السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، إن الأستاذ مصطفى صادق الرافعي — رحمه الله — يقول في الطبعة الثانية من كتابه «إعجاز القرآن»، في هامش ص١٣٢، تعليقًا على الآية القرآنية: () (المؤمنون: ١٢): فجاءت العبارة في الآية الكريمة كأنها سلالة من عِلْمٍ تتسع لمذهب القائلين بالنشوء، ولمذهب القائلين بالخلق، ولمذهب القائلين بانتقال الحياة إلى هذه الأرض في سلالة من عالم آخر …» فإن كانت نظرية «دارون» صحيحة؛ فإني أريد أن أعرف رأيكم في الكيفية التي يقبل بها القرآن الكريم أن يكون الإنسان من سلالة القردة، وأرجو أن أقرأ ردَّكم على صفحات الرسالة الغَرَّاء. ولكم جزيل شكري والسلام.

المخلص

والذي نلاحظه أولًا أن رواية مذهب دارون على هذا الوجه غير صحيحة؛ فإن دارون لا يقول بتسلسل الإنسان من القرد، ولا يلزم من مذهبه أن يكون كل إنسان منحدرًا من القردة في أصله القديم، وكل ما يلزم من مذهبه أن الإنسانَ والقِرَدَةَ العُليا تلتقي في جذرٍ واحدٍ، وأن بين الإنسان والقِرَدَةِ العُليا حلقةٌ مفقودةٌ لم تُوجد إلى الآن.

أمَّا الآية القرآنية فهي لا تُثبت المذهب ولا تنفيه، ومن الخطأ البيِّن في اعتقادنا أن نجعل تفسير القرآن تابعًا للنظريات العلمية التي تَنْقُض اليوم ما تُثبته بالأمس، والتي يجري عليها الجدلُ بين المدارس العلمية أو الفلسفية على أُسس شتَّى لم يتفق عليها العلماء.

ومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه بعضُ المجتهدين المحدثين في التوفيق بين القرآن الكريم ومبادئ مذهب النشوء والارتقاء، فالنُّشوئيون يقولون بتنازع البقاء، وهو مطابق للآية القرآنية: () (البقرة: ٢٥١)، ويقولون ببقاءِ الأصلح، وهو مطابق للآية القرآنية: () (الرعد: ١٧).

ومن المشاهدات التي سَجَّلها النُّشُوئيون ما هو صحيح لا ريب فيه، ولكن المذهب يشتمل على نتائج وتخريجات كما يشتمل على مبادئ ومشاهدات، وكل ما جاء فيه من قبيل النتائج والتخريجات فهو في حُكم الفروض التي تحتمل النقض والإثبات، ولا يصح أن نفسر القرآن الكريم وفقًا لها وهي لا تزال في طور التدليل والترجيح.

والنظرية السديمية مَثلٌ آخر من هذه الأمثلة في محاولات التوفيق بين القرآن الكريم والفروض العلمية، فمِن عُلماء الطبيعة — والفلك خاصة — مَن يرى أن المنظومات الفلكية نشأت كلها من السديم الملتهب، وأن هذا السديم تختلف فيه الحرارة فيتشقق، أو ينفصل بعضه عن بعض من أثر التمدد فيه، فتدور الأجرام الصغيرة من حول الأجرام الكبيرة، وتنشأ المنظومات الشمسية وما شابهها من هذا التشقق وهذا الدوران.

فإذا ببعض المجتهدين المعاصرين يعتبر هذا القول فصل الخطاب في نشأة الأجرام السماوية ويقول: إنه هو المقصود بالآية القرآنية: () (الأنبياء: ٣٠)، ولكن النظرية السديمية لم تنته بعدُ بين علماء الطبيعة إلى قرار مُتَّفق عليه، فهل كان الفضاء كله خُلوًّا من الحرارة، وكانت الحرارة الكونية كلها مركزة في السُّدُم وما إليها؟

ومن أين جاءت الحرارة للسدم دون غيرها من موجودات في هذا الفضاء؟ ألا يجوز أن يظهر في المستقبل مذهبٌ يرجع بالحرارة إلى الفضاء في حالة من حالاته؟ أليس خلو الفضاء من الحرارة — إن صحَّ هذا الخلو — عجبًا يحتاج إلى تفسير؟ أليس انحصار الحرارة في السدم دون غيرها أحوج من ذلك إلى التفسير؟

فالقول المأمون في تفسير الآية القرآنية أن السماوات والأرَضِين كانت رَتْقًا فانفتقتْ في زمنٍ مِن الأزمان. أما أن يكون المرجع في ذلك إلى النظرية السديمية، فهو المجازفة بالرأي في غير عِلمٍ، وفي غير حَيطةٍ، وبغير دليل.

