تطالعنا ظاهرة يغتبط لها الذين يريدون الوقوف بدقة على تاريخ مصر الحديث؛ فالصحف تنشر مذكرات وذكريات للذين شاركوا في حوادث السنين الأخيرة، بعد الثورة وقبلها، كما تنشر ذكريات لمن وقفوا على أنباء هذه الحوادث وإن لم يشتركوا فيها. ومن الخير أن تكثر هذه المذكرات والذكريات حتى يكمل بعضها بعضًا، ويصحح بعضها بعضًا، ويستطيع قارئ اليوم ومؤلف الغد أن يهتدي إلى الحقيقة كاملة من خلال ما يقرأ.

ومع أنني نشرت جزأين من مذكراتي في السياسة المصرية، فإنني أغتبط دائمًا حين أقرأ جديدًا في هذا الشأن؛ لأنه يعاونني على تحقيق ما لم أكن متحققًا منه، ويُوقفني على ما لم أكن وقفت عليه.

من ذلك قصة استقالة المغفور له إسماعيل صدقي (باشا) في سبتمبر سنة ١٩٤٦، وتكليف الملك السابق خاله شريف صبري (باشا) بتأليف وزارة ائتلافية، وعدم نجاح هذا التأليف وسحب صدقي (باشا) استقالته وبقائه في الحكم إلى أن فشلت الوزارة في إقناع الرأي العام بمشروع صدقي-بيفن.

والواقع أن هذه القصة تثير أمام ذاكرتي مسألة لم أصل بعد إلى التثبت من رأي فيها؛ فماذا كان موقف فاروق من مفاوضات صدقي وهيئة المفاوضة التي كانت تعاونه؟ أفكان فاروق مؤيدًا هذه المفاوضات حريصًا على نجاحها أم كان على العكس من ذلك يتمنى لها الفشل؟!

وإني لأذكر يومًا كنت فيه إذ ذاك بمصيفي ببور فؤاد إذ دقَّ التليفون قبل الساعة السادسة صباحًا وقيل لي: إن الإسكندرية تطلبني، وخاطبني صدقي (باشا) وطلب إليَّ أن ألقاه صبح ذلك اليوم بالإسكندرية. وكانت هيئة المفاوضة ستنعقد في مسائه. وأقلتني الطائرة من بورسعيد إلى الإسكندرية، فبلغتها قبيل الظهر وقابلت صدقي (باشا) ببولكلي، فأخبرني أن عبد الفتاح عمرو (باشا) سفير مصر في لندن وصل إلى مصر أمس يحمل عرضًا بشأن السودان من جانب الحكومة البريطانية، وأن الملك وصدقي (باشا) مستريحان لهذا العرض، وطلب إليَّ أن أؤيده في هيئة المفاوضة.

فلما اجتمعت الهيئة بعد الظهر ألفيتُ أكثر أعضائها اتصالًا بالملك عائليًّا أو شخصيًّا، وفي مقدمتهم خاله شريف صبري (باشا) يعارضون ما طلب رئيس الوزراء أن أؤيده، ويعارضونه بعنف وشدة، ودهشت لهذا الموقف. وصادف يومئذ أن دعا وزير الخارجية وزراء خارجية الدول العربية إلى طعام الإفطار لأننا كنا في رمضان، فتأجلت جلسة المفاوضة إلى الغد، وكانت مأدبة الإفطار في فندق (الميديترانيه)، وبعد المأدبة نزلت أتناول القهوة في (الرومانس)، وهناك صادفني حسن (بك) يوسف، رئيس الديوان الملكي بالنيابة، فقلت له: أريد أن أفهم منك كيف يُعارض أقرب الناس إلى الملك ما طُلب إليَّ تأييده باسم الملك؟ فهل لهذا دلالة خاصة؟ وأجابني حسن (بك): سترى غدًا أن سري (باشا) سيُغير موقفه.

