لست أدري أي أمير من أمراء الأقاصيص جادل وزيرًا من وزرائه فيما يُحكى عن بعض الفلاسفة من أنه قال إن العادة طبيعة ثانية. وكان الأمير يؤمن لهذه الفيلسوف ببُعد النظر وصِدق الحكم وحصافة الرأي وحُسن الاستقصاء. وكان من أجل ذلك يصدق أن العادة طبيعة ثانية، وأن الحيوان يمكن أن يخرجه التأديب عن طوره الغريزي وعن وحشيته الفطرية، فيتثقف بثقافة الحضارة ويتَّخذ من أخلاقها وآدابها طبيعة ثانية.

وكان وزيره يُكبِر الأمير أولًا ويُكبِر الفيلسوف ثانيًا، ولكنه يرى أن الحق أكبر من الأمير وأكبر من الفيلسوف، ويرى أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا لا يستطيع أن يثبُت أمام الطبيعة الأولى والغرائز التي فطرت عليها الكائنات. وقد اشتد الخلاف بين الأمير والوزير حتى كاد الأمير أن يغضب، وغَضَبُ أمراء الأقاصيص خطيرٌ حقًّا ينذر بعواقبَ وخيمة. ولذلك ترفَّق الوزير واستمهل أميره وقتًا ليقيم له الدليل القاطع على أن الطبيعة الأولى أقوى وأعظم سلطانًا من الطبيعة الثانية. وقد منحه الأمير ما أراد من المهلة، فجعل يفكر ويقدر حتى كان المساء، وفي ذلك المساء أقبل إلى القصر باسم الثغر مطمئن القلب راضي النفس أيضًا، وكان الأمير قد دعا إلى وليمة من ولائمه الفخمة. فلما جلس إلى المائدة وجلس من حوله رجال الدولة وأشراف المملكة أقبلت حاملات الشموع، وأَمْرُ حاملات الشموع هؤلاء أعجب من العجب، فلم يَكُنَّ نساءً إماء أو حرائر من نساء الروم أو من نساء الهند أو من نساء السودان، وإنما كُنَّ قططًا قد أُدِّبْنَ تأديبًا رقيقًا وثُقِّفْنَ تثقيفًا متصلًا، وعوِّدن حمل الشموع والقيام بها في قاعة الطعام حين يجلس الأمير إلى مائدته.

وقد جعل الأمير يتحدث إلى من حوله من رجال الدولة ألوانًا من الحديث فيها تلطُّف وتفكُّه، وإنهم لفي ذلك وإذا كل شيء يضطرب من حولهم، فقد أُلقيت الشموع إلى الأرض، وجعل القطط يزدحمن ويستبقن. وأقبل الخدم يرفعون الشموع الموقدة مخافة الحريق، ويفرقون القطط المزدحمة المستبقة المصطخبة ليردوا إلى القاعدة بعض الهدوء. ونظر الأمير إلى هذا كله مَغِيظًا مُحْنَقًا، ولكن الوزير ابتسم له وانحنى أمامه وقال: أصلح الله الأمير، ألم أقل له في الضحى إن الطبيعة الثانية لا تثبت أمام الطبيعة الأولى؟ قال الأمير: وما ذاك؟ قال الوزير: أترى إلى هذه القطط المستبقة المصطخبة كيف ألقت شموعها وبرئت من أدبها وعادت إلى طبعها؟ قال الأمير: فإني لم أفهم عنك شيئًا! قال الوزير: فإني قد ألقيت إليهن فأرة كنت أخفيتُها في كمي، فلما رأينها ألقين الشموع، وخرجن عن أطوار الحضارة، ورجعن إلى الغريزة الأولى، وازدحمن حول الفأرة أيهن يسبق إليها.

ومنذ ذلك الوقت صدَّق الأميرُ وصدَّق الناسُ معه أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا، وأن الطبيعة الأولى هي التي تسيطر آخر الأمر على أعمال الحيوان والإنسان جميعًا.

