌّ في أن صاحب السعادة وزير فرنسا المفوض لم يَزُرْ رئيس وزرائنا منذ يومين ليقرأ عليه السلام أو ليبلِّغه تحية الجمهورية الفرنسية، أو ليتحدث إليه عن الجو والمطر كما يقول الفرنسيون، وإِنَّما ذهب إليه غاضبًا عاتبًا وإن شئت فقُل مُنْكِرًا مُحْتَجًّا، وإن شِئْتَ فقُل مُعَلِّمًا مُؤَدِّبًا، فكل هذا حق فيما يظهر، بل كل هذا حق من غير شك.

فوزير فرنسا المفوض وآخرون من الوزراء المفوضين مغضبون؛ لأنَّ قاضي القُضاة قال في خطبته التي أَلقاها بين يديْ حضرة صاحب الجَلالة الملك في حفلة القضاء جملة أشار فيها إلى أنَّ القضاء المصري قد بلغ من الرُّقي أنْ أَصْبَحَتْ مصر قادرة على أن تستقلَّ بشئون العَدل بين سُكَّانِهَا جميعًا … وطلب إلى حضرة صاحب الجلالة الملك أن يتفضَّل فيعلن هذه الحقيقة التي لا يشك فيها قاضي القُضاة والتي لا يشك فيها أحد من المصريين.

وزير فرنسا مُغضب وآخرون من الوزراء المفوَّضين مغضبون؛ لأنَّ هذه الجُمْلَةَ جرت على لسان قاضي القضاة في حفلة رَسْمِيَّة يُشَرِّفُها جلالة الملك ويشهدها المُمثلون السياسيون للدول الأجنبية صاحبة الامتيازات، وهم يرون أنَّ إلقاء هذه الجملة كما ألقيت وباللهجة الحازمة التي ألقيت بها في وجه ممثلي الدول الأجنبية يخلو خلوًّا تامًّا من المجاملة، وهم يرون أن الحكومة كانت بين اثنتين إمَّا أنْ لَا تُقِرَّ مِثْلَ هذه الجُمْلة، وإما أن لا تدعو الوزراء المفوضين لاستماعها. فأمَّا أن تقر الجملة كما هي، وتدعو الوزراء المفوضين لاستماعها، فتجاوز في رأي هؤلاء السادة لما يسمونه اللياقة، ولما يسمونه المُجاملة، ومُخالف في رأي هؤلاء السَّادة لما ينبغي أنْ يكون من حسن الصلات وعلاقات الود بين الحكومة المصرية وممثلي الدول الأخرى.

وواضح أنَّ وزير فرنسا المُفوض لم يُعبر عن رأيه الشخصي حين قال ما قال لرئيس الوزراء، وأنَّ زملاءه الممثلين السياسيين مثله لا يصفون آراءهم الشخصية وحدها، وإنما يصفون جميعًا آراء حكوماتهم، وإذن فالحكومات الأجنبية صاحبة الامتيازات غاضبة عاتبة، وهي قد كلفت ممثِّلِيها السياسيين أنْ يُبْلِغُوها هذا الغَضَب، وهذا العتب، وإن شئت فقل هذا الإنكار، وهذا اللوم إلى رئيس الوزراء، وأن يلفتوه إلى ما ينبغي للحكومة المصرية أن تتوخَّاه في مثل هذه الحفلة من آداب اللياقة والمُجَامَلة، وإذن فقد أثارت هذه الجملة من خطبة قاضي القضاة نوعًا من الإشكال بين وزارة الخارجية المصرية وبين الدول الأجنبية، ونَظُنُّ أَنَّ الدول الأجنبية لا تغضب ولا تحتجُّ عند رئيس الوزراء إذا لاحظ المصريون أَنَّها كانت دَقِيقة الحِسِّ، مُسْرِفَة جدًّا في دقة الحس ورِقَّة الشُّعور حين غضبت من جُمْلَةِ قاضي القُضَاة، وحين دفعها هذا الغضب إلى أن تُنكر وتحتجَّ وإلى أن تعتب وتلوم؛ فقد يخيل إلينا أنَّ المصريين أُمراء في بلادهم يقولون ما يُريدون أن يقولوا، ويعملون ما يريدون أن يعملوا في حدود الحق والعدل، وفي حدود الطَّاقة والاستطاعة.

ونظنُّ أن قاضي القضاة لم يتجاوز في خطبته تلك حقَّ المصريين في هذه الحرية، وأن أحدًا من الناس لا يستطيع ولا ينبغي له أن يستطيع، وأن دولة من الدول لا تستطيع ولا ينبغي لها أن تستطيع، أن تقول للحكومة المصرية أو لأحد من المصريين هذا كلام يمكن أن يقال وهذا كلام لا يُمكن أنْ يُقال.