وفي الغد بدأ سري (باشا) يُظهر شيئًا من التردد بشأن موقفه بالأمس، لكنه سرعان ما عاد فانضم إلى أصحابه في معارضتهم كما كان، واستمرت هذه المعارضة من بعدُ إلى أن حُلَّت هيئة المفاوضة، ثم استقالت وزارة صدقي (باشا) بصفة نهائية.

وأنا إلى اليوم لا أفهم أكان الملك السابق مؤيدًا مفاوضات صدقي بإخلاص، أم كان يؤيدها ظاهرًا ويتمنى فشلها، وقد تحدثت في ذلك غير مرة إلى مَن حسبتُ أنهم يعلمون، فلم يخرجني أحد منهم من حيرتي.

***

أما استقالة صدقي (باشا) في سبتمبر وتكليف شريف صبري بتأليف الوزارة وعدم نجاح هذا التأليف، فتلك قصة طريفة؛ فقد نشرت الصحف أن صدقي (باشا) قدم استقالته، ودعيت لمقابلة الملك بالإسكندرية، فأخبرني أنه كلف شريفًا بتأليف وزارة ائتلافية، وطلب إلي أن أقابله لنتفاهم على هذا التأليف — وكنتُ قد سمعتُ أن الوفد يشترط للاشتراك في الوزارة أن يحلَّ مجلس النواب القائم — وفي المساء قابلت أنا والنقراشي (باشا) شريف (باشا) بمنزل سري (باشا) برمل الإسكندرية، فلما بدأنا نتداول الرأي في تأليف الوزارة سألت: وهل لكم رأي معين في أمر مجلس النواب القائم؟ قال: إن هذه الوزارة تتألف لاستئناف المفاوضات التي توشك أن تنقطع، والبرلمان الآن في عطلته، فإذا آنسنا أن المفاوضات موشكة أن تنجح حللنا مجلس النواب وأجرينا انتخابات جديدة! قلت: أنا أفهم أن يحل مجلس النواب بعد توقيع اتفاقية بين مصر وإنجلترا ليكون إجراء الانتخابات بمثابة استفتاء للشعب في هذه الاتفاقية، أما أن يحل البرلمان لأن المفاوضات موشكة أن تنجح؛ فذلك ما لا أفهمه! فكلنا نذكر مفاوضات النحاس (باشا) سنة ١٩٣٠، وأن البرقيات من لندن أذاعت أن الفريقين المصري والبريطاني انتهيا إلى اتفاق سيوقعانه منتصف الليل في بهو في وزارة الخارجية وصفته تلك البرقيات وصفًا دقيقًا، وقبل منتصف الليل جاءت برقيات أخرى تعلن أن المفاوضات قطعت، فالكلام عن وشك نجاح المفاوضات لا يسلم به منطق الواقع، ولا يجوز معه أن يحل مجلس النواب قبل أن يتم توقيع الاتفاق بالفعل.

ومن طرائف هذه المناسبة أن شريف (باشا) عرض أن يكون النقراشي (باشا) وسعدي معه، وأن أكون أنا ودستوري معي، وأن يكون ثلاثة من الوفديين أعضاء في الوزارة، قلت: ولماذا يكون للوفد ثلاثة أعضاء وللأحزاب الأخرى عضوان؟ وأجاب شريف (باشا): لأن رئيس الوفد لا يشترك في الوزارة، قلت: إذا كان رئيس الحزب يصرف بعضوين، فأنا أتنازل عن عضوية الوزارة ليعين ثلاثة من الدستوريين فيها، وأحسب النقراشي (باشا) يوافق على هذا الرأي في أمر حزبه. وابتسمنا جميعًا ولم ينجح تأليف الوزارة ولم يحل مجلس النواب إلا في أواخر سنة ١٩٤٩.

