قرأت في يومياتك الأخيرة حديثًا عن سومر ست موم ورأيك فيه … وعندما أراد فيفر — وهو صديقه منذ سنوات — أن يترجم له وافقك الرأي في نظرتك إلى بعض مؤلفاته، ولم تمنعه صداقته له أن يلتزم العرض على الوجه المعقول، ولم تكن ترجمته له حشدًا لعبارات الملق والنفاق، بل كانت تقديرًا سليمًا، ونقدًا نزيهًا …

وقد أثار هذا الحديث في نفسي خاطرًا قديمًا طالما تمنيت أن يتحقق؛ فأنت ممن زاملوا المرحوم المازني طوال حياته، وعلاقتكما وصداقتكما واشتراككما في كثير من المعارك الأدبية ممَّا سجله تاريخ الأدب الحديث … ولا أعتقد أن أحدًا قد درس المازني أو قدَّره حق قدره مثلك. فهل لنا أن نطمع في أن تكتب لنا عنه؟ وهل نطمع في كتاب يصدر لك عن المازني الأديب الساخر، والمازني الروائي الصادق، والمازني الشاعر الملهم، والمازني الناقد البصير، والمازني المؤرخ الحصيف؟ هل لنا في دراسة من الدراسات الممتعة عنه؟ … وهل للمازني مَن يُنصفه سواك؟ …

أحمد السيد عوضين، شارع الكركي، روض الفرج

هذه هي الرسالة الرابعة التي أتلقاها في هذا الموضوع خلال الأسابيع الأخيرة، وتزيدني كل رسالة منها طمأنينة إلى مروءة العالم القارئ عندنا، أو على مروءة عند فريق من قرائنا — على الأقل — تبعث الطمأنينة إلى أخلاقنا الثقافية، وشعورنا بواجب الوفاء لمن يستحقون الذكرى من أدبائنا الراحلين.

وسأعود إلى هذه الرسائل مرة أخرى في موعد قريب، ولكنني أحب أن يذكر الذاكرون كل ما ينبغي أن يذكروه في هذا المقام، وأوله أن الكاتب لا يحتاج إلى مَن يُذكِّره بحقه على نفسه، أو بحق أدبه عليه، وما من صفحة أكتبها عن المازني إلا وهي في جملتها صفحة أكتبها عن نفسي، وعن عملي، وعن أملي في الحياة الأدبية، فإن لم تكن وفاءً لصديق، فهي وفاءٌ للنفس، ووفاءٌ للرسالة التي جمعنا بين معناها ومعنى الحياة.

وستكون آثار المازني بين أيدي القراء — فيما نرجو — بعد أمد قصير، وهي أحرى بالتقديم والاهتمام؛ ليشترك في تقديرها جمهرة القراء الذين شبُّوا في هذه السنوات ولم يطَّلعوا على كثير من هذه الآثار التي نفدت قبل وفاته بسنوات عدة، ولعلها تتخطى عقباتها التي لا يسلم منها تراث أدبي قديم أو حديث، فإنها أحرى أن تدرك طلاب الأدب المازني ولم يطل عليهم أمد الانتظار.

آل وأل … وسلقط وملقط

… أرجو التكرم بإفادتنا في يومياتكم عن الآتي:

(١) ما سبب تقديم التعريف في أسماء أبناء الكويت: كاسم السالم واسم الصباح؟

(٢) ما معنى قولهم في اللهجة العامية: دوَّرت عليه في سلقط وملقط ملقتوش؟

الطالب: يحيى محمد أبو الفتوح توفيق

إن الألف واللام التي تسبق أسماء الرؤساء وشيوخ الأسر في الكويت ليست للتعريف، ولكنها من كلمة «آل» أو الأهل، ومعناها آل الصباح، وهم أسرةٌ عريقةٌ معروفة بتاريخها منذ مئات السنين، ينتسب إليها كبار هذا البيت، ولا ينفرد بها واحد منهم، ولكنها تلحق بأسمائهم الأولى، وقد يكون أحدهم رأسًا لبيت متفرع من البيت القديم، فيذكر اسمه مسبوقًا بكلمة «الآل» على هذا المعنى.