وأظهر من هذا وذاك جدالهم القديم حول دوران الأرض وثبوتها، أو حول استدارة الأرض وتسطيحها؛ فقد تفلسف بعضهم في تفسير آي القرآن الكريم فجزم بكفر القائلين باستدارتها ودورانها، وجعل القول بثبوتها وتسطيحها حكمًا قاطعًا من أحكام الدين. فما قول هؤلاء الآن وقد أصبحت استدارة الأرض مشاهدة من مشاهدات العيان؟ وما قولهم وقد أصبح دورانها مسألة من مسائل الحساب الذي يُحصي كل حركة لها كما تُحصى حركات كل قطار؟

وهكذا يخطئون في النفي كما يخطئون في الإثبات كلما علَّقوا آيات القرآن بهذه النظريات العلمية أو الفروض الفلسفية التي تختلف الأقوال فيها باختلاف الأزمنة أو اختلاف الأفكار.

وقد تكون محاولات التوفيق مأمونة معقولة؛ كقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده — رحمه الله — في تفسير الطير الأبابيل بجراثيم الأمراض التي تسمى بالميكروبات.

فالميكروبات موجودة لا شك فيها، والإصابة بها محققة كذلك في مشاهدات مجربة لا تقبل الجدال. فإذا قال المفسر كما قال الأستاذ الإمام: إن هزيمة أصحاب الفيل ربما كانت من فعل هذه الجراثيم؛ فذلك قول مأمون على الجواز والترجيح، ولكنه غير مأمون على الجزم والتوكيد؛ لأن الحفريات التاريخية قد تكشف لنا غدًا عن حجارة من سجيل أصيب بها أصحاب الفيل فجعلتهم كعصف مأكول.

ومهما يكن من فروض العلماء في مختلف الأزمنة؛ فإن القرآن الكريم لا يطلب منه أن يتابع هذه الفروض كلما ظهر فيها فرض جديد، وكل ما يطلب منه أن يفتح باب البحث لمن يؤمنون به، فلا يصدهم عن طلب الحقيقة حيثما سنحت لها بادرة مرجوة. وقد توافر ذلك في آيات القرآن الكريم كما لم يتوافر قط في كتاب ديني تؤمن به الأمة، فليس أكثر من الحث فيه على التفكير والاعتبار وطلب الحقائق في آيات خلق الله في الأرض والسماء: () (آل عمران: ١٩٠–١٩١).

وحسب المسلم أن يعمل بما عَلَّمَه كِتَابُه في هذه الآية وما جرى مجراها ليعطي العِلم حقَّه، ويطلب الحقيقة من حيث يطلبها الفكر الإنساني في عجائب خلق الله بين الأرض والسماء.

أما مدلول الآية، كما أشار إليه الرافعي، فهو يتسع — كما قال — لجميع المذاهب في خلق الإنسان؛ وسواء قَطَعْنَا الصِّلةَ بين الإنسانِ وسائرِ الأحياء العُليا والدُّنيا أو ربطناها، فذلك لا ينفي أنه في أصله من سُلالةٍ من طين، وقد جاء في القرآن الكريم: () (الأنبياء: ٣٠). ولم يقل أحدٌ: إن خلق الأحياء جميعًا من الماء يمنع تسلسل الإنسان من مادة الطين، فإن الأصل لا ينعدم إذا خرجت منه الفروع على التسلسل والتدريج، أو خرجت منه دفعة واحدة بغير تسلسل ولا تدريج.

وحذار أن نقف في هذه المسألة كما وقف المجادلون من قبل في مسألة الأرض واستدارتها ودورانها؛ فإنهم يدَّعُون لأنفسهم ما لا يجوز لأحدٍ أن يدَّعِيه باسم العِلم أو باسم الدين. وفوق كلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.