ألف الناس أن يقولوا: الشباب ربيع الحياة، يريدون حياتنا الإنسانية ومقام الشباب منها، ولعلهم لا يأبون أن يقولوا: الربيع شباب الحياة، يريدون بذلك حياة الوجود، ومقام الربيع منها. فالربيع هو الشباب المتجدد للطبيعة المحيطة بنا، تلك الطبيعة التي لا تعرف الانحلال ولا الموت، وإن عرفت الهرم والمشيب ممثلين في الشتاء، وفي ثلوجه حيث تتساقط ثلوج الشتاء.

والناس يذكرون الشباب، ويذكرون الربيع، وعلى ثغورهم ابتسامة طمأنينة ورضى لا تفارقها، فإذا ذكروا الصيف وذكروا الكهولة، أو ذكروا الشتاء وذكروا الشيخوخة، فقلما تعرف الابتسامة سبيلها إلى شفاهم، فإذا عرفتها لم تدم إلا ما يدوم وميض البرق، ثم لم يشع منها أي معنى من معاني النعيم؛ ذلك لأن الربيع من أوله إلى آخره باسم وضاح الجبين، تكسو الأزاهير أرضه جمالًا وروعة، وتبعث من شذاها إلى هوائه أريجًا في عبقه الحياة والنعمة والمسرة، فأما الشتاء فمسراته مصطنعة في حياتنا، وحياة الطبيعة، وهي لاصطناعها قصيرة العمر قليلة البقاء.

والأدب فن جميل يصور الجمال في كل صوره ومظاهره؛ لذلك كان للربيع من الأثر فيه ما ليس لغيره من فصول السنة. وأنت تقرأ عن الشتاء وعن النعيم بالدفء إلى جوار النار شعرًا ونثرًا غير قليل في أدب البلاد التي تعرف الشتاء القارس، وبرده الزمهرير، تصطك الأسنان من لذعه. وأنت تقرأ عن الخريف، وعن الصيف شيئًا غير قليل في آداب شتى اللغات، لكن ما تقرأه عن الربيع يزيد على كل ما كتب أو يكتب عن سائر فصول السنة أضعافًا مضاعفة، ذلك بأن الربيع ليس فصل الجمال وكفى، بل هو فصل الحياة مجلوة في أبرع صور الحياة، وأكثرها نشاطًا وإثمارًا.

ولو أن الربيع لم يكن إلا فصل الزخرف في كل مظاهر الحياة كلها لكفاه ذلك ملهمًا للآداب ولسائر مظاهر الفن الجميل. قص علي صديق شاب كان يتلقى العلم بباريس، أنه ألف في الصيف وفي أوائل الخريف من أحد أعوام دراسته بمدينة النور أن يغشى محل شاي كانت تجلس فيه ابنة صاحبه تتولى حساباته، ولم يكن حظ الفتاة من الملاحة ليشد إليها البصر، وانتقل صديقي إلى حي آخر قضت دراسته أن ينتقل إليه أخريات الخريف وطيلة الشتاء، فلما أقبل الربيع فأذاب الثلوج عن هام الشجر، وأنبت في أغصانها السوداء براعم خضرًا وأكمامًا ما لبثت أن تفتحت عن أزهار ذات جمال وشذى، طاب له يومًا أن يتناول الشاي مع صاحب له في ذلك المحل الذي كان يغشاه من قبل، ولشد ما كانت دهشته حين رأى هذه الغادة التي ألف رؤيتها فلم تأخذه يومًا عن نفسه، وقد أشرقت نظراتها، وأشرق لونها، وصارت كأنها زهرة خرجت من أكمامها، وأقبلت عليه حين رأته تحييه وتسأله عن سبب انقطاعه كل هذه الشهور، وأجابها أنه انتقل إلى حي غير الحي، ثم لم يلبث أن أبدى لها إعجابه بذلك الإشراق الذي خلع عليها حلة من البهاء والجمال تثير في النفس الإعجاب بها، فابتسمت وقالت: إنه الربيع!