هذا مَثَلٌ قريبٌ لما تنعَم به مصر في هذا العهد السعيد، وهو يدعو المصريين إلى أن يفكِّروا ويقدِّروا ويُقدِمُوا عن بصيرة أو يُحجِموا عن احتياط، فهم قد عرَفوا رئيس الوزراء في وزارته الأولى قويًّا لا يعرف الضعف، عنيفًا لا يحب اللين، متسلِّطًا لا يألف الرفق، متحكِّمًا لا يُحِبُّ الاعتدال، ماضيًا إلى ما أراد، لا يصرفه صارفٌ عمَّا أراد، يصطنع اللين والرفق ما واتاه اللين والرفق. فإذا لم يغنيا عنه أسرع إلى الشِّدَّةِ والعنف وإلى البطش والبأس، فلم يقِفْ منهما عند حَدٍّ إلَّا أن يبلغ ما يريد.

هذه طبيعته التي فُطِرَ عليها، لا يستطيع لها تغييرًا ولا تبديلًا؛ لأن أيًّا كذا خُلِقَتْ كما يقول أصحاب النحو. وقد أقام رئيس الوزراء ستة عشر عامًا بعد أن خرج من وزارته الأولى، يؤدِّب طبيعته ويهديها، ويقوِّم غريزته ويثقفها، ويأخذ نفسه بالرفق الرفيق واللِّينِ اللَّيِّنِ واللطف والظُّرف والتواضع الشديد، والتحبب إلى الناس فيما يقول، والتودد إليهم فيما يعمل، والاعتبار بما يلي من التجارب في وزارته، والاتعاظ بما يبلو غيره من الوزراء في وزاراتهم المتعاقبة. وقد أقام في داره وفي ناديه يراقب الحكومات قاسيًا عليها، ويراقب الشعب حفيًّا به متقربًا إليه، ويراقب الإنجليز منذرًا لهم في تحفُّظ، مُعْذِرًا إليهم في تحرُّج؛ حتى أشفق منه مَن أشفق من الوزراء، واطمأنَّ إليه من اطمأنَّ من أصحاب السذاجة. ثم وثب إلى الحكم في رِفْقٍ وأناة، وجلس على كرسي الحكم في دعة ووقار، وتكلَّم فلم يقُل إلَّا خيرًا. وظنَّ الناس أن طبيعته الثانية قد غلبت طبيعته الأولى، وأن هذا التخلُّق الذي أخذ نفسه به أثناء ستة عشر عامًا قد غلب الخلق الذي فُطِرَ عليه، وقام هو في مجلس النواب يطلب إلى خصومه أن يَنْسَوُا الماضي، وأن يذكروا أن ستة عشر عامًا تكفي لنسيانه، وألَّا يحكموا عليه باسمه وسيرته القديمة، وأن ينتظروا ليروا مسلكه الجديد وسيرته في مستقبل الأيام، وأن يحكموا حينئذٍ عن بصيرةٍ وعن رويةٍ. وقد آمن له قوم كما آمن أمير الأقاصيص لحاملات الشموع، ولم يؤمن له قوم آخرون كما شك وزير الأقاصيص في حاملات الشموع. ولكن الشك لم يطُل، والانتظار لم يثقل على النفوس، فما هي إلَّا أن تمضي أيام وأيام حتى تُلقى الفأرة أمام القطط، وإذا الشموع تهوي إلى الأرض، وإذا الطبع يغلب التطبُّع، وإذا التخلُّق يأتي من دونه الخُلُق كما يقول الشاعر القديم.

