ليس على الأمن ولا على النظام خطر قليل أو كثير، من أن يزور زعماء مصريون مدنًا مصرية مهما تكن، إذا عرفت الشرطة والمشرفون على أمرها كيف تلزم الحيدة التامة، فلا تعرض للناس بالشر، ولا تمسهم بالأذى، ولا تصادر حقهم الطبيعي المقدس، في أن يمشوا على أرضهم أحرارًا، ويتنفسوا في جوهم أحرارًا، ويلقى بعضهم بعضًا أحرارًا. وآية ذلك أن رئيس الوفد قد زار بنها منذ أسابيع، وزارها في فرصة دقيقة أشد الدقة، حرجة أشد الحرج، تمتلئ فيها النفوس بالظنون المختلفة وتنطلق فيها الألسنة بالأحاديث المتباينة، وتحتشد فيها الجماعات من المدن والقرى القريبة والبعيدة، واستخفَتِ الشرطة في ذلك اليوم فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم يُكْلَمْ أحد من الناس كلْمًا، وعاد رئيس الوفد من زيارته لا بأس عليه، ولا بأس على أحد من الناس.

فالشر إذن لا يأتي من الزعماء للأقاليم، ولا من تنقل الزعماء بين المدن والقرى؛ وإنما يأتي من تحكم الإدارة في الناس، وتسلطها عليهم، وأخذها إياهم بما لا ينبغي أن تأخذهم به من ألوان الشدة والعنف، ومن فنون القسوة والطغيان.

من الذي يبيح للإدارة أن تأمر المصريين بأن يسعوا على قطعة من أرض مصر دون قطعة أخرى، وبأن يسلكوا طريقًا من طرق مصر، دون طريق أخرى، ولم يتبين أن هناك خطرًا محققًا أو مرجحًا من أن تترك الحرية للمصريين يسعون على الأرض المصرية كما يشاءون، يسلكون من الطرق المصرية ما يشاءون؟ من الذي يبيح للإدارة أن تقسم مدينة مصرية إلى قسمين، وأن تفصل بين هذين القسمين فصلًا؟ وتحظر على الناس أن ينتقلوا من أحدهما إلى الآخر إلا بإذن خاص منها، تمنحه حينًا وتمنعه أحيانًا؟ لقد تحدثت الصحف، والصحف الموالية للوزارة خاصة، بأن الإدارة في بورسعيد منعت الانتقال من حي العرب إلى حي الفرنج إلا بإذن، وأعطت الموظفين الذين يقيمون في حي العرب ويعملون في حي الإفرنج جوازات خاصة ينتقلون بها من حي إلى حي، ويجوزون بها هذه النطاقات العسكرية التي أقامتها الشرطة بأمر الإدارة في بورسعيد.

ففيمَ هذا كله؟ ولم هذا كله؟ ومن الذي زعم للإدارة وللوزارة أن أحد القسمين في بورسعيد قد أعلن الحرب على القسم الآخر؟! وأنها مكلفة أن تحول دون وقوع هذه الحرب، وأن تحمي المصريين من المصريين، أو أن تحمي الأجانب من المصريين؟! منِ الذي أباح لرئيس من رؤساء الشرطة أن يضرب ذلك الرجل الذي كان يسوق سيارة رئيس الوفد؛ لأنه خالف عن أمر الإدارة وسلك طريقًا غير الطريق التي رسمت له؟ ومتى كان من حق الشرطة أن تعاقب الناس وأن تعاقبهم بالضرب؟! وإذا أبيح للشرطة أن تعاقب الناس؛ لأنهم خالفوا عن أمرها، وأن تستبيح أجسامهم للعصي والسياط، ففيمَ النيابة وفيمَ القضاء؟! ومع ذلك فصحف الوزارة نفسها هي التي تنبئنا بأن رئيسًا من رؤساء الشرطة قد ضرب هذا السائق أمس، ولم يضربه وهو يخالف الأمر ليرده إلى الطاعة وإنما ضربه بعد أن تمت هذه المخالفة؛ ضربه عقوبة له، وليس من حقه أن يعاقبه وإنما حقه أن يخاصمه إلى القضاء.

والمصريون ليسوا قطعانًا، وليسوا أرقاء، وهم لا يرضون أن يعاملوا على أنهم قطعان أو أرقاء، وهم لا يرضون أن تتحكم فيهم الإدارة على هذا النحو وأن تبيح لهم بعض الأرض، وتحظر عليهم بعضها، وأن تبيح لهم بعض الجو، وتحظر عليهم بعضه، وأن تعاقبهم بالضرب في غير محاكمة. ليس المصريون قطعانًا ولا أرقاء، ولكنهم ناس أحرار قد ضمن لهم الدستور حريتهم، فمن الطبيعي ومن المعقول ومن الحق لهم، أن يشمئزوا من الضيم، ويمتعضوا من الذل، ويأنفوا من أن يكونوا قطعانًا أو عبيدًا يؤخذون بالعصي والسياط؛ فيزدادوا حبًّا في زعمائهم الذين يمهدون لهم طرق الكرامة والعزة، ويزدادوا إعراضًا عمن يأخذونهم بالمهانة والمذلة.