ولم يكن ما جاء به صاحبي من هذه الكتب والصور إلا قليلًا، فلو أنك أردت أن تنشئ مكتبة للربيع في أي لغة من اللغات، بل في مختلف اللغات لضاقت دونها الغرف، ولما ورد مما فيها بخاطر صاحبي إلا أقله.

ولك أن تسأل: أي اللغات أغنى في أدب الربيع؟ ولست أدري أي مصاف الثروة من هذه الناحية أضع في لغتنا العربية، ولعلي لا أكون مجدًّا إذا قلت إن كثيرًا من اللغات أغنى في أدب الربيع منها، وإن كان ما تحويه من هذا الأدب بارعًا وعظيمًا.

وليس تقدم بعض اللغات لغتنا في أدب الربيع راجعًا إلى علة في اللغة ذاتها، وإنما العلة في الوضع الجغرافي للبلاد التي تتكلم بالعربية، فكلها تقع في مناخ معتدل ينتقل الناس بسببه من فصل إلى الذي بعده على هون وفي طمأنينة، وتنتقل الطبيعة بسببه كذلك من فصل إلى الذي يليه دون ضجة صاخبة، ولا مظاهر شديدة الفتنة. ونحن ننتقل الآن بمصر من الشتاء إلى الربيع، وعما قريب سنرى الزهو يكسو الحدائق والأسوار، ويتجلى بهجة للناظرين، لكن ما يحدث اليوم، وما سيحدث عنه من هذا الانتقال لا عنف ولا ثورة فيه، بل هو انتقال مطمئن هادئ لا يهز الأعصاب، وإن لفت النظر، شأن هذا الانتقال الربيعي في مصر كمأدبة تقام في بيت أحد ذوي اليسار العريض قد ألف في حياته اليومية نعمة العيش الرغيد، قلما يلاحظ أحد في هذا البيت نشاطًا غير عادي، أو ضجة غير مألوفة، وأهل البيت أنفسهم وخدمهم وحشمهم لا يجدون يوم المأدبة يومًا غير عادي، ولا غير مألوف؛ لذلك لا نسمع في البيت ضجة، ولا نرى فيه جلبة، فإذا انتهت المأدبة، وانفض الجمع الذين دعوا إليها لم تثر اهتمامًا خاصًّا، ولم تترك مجالًا لأحاديث مستفيضة يصح لو دونت أن تكون أدبًا.

أما في البلاد الغنية بأدب الربيع فالأمر مختلف، مناخ هذه البلاد لا يعرف الاعتدال، بل ينتقل الناس فيه من فصل إلى فصل، وكأنما هم في مسرح أولع أصحابه بالمفاجآت غرامًا. وحسبك أن تقرأ اليوم أنباء فنلنده، وغيرها من بلاد الشمال لترى الثلوج المنهمرة تكسو الأرض، وتكسو الشجر، وتدع الحياة ملتفة في أكفان، بل في كفن واحد ممتد الأرجاء فوق البلاد كلها، فإذا آن للشتاء أن يولي ذابت هذه الثلوج، وبدا الشجر بجذوعه وفروعه أسود قاتمًا، وبدت الأرض وليس فيها من النبات المخضر ابتسامة أو أمل في ابتسامة. ولا يكاد الربيع يقبل حتى تهز ثورة الحياة هذا الوجود هزًّا عنيفًا، تربو الأرض، أو تنبت وتزهر، وتخضر فروع الشجر، ويكلل الزهر هاماته، وتصفو السماء، وتسطع الشمس، ويهبط على الناس الدفء، ويتجلى ذلك واضحًا صريحًا يزداد في كل يوم وضوحًا، وتزداد الثغور له ابتسامًا، وتهتز به الحياة في القلوب وفي الصدور، فإذا هو حديث الناس جميعًا، وإذا بك تسمع من كل جانب: ما أجمل هذا اليوم! ما أشد الشمس بهجة! يا لروعة الربيع! وإذا هذا الانقلاب عيد البائسين يخرجون فيه، ويطفرون، ويتغنون، ويسمرون، ويجعلون منه موضع حديثهم المتصل، أليس قد أتاح لهم الخروج من سجن الدور إلى فضاء الله الفسيح؟! أليس قد خلع على كل غانية ثوبًا من البهاء والجمال؟ أليس قد أجرى الجداول، وأنبت الحياة في كل ما كان ماء الحياة قد غاض منه، ثم يتغنى الشعراء، ويتغنى غيرهم بهذا البعث الذي يعاود الطبيعة في كل عام مرة؟ وكيف لا يلهم هذا البعث الكتاب والقصصيين، ورجال الفن جميعًا، ولهم في أشهر الربيع، وأوليات الصيف من أسباب المتاع ما لا يصرفهم عن التغني، وعن الحديث، عن الشعر وعن النثر، فإذا أقبل الخريف ينزع عن الشجر أوراقه، وأقبل الشتاء ببرده وثلجه كان الربيع قد ترك للأدب ثروة أي ثروة.