وإذا لم يكن بُدٌّ من أنْ تظهر الحكومات دقة ورقَّة الشعور في هذه الأيام، فقد يُخَيَّلُ إِلَيْنَا أنَّ الوزراء المفوضين يؤذون الحس المصري والشعور المصري حين يتحكَّمون في أقوالنا وأعمالنا إلى هذا الحدِّ الغريب. ومن يدري لعلهم يمنُّون علينا بأنهم لم يُغادروا مكان الحفلة حين سمعوا هذه الجملة من قاضي القضاة! ومن يدري لعلهم يمنون علينا لأنهم اكتفوا بالاحتجاج الشفوي يسعون به إلى رئيس الوزراء، ولم يتجاوزوه إلى الاحتجاج المكتوب أو إلى نوع من الاحتجاج أشدَّ من الاحتجاج المكتوب.

هذا كثير، وأكثر منه أن تقبله الحكومة المصرية هادئة مطمئنة، فلا تغضب ولا تعتب ولا تنكر ولا تحتجُّ؛ فقد يظهر أن حكومتنا تلقت غضب الغاضبين وعتب العاتبين بالرِّضَا والاطمئنان، لِمَ تنكرهما ولِمَ تأبى على الدول هذا الحق الغريب الذي تنتحله لنفسها انتحالًا من تعليم المصريين ما يقولون؟ وكيف يقولون؟ وأين يجوز لهم أن يقولوا أو ألا يقولوا؟ وقد زعمت بعض صحف المساء أمس، وبعض صحف الصباح اليوم أنَّ رئيس الوزراء أنكر هذا الاحتجاج إنكارًا شديدًا، ولكننا بحثنا، وسألنا، فلم نقف لإنكار رئيس الوزراء على أثر، بل قال لنا بعض القائلين إنَّ رئيس الوزراء قد كان ظريفًا كدأبه دائمًا، فرد على وزير فرنسا ردًّا رفيقًا، حلوًا سائغًا لا غضب فيه ولا عتب. ولسنا نجد في هذا شيئًا من الغَرَابَةِ؛ فَقَدْ سَنَّ صدقي باشا للأَجَانِب وللوزارات المصرية التي تُشْبِهُ وزارته سُنَنًا جميلة رائعة، سنَّ للأجانب أن يطمعوا في مصر ويُسرفوا في الطمع، حتى ينتهوا إلى التجني وما هو أكثر من التَّجني، فلولا أنَّ صدقي باشا وعهده السعيد قد أظهرا للأجانب من اللين والاستكانة ما أظهرا، ولولا أنَّ صدقي باشا وعهده السعيد قد أنفقا ما يستطيعان وما لا يستطيعان للظفر برضا الأجانب دون رضا المصريين، بل على حساب المصريين، والاعتماد على ثقة الأجانب دون ثقة المصريين، بل على حساب المصريين، لما خطر لوزير فرنسا المُفوض أن يغضب ويحتجَّ على هذه الجملة التي قالها قاضي القضاة، فصور بها تصويرًا هادئًا معتدلًا رأي المصريين جميعًا.

ولكن الأجانب رأوا من الحكومة المصرية الصدقية ومن الحكومة التي ورثتها لينًا وضعفًا، وتهالكًا وتهافتًا، فانتظروا من مصر كلَّ شيء، وطمعوا من مصر في كل شيء، واستكثروا على مصر كل شيء، وأبوا على رئيس القضاء المصري أن يطلب إلى ملك مصر تحقيق أمل يحرص عليه المِصْرِيُّون، ولَنَا نَحْنُ أَنْ نَرْضَى، ولنا نحن أن نسخط، فلن يبتهج لرِضَانا أَحَدٌ، ولن يبتئس لسخطنا أحد، ولن يحسب لنا أحد حسابًا. وهل تركت وزارات هذا العهد السعيد لنا من الكرامة والحرمة ما يُكْره أحدًا من الأجانب على أن يحسب لنا حسابًا؟

وكيف كانت تستطيع وزارة صدقي باشا أنْ تَحْفَظَ لنا كرامتنا، فتحمل الأجانب على أن يحفظوها؟ وكيف تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن ترعى لنا حُرْمَتنا، فتحمل الأجانب على أنْ يرعوها، ولم تقم هذه كما لم تقم تلك على حُبِّ المصريين وثقتهم ولا على قوة المصريين وتأييدهم، وإِنَّما قامَتْ هذه كما قامت تلك على هذه القُوَّة الغريبة التي لا تستمد من قلوب المصريين، وإنما تستمد من الحديد والنار، وتستمد من عطف الأجانب وتأييدهم، وتنتهي دائمًا إلى إذلال المصريين واضطرارهم إلى الخضوع والخنوع.

ليت شعري هل يقدر الرَّجل الطيب هذه الحال التي انتهت إليها أُمَّته، والتي مكَّنَتْ للوزراء المُفَوضين أن يغضبوا ويعتبوا، وينكروا ويحتجوا؛ لأنَّ رئيس القضاء فيها طلب إلى مليكها أنْ يُحَقِّقَ أملًا من آمالها. ليت شعري هل يُقَدِّر الرجل الطيب هذه الحالة التي وصلت إليها مصر؟ وهل يرضى الرجل الطيب عن هذه الحال؟ وهل يُوازن الرَّجل الطيب بين هذه الحال وبين هذه الأعراض الزَّائلة التي يستمتع بها الوزراء وقتًا طويلًا أو قصيرًا، والتي تفسد عليهم الأَمْرَ حتى يطمع فيهم وفي أمتهم من لا ينبغي أنْ يَطْمَع فيهم ولا في أمتهم؟!