إن من المؤلم أن تحدث الحوادث التي تفسد لها الصلات بين الشرطة والناس، ولكن تبعة هذه الحوادث يجب أن ينهض بثقلها أولئك الذين يغرون الشرطة بالناس، ويسلطونها عليهم، ويتحكمون فيما ليس لهم أن يتحكموا فيه. متى يعلم الحكام أن الله لم يأذن لهم، وأن القانون لم يأذن لهم في أن يفهموا الحكم على هذا النحو الذي يفهمون. فالحكم في هذه الأيام خدمة للشعب لا تحكم فيه، ولا استطالة عليه، وهو خدمة للشعب كله لا تفريق فيه بين غني وفقير، ولا بين صغير وكبير، ولا بين ممتاز وسوقة؛ لأن القانون لا يعرف إلا شيئًا واحدًا وهو أن المصريين جميعًا سواء، وأن الفروق بينهم قد ألغيت منذ عهد بعيد أمام السياسة وأمام الإدارة وأمام القضاء، فالذين يفرقون بين الأغنياء والفقراء آثمون في حق القانون، والذين يفرقون بين الممتازين ومن يسمونهم الرعاع أو الغوغاء آثمون في حق القانون، فنفس المصري مهما يكن محترمة وجسم المصري مهما يكن محترم؛ لأنه مصري وكفى. وإذن، فما ينبغي للإدارة أن تصد مصريًّا مهما يكن عن أي عمل مشروع، أو عن أي استمتاع مباح لحقه الطبيعي في حريته التي يقدسها الدستور. إن الذين يؤيدون الوزارة القائمة ويذودون عنها يسيئون إليها وإلى أنفسهم وإلى أمتهم، وإلى سمعة بلادهم، حين يذكرون الرعاع والغوغاء، وحين يذكرون الصبيان والبائسين في هذا الازدراء الآثم؛ فكل هؤلاء مصريون لهم نفس حقوق الوزراء. والوزراء لم يتولَّوا الحكم ليخدموا فريقًا من المصريين دون فريق، وإنما تولَّوه ليخدموا المصريين جميعًا، وفيهم هؤلاء الذين يسمونهم الرعاع والغوغاء. وآية ذلك أن هؤلاء الرعاع والغوغاء، يستمتعون بالحقوق السياسية التي يستمتع بها الوزراء أنفسهم، والقانون يعصم دماءهم، ويرعى كرامتهم وحقوقهم، كما يعصم دماء الوزراء، وكما يرعى كرامتهم وحقوقهم. وإنه لمن الخزي حقًّا أن يفرق المصريون بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، فيما يجب لهم من حماية الحقوق وحفظ الكرامات ورعاية الحرمات في بلد يزعم أنه ديمقراطي، وفي عصر يقال: إنه عصر الحرية واحترام حقوق الإنسان.

إذا كان لخصوم الوزارة القائمة أن يفخروا بشيء فهو أنهم أصدقاء المصريين جميعًا، والذائدون عن حقوق المصريين جميعًا، يرعون فقراءهم قبل أغنيائهم؛ لأنهم أحق بالرعاية، ويحمون ضعفاءهم قبل أقويائهم؛ لأنهم أجدر بالحماية. فالذين يعيبون رئيس الوفد؛ لأنه زار حي العرب وفيه من يسمونهم بالرعاع والغوغاء خليقون بأن يعيبوا أنفسهم بهذا الخزي الذي يتورطون فيه.

أما بعد، فقد نحب أن ننصح للوزارة القائمة للمرة الأولى أو الثانية بعد الألف أو الألفين أو الآلاف بأن تفهم الحكم على وجهه، وأن تخلي بين المصريين وأرض مصر وأهل مصر. وألا تتحكم ولا تستطيل، وألا تظن أن الشرطة ملك لها فليس حقها على الشرطة بأعظم من حق الوفد. ونؤكد للوزارة القائمة أنها إن فهمت الحكم على وجهه وأدت الواجب كما ينبغي أن يؤدى؛ فلا بأس على الأمن، ولا خوف على النظام، ولا اصطدام بين الناس والشرطة. ولكن الوزارة تخاف من زيارة الوفد للأقاليم، فهي تأبى إلا أن تمنعها، فإذا لم تستطع منعها فهي تأبى إلا أن تفسدها بهذا التحكم الذي يثير الضغائن وينفر النفوس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.