لا أظن أنني عرفت يحيى حقي قبل قراءة «قنديل أم هاشم»، وكانت قراءتي لها اكتشافات لعالم حَيٍّ من الفن والجمال، كما كانت اكتشافًا لعملاق من عمالقة الأدب، وفي الحال أضفته إلى مَجْمَعِ الخالدين الذي كنت من تلاميذه ومريديه، الذي تَكَوَّنَ من طه حسين، والعقاد، والمازني، وهيكل، وتوفيق الحكيم. شد ما أمتعني قنديل أم هاشم بأسلوبه، ورؤيته، وأنغامه، ورحت أسأل عن مؤلفه، فأعلم أنه من رجال السلك السياسي، وأنه يعمل خارج القُطر، وعلمت في الوقت نفسه أنه كان أحد أركان مدرسة القصة القصيرة المصرية التي قدمت تجارِبها قبل ذلك بأعوام، وكان من رجالها محمود تيمور، وحسين فوزي … وللأسف الشديد، إنني لم أكُن بدأت قراءتي الأدبية حين كانوا يكتُبون، فعندما بدأت كانوا قد كَفُّوا عن كتابتهم وتفرَّقوا في مختلف الأعمال، فلم أعرف منهم إلا محمود تيمور الذي لم ينقطع عن الإبداع طيلة حياته، ولم تشغله عنه الشواغل.

وأصبح فرضًا عليَّ أن أقرأ جميع ما يكتبه يحيى حقي في المجلات والصحف والكتب أزداد به معرفة وتذوقًا، وأنبهر بسحره الخاص وعبيره الأنيق، وكنا نعتبره مُقِلًّا بلا اختلاف على قيمته، ولكن إذا وضعنا في الميزان مقالاتِه فعلينا أن نعتبره في مقدمة الكُتَّاب غزارةً أيضًا، والحق أنه كان مدرسة في القصة القصيرة، تشهد له إنجازاته بالتفوُّق والعمق واللمسات العبقرية، كما تشهد مقالاته بثقافته الواسعة، ونظراته النقدية النافذة، فضلًا عن ذلك الأسلوب الفريد في وضوحه ودقته وجماله.

وتشاء الظروف أن يعمل يحيى حقي في مصر، وأن يُختار مديرًا لمصلحة الفنون، وأن يقع الاختيار على الأستاذ المرحوم علي أحمد باكثير وأنا للعمل معه. هكذا أتمَّ الزمان دورته، ووجدت نفسي في مصلحة واحدة، وتحت رئاسة الرجل الذي طال شوقي إلى لقائه وسؤالي عنه.

ومنذ ذلك الوقت نشأت بيننا عَلاقة صداقة حميمة ومَوَدَّة عظيمة، وعرَفت الإنسان بعد أن بهرني الفنان، واتصل بيننا الحوار يومًا بعد يوم، فعرفنا ما نتفق فيه وما نختلف، وكنا في جميع الأحوال مثالًا للموضوعية والنزاهة الفكرية، ولم يكن مفر من أن أعرف مع الفنان والإنسان ذلك الساخر، ذا الدعابة الجادة، وصاحب الرُّوح الفكهة، والنكتة البارعة، والتعليقات التي لا تُنْسَى … فليتغمَّدْك الله برحمته أيها الفنان المبدع والإنسان الكريم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.