وما أحب أن أفصِّل الحوادث ولا أن أعرض لها، والمصريون جميعًا يرون، والمصريون جميعًا يسمعون، والمصريون جميعًا يستطيعون أن يحكموا عن رَوِيَّةٍ وبصيرة. وما أحب أن أذكر الصحف المصادَرة؛ فالمصريون يعلمون متى يقرءون الصحف، ومتى يحرمون قراءتها. وما أحب أن أذكر الكلام المحرَّف والأخبار المنقوصة؛ فالمصريون جميعًا يعرفون حين يقرءون، أيقرءون كلامًا محرَّفًا أم كلامًا مستقيمًا، أيقرءون أخبارًا مستوفاة أم أخبارًا مقتضبة. والمصريون جميعًا يعرفون أن كثيرًا منهم يستقون الأخبار من لندرة لا من القاهرة، والمصريون جميعًا يعرفون أن صحف المعارضة تُقرأ قبل أن يؤذَن بنشرها، فإن امتنعت عن ذلك واحتجَّت بالقانون واحتجت بالدستور؛ صُودرت بعد طبعها، وحِيل بينها وبين الوصول إلى القُرَّاء. والمصريون يعرفون أن هذه الأعوام الستة عشر لم تغير من طبيعة صدقي باشا؛ لأن الطبيعة أقوى من أن تغيرها العادة، والغريزة أبقى من أن تمحوها الحضارة.

والمصريون يسألون أنفسهم: لماذا استقال النقراشي باشا؟ وماذا غيَّر صدقي باشا من حكم تلميذه النجيب؟ والمصريون يجيبون على هذا السؤال بأن النقراشي باشا رأى نفسه أضعف من أن يضبط الأمر، وأقصر باعًا من أن يحمل المصريين على الطاعة والخضوع وعلى الإذعان والامتثال؛ فآثر العافية واستقال. وإن صدقي باشا رأى نفسه أطول باعًا وأوسع ذراعًا من تلميذه البارع النجيب. رأى نفسه أقدر على أن يحمل المصريين على الطاعة، وأجدر أن يعلمهم كيف يمشون على البيض فلا يحطموه، وعلى العجين فلا يفسدوه. وهو من أجل ذلك ينهض بأعباء الحكم هادئًا مطمئنًّا، ومستبشرًا باسمًا، لا يعرف القلق إلى نفسه سبيلًا؛ لأن نفسه لا تقلق من شيء ولا تضيق بشيء، وإنما هي نفس قلب تلبَس لكل حالة لبوسها.

نعم، المصريون يعرفون هذا كله، ولكن المصريين يعرفون أن لهم حقوقًا عند الإنجليز يريدون أن يظفَروا بها، وأن سبيلهم إلى الظفر بهذه الحقوق إنما هي المفاوضة، وأن الشرط الأول والأخير لكل مفاوضة إنما هي الحرية، حرية الشعب لا حرية الحكومة وحدها. وليس الشعب المصري حرًّا، ولا يمكن أن يكون حرًّا وصدقي باشا يسوسه بسياسته التي تلائم طبيعته الأولى. إن من أحمق الحُمق وأسخف السُّخف أن يُقال إن المفاوضين المصريين سيُقبِلون على المفاوضة أحرارًا، فهؤلاء المفاوضون لن يكونوا أحرارًا إلَّا إذا استندوا إلى شعبٍ حرٍّ، واعتمدوا على وطنٍ حرٍّ. لن يكونوا أحرارًا والإنجليز يحتلُّون المدن ويستطيعون أن يطلقوا النار على الشعب كلما خافوا أو توهموا الخوف.

لن يكونوا أحرارًا وأمرهم وأمرُ مصر إلى رئيس الوزراء، يصنع بهم وبها ما يشاء. سيكون المفاوضون الإنجليز أحرارًا؛ لأنهم يستندون إلى حكومة حرة وإلى شعب حر. وسيكون المفاوضون المصريون مقيَّدِين لأنهم يستندون إلى حكومة مقيدة وإلى شعب مقيد. ولتنتج المفاوضات بعد ذلك ما تشاء لمن يكون ما تنتجه من إملاء من القول، يقبله الضعيف إن شاء فيستريح ويريح، ويرفضه إن أراد فيجني ثمار هذا الرفض، ويا لها من ثمار! ليصدقني المصريون أن أمورهم ليست إليهم، وإنما هي إلى هذه القلة القليلة التي أسلمت زمامها للنقراشي باشا، فكان أضعف من أن يستمسك بهذا الزمام، وقد أسلمت زمامها الآن لصدقي باشا فأظهرت التجربة في هذه الأيام القليلة أنه أشدُّ من تلميذه بأسًا وأوسع حيلةً، وما خفي كان أعظم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.