وليس قولنا إن غير العربية أكثر منها في أدب الربيع ثروة، ليعني أن العربية لم تعرف أدب الربيع، وإنما معناه أنها لم توجه إليه من العناية ما وجهته اللغات التي عنيت به، على أن من شعراء العربية، ومن كتابها من شادوا بذكر الربيع، وتحدثوا عنه حديث الأغنياء عن موائدهم الحافلة بألوان الرغد والنعمة، ثم إنهم إذ يتحدثون عنه لا يفردون له من الأدب أبوابًا يستقل بها، بل هو يضيفونه إلى الوصف، أو يتخذونه إطارًا للغراميات، ثم يسرعون في الانتقال إلى غيره من أغراض الأدب التي تتعلق بها أنفسهم، وتهوي إليها أفئدتهم، ومن هذه الأغراض ما قل أن يرد بخاطر غيرهم، وما يتسع له صدر الأدب العربي، وهو في غيره من الآداب قليل لا تكاد تكون له أطراف يترامى إليها.

وهذه الظاهرة في أدب الربيع واضحة الدلالة في أثر البيئة على الأدب وعلى الفن، جديرة بأن تلفت كل من يعنون بدراسة الآداب وتاريخها وتطورها إلى تقدير هذا العامل الجوهري القوي الأثر في حياة الأدب واتجاهه، وفي حياة الفن واتجاهه، وذلك ما لم يغب يومًا عن مؤرخي الأدب ونقاده. وكيف يكون الأمر غير هذا والأدب صورة الحياة، وهو أكثر سموًّا كلما أدق للحياة تصويرًا، لا يكتفي يتناول ظاهرها، بل يتعمقها إلى أبعد خفاياها ومواطنها. والحياة متصلة السيال بين الأجيال في تعاقبها، والبيئة بعض ما تستمد منه الحياة أسباب وجودها، ونشاطها، ودراستها جوهرية في كل ما اتصل بها، جوهرية في الأدب الذي يصورها في كل ناحية من نواحيها، وكل جانب من جوانبها.

هل لي أن أختم هذه الكلمة عن الربيع والأدب برجاء أسوقه إلى أساتذة الأدب العربي وتاريخه، فأطلب إليهم أن يضع من يعنيهم الأمر منهم كتابًا عن أدب الربيع في العربية. إن مثل هذا الكتاب إن وضع يتناول جوانب من هذا الأدب، لعلها أكثر جوانبه جمالًا وروعةً، ولعلها أدعاها إلى بعث البشر، والأمل الباسم في النفوس. وإذا كان النابغة الموسيقي بتهوفن قد قضى حياته يلتمس أن يضع للناس لحن المسرة حتى وفق إلى وضعه؛ لأنه رأى المسرة مفتاح السعادة، والأمل الباسم، فأدب الربيع فيه ألحان للمسرة ما أحوج عالمنا العربي إليها؛ لتكون مفتاح آماله في حياة باسمة سعيدة، تطيب فيها النفس إلى بذل الجهد؛ لبلوغ الغاية العليا من حياتنا الإنسانية، هذه الغاية هي الحرية التي لا تعرف الحدود، ولا القيود، ولا ترضاها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.