وفي صبح الغد التقيت مع رئيس الديوان بالنيابة وعرف مني ما دار في المساء، فابتسم مغتبطًا وقال: هذا حسن، وكنا نفضل أن يجيء الرفض من جانب الوفد حتى لا يقال: إن القصر لم يكن جادًّا حين عهد الملك إلى شريف (باشا) بتأليف الوزارة. وأشهد لقد أدهشتني هذه العبارة؛ فأنا لا أعرف المداورة، ولم أكن أحسب أن يكلف الملك خاله بتأليف الوزارة، وأن تكون هذه مناورة لغرض لعل الواقفين على بواطن الأمور يكشفون عنه.

***

أما وأنا أعرض بعض الذكريات فيجمل بي أن أكمل قصة عرف الناس بعضها وأظنهم ابتسموا لها، تلك قصة فوطة عبد المجيد إبراهيم صالح (باشا)؛ فقد دعي عبد المجيد (باشا) مع زملائه الوزراء في وزارة النقراشي باشا لتناول الغداء على المائدة «الملكية» بقصر القبة — وكان وزير الأشغال متعودًا حين يتناول الطعام أن لا يكتفي بوضع الفوطة على ركبتيه، بل كان يضعها على صدره ويرشقها في ياقته — وأبدى له الملك ملاحظته ليضع الفوطة على ركبتيه كسائر إخوانه، فلما لم يفعل أسرَّ فاروق إلى «السفرجي» فدار حول المائدة حتى إذا كان عند وزير الأشغال نزع الفوطة ووضعها على ركبتيه، وعند ذلك أمر الملك المصور فأخذ صورة المائدة ومن يأكلون عليها. إلى هنا ينتهي ما عرف الناس من قصة هذه الفوطة، والواقع أن لها بقية، وبقيتها أن عبد المجيد (باشا) لم يلبث حين رأى «السفرجي» عاد إلى مكانه وراء الملك — وكانت الصورة قد أخذت — أن أعاد فوطته إلى مكانها من صدره، وعجب الملك لتصرف وزيره، ولكنه لم يقل شيئًا، وأكبر الظن أن الملك غضب لهذا التصرف؛ لأن الوزير اضطر بعد زمن إلى ترك الوزارة.

***

أردت بإتمام قصة (الفوطة) أن يفطن القراء إلى أننا حين نكتب مذكراتنا وذكرياتنا لا نكتبها كاملة في بعض الأحيان، وأن ذلك يوجب على من يعرف موضوع هذه الذكريات المبتسرة أن يمحصها ويتمها؛ حتى لا يقع المؤرخ من بعدُ في خطأ يجره إليه تفصيل في نقطة ثانوية قد يترتب عليها أمر جوهري من بعدُ، وبخاصة إذا جاء المؤلف بعد عشرات من السنين وحاول أن يكتب التاريخ كاملًا.

قلت في أول هذا الحديث: إنني لم أعرف، وما أزال لا أعرف موقف الملك السابق من مفاوضات سنة ١٩٤٦، وهل كان حريصًا على نجاحها أو فشلها، وقد استندت إلى موقف من لهم علاقة بالملك من هذه المفاوضات حين عارضوا حق السودان في تقرير مصيره. وقد يظن بعضهم أن موقف هؤلاء المعارضين لا يدل على شيء بالنسبة لاتجاه فاروق من المفاوضات كلها، وقد يحسب آخرون أن هؤلاء المعارضين قد كانوا متأثرين بهذا الاتجاه. فأي الرأيين الصحيح؟ وعلى أيهما يعتمد المؤرخ في كتابة التاريخ؟

على أية حال، هي ظاهرة طيبة تلك التي تدفع أصحاب الذكريات لتدوين ذكرياتهم حتى يقف مَن أراد عليها، ويكوِّن رأيًا صحيحًا حين يقارن ما يكتب منها، والمؤرخُ يستطيع هو الآخر أن يكون أدق تأريخًا لهذا الزمان الذي نعيش فيه إذا تعددت أمامه الذكريات والمذكرات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.