ليت شعري هل استراح ضمير الرجل الطيب حين سمع ما سمع من وزير فرنسا المفوض، فلم يستطع أن يلقاه إلا بالكلام العذب الرفيق؟ وهل يَسْتريح ضمير صدقي باشا في عُزْلَتِهِ البائسة لهذه الحال التي دفع إليها أمته دفعًا، ثم انتهت به هو إلى شر ما ينتهي إليه الوزراء؟

على أنَّ في هذه القصة الغريبة أمرًا خليقًا بالتفكير؛ فقد يُقال أن الممثلين السياسيين لم يغضبوا من جملة قاضي القضاة إِلَّا لأَنَّ جملًا أخرى سبقتها، فجعلتها مرة لاذعة وجعلت وقعها عليهم شديدًا. وهذه الجمل هي التي ذكر فيها قاضي القضاة إنجلترا واحتضانها للقضاء المصري كما تحتضن الأم ولدها، وهذا الثناء الذي ساقه قاضي القضاة إلى الإنجليز، وهذا الشكر الذي أهداه قاضي القضاة إلى الإنجليز. وقد يُقَالُ إنَّ الدول الأوروبية دقيقة الحِسِّ رقيقة الشعور إذا أُثْنِيَ على إحداها ولم يُثْنَ على الدول الأخرى، أو قُدِّمَ الشكر إلى إحداها ولم يُقَدَّم إلى الدول الأُخرى.

وقد يُقَالُ إِنَّ هذه الدول الأوروبية ما كانت لتجد مرارة ولا حرارة في خطبة قاضي القضاة لو أَنَّه لَم يختصَّ الإنجليز بالثناء ولم يصفهم بالشكر، فليتَ قاضي القضاة لم يفعل؛ إذن لكانت مصر بمأمن من هذه الإهانة التي وجهت إليها أول أمس، حين سعى بعض الوزراء المفوضين إلى رئيس الوزراء لينبئه بأن الحكومة المصرية قد تجاوزت اللياقة والمُجاملة حين تركت رئيس القضاء المصري يقول ما قال، فإذا أضفنا إلى هذا أنَّ الثناء الذي أهداه الأستاذ الخَطيب إلى الإنجليز، وأنَّ الشُّكر الذي أَسْدَاهُ إلى إنجلترا لم يُرض المصريين، ولم يُلائم شُعورهم ولم يُصَوِّر ما يعتقدون أنه الحق، كُنَّا مصيبين حين وددنا لو أنَّ قاضي القُضاة أسقط من خطبته هذا الشكر وذلك الثناء.

أما بعد، فهل يذكر رئيس الوزراء أنَّ المحاكم المُختلطة ليست ضربة لازب على المصريين، وأَنَّها ليست مفروضة عليهم فرضًا، وأَنَّ المصريين مجمعون على أن إلغاءها يُحَقِّقُ أَملًا من أغلى آمالهم عليهم، وإنَّ قاضي القضاة قد أعلن بين يديْ جلالة الملك أنَّ أَوَان إلغائها قد آن، فلم يُنكر عليه ذلك أحد من الرجال الرسميين أو غير الرسميين، وإن إلغاء المحاكم المختلطة ليس بالشيء العسير ولا هو بالشيء الذي يستطيع أحد أن ينازع مصر حقها فيه. هل يذكر رئيس الوزراء؟ وهل يذكر أن اتخاذ الإجراء لإلغاء المحاكم المُختلطة هو الجواب الوحيد الذي يُلائم احتجاج الوزراء المفوضين على خطبة قاضي القضاة، ويحفظ على المصريين كرامتهم ويحقق لهم آمالهم، ويشعرهم بأنَّ استقلالهم ليس عبثًا؟ هل يذكر رئيس الوزراء هذا كله؟ نعم رئيس الوزراء يذكره حقَّ الذكر ويعلمه حقَّ العلم، ويُقَدِّره حق القدر، ولكنه مع ذلك لا يستطيع أنْ يقدم عليه؛ لأَنَّه رَجُلٌ طيب حقًّا وصدقًا؛ ولأن وزَارَته ضعيفة حقًّا وصدقًا؛ ولأنَّ هذا العهد الذي نَحْنُ فيه ليس بالعهد الذي يُمكن أن يرد فيه على الدول مثل هذا الرد أو يلقى فيه إلى الدول مثل هذا الجواب، وإذا كان رئيس الوزراء لم يستطع أنْ يلقى احتجاج الوزير الفرنسي المفوض إلا بالابتسام والكلام الرقيق الرفيق، فكيف تُريده على أنْ يلغي المحاكم المُختلطة إلغاءً؟

ليس للمصريين إذن إلا أن يصبروا ويحتملوا؛ فمن يدري لعل الله أنْ يُتيح لهم وزارة تعرف كيف تحفظ كرامتهم، وترعى حرمتهم، وتقول للوزراء المفوضين إن الحكومة المصرية ورئيس القضاء المصري ليسا في حاجة إلى التعليم والتأديب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.