ولعراقة هذا البيت في التاريخ العربي انتسب إليه حسن بن الصباح، زعيم الباطنية المشهور، ولكنه نسبٌ غير محقق أو غير مصحح في محفوظات الأسرة، على ما علمنا من رواية بعض المؤرخين.

أما معنى الكلمتين: سلقط وملقط في اللهجة العامية، فقد نستوضحه من الرجوع إلى قواعد المزيد في اللغة العربية الفصحى، ثم إلى قواعده المحْكيَّة في اللهجة العامية.

واللام كما هو معلوم من حروف الزيادة في اللغة الفصحى، تأتي في الغالب للدلالة على المبالغة في قوة الفعل على سبيل التهويل أو الاستهزاء، ومن ذلك على وزن سلقط كلمات «زحلف، وصلدم، وهلفت، وبلقع» من: زحف، وصد، وهفت، وبقع، وأمثالها في اللهجة العامية أكثر مما ورد على هذا الوزن في اللغة الفصحى، نذكر منها: «سلطح، وشلفط، وهلضم، وخلبص، وشلبك، وكلفت، وفلطح، وفلعص، وكلضم إلخ … إلخ»، من الأفعال الثلاثية: سطح، وشفط، وهضم، وخبص، وشبك، وكفت، وفطح، وفعص. وهي بمعانيها في أحاديث العامة قابلة لهذه الزيادة.

ومعنى «سلقط» على هذا الاعتبار «سقط» بزيادة اللام، وقولهم: «بحثت عنه في سلقط وملقط» معناه أنهم بحثوا عنه حيث يسقط وحيث يلتقط، أي في كل مكان يُبحث فيه عن ذلك الشيء المفقود، وتأتي «ملقط» بعد «سلقط» على سبيل الإتباع كما يحدث في اللغة الفصحى؛ لأن اللام أصلية فيها وليست مزيدة على بنية الفعل «لقط» كما هو ظاهر.

ولا يفوتنا في سياق البحث عن قواعد اللهجة العامية أن نلاحظ مما تقدم، كما نلاحظ من مباحث شتى في تصريفات هذه اللهجة، أن اللغة العربية على ألسنة العامة قد توضع لها آجرومية منتظمة، ولا بدَّ أن توضع لها هذه الآجرومية إذا شاع استخدامها في لغة الكتابة، ووجب تعليمها للأطفال كما يتعلمون اليوم لغة الكتابة الفصحى.

وكذلك حدث عند نقل الكتابة من اللغة اللاتينية إلى لغات الفرنسيين والإيطاليين والإسبان الأصلاء؛ فإن هذه اللغات التي كانت من قبيل العامية عندنا قد أصبحت قواعدها اليوم أكثر وأعقد وأصعب تعلُّمًا من اللغة اللاتينية الأولى، وأصبح أطفال العصور المتأخرة يتعلمون قواعد الآجرومية في كل لغة من هذه اللغات، ويستسهلون دراسة الآجرومية اللاتينية بالقياس إليها.

وينبغي أن يذكر هذا من يقومون اليوم ويقعدون بالدعوة إلى تعميم الكتابة باللهجة العامية، إعفاءً للطفل — كما يقولون — من مشقة العلم بتفصيلات القواعد النحوية والصرفية؛ فإن القواعد النحوية والصرفية سوف تأتي لا محالة مع شيوع اللهجة العامية في كتابة كل بلد عربي يستخدمها اليوم في مخاطباته، ولكننا نخسر بذلك كثيرًا ولا نكسب شيئًا؛ لأننا سنضطر إلى تعليم عشرين لهجة عامية بين البلدان العربية وبين لهجات الأقاليم المختلفة في البلد الواحد، ثم نضطر إلى هدم لغة عريقة بلغت غاية الإتقان والبلاغة لنخلفها بلغات ساذجة لا مطمع لها في مثل هذا الإتقان، ولا في مثل هذه البلاغة بعد مئات السنين.

وهذا فضلًا عن ضياع التراث النفيس من مأثورات العربية الفصحى في عشرات القرون، وفضلًا عن ضرورة العلم معها بقواعد اللغة التي تنزَّل بها القرآن، ما دامت قراءة القرآن فريضةً مرعيةً في بلاد المسلمين، وما دام القرآن كتابًا يدرس لبلاغته ولتاريخه وعلاقته بعلوم اللغات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.