أشرنا في الفصل الذي نشرته هذه الجريدة في عددها الماضي إلى آراء خصوم الإلزام في التعليم الأولي وقلنا إنها جميعًا لا تنهض ضده، فالقول بأن الإلزام قد أثر في الإنتاج الزراعي مردود لأن الأطفال بين السابعة والعاشرة ليس لهم إنتاج يذكر، ولأن من بين العاشرة والثانية عشرة ممن يتناولهم الإلزام فئة محدودة العدد لا يمكن أن تؤثر في هذا الإنتاج، والقول بأن التعليم الإلزامي كما هو اليوم غير منتج فالمضي فيه إضاعة للوقت والمال، إنما هو دعوة لإصلاح هذا التعليم لا لإلغائه، والقول بأن سوء صحة الأطفال وسوء تغذيتهم يجعل التعليم غير مجد نفعًا دعوة لإصلاح حالهم الصحية وتعهدهم بالغذاء، ورددنا في ختام ذلك الفصل ما تبديه الحكومة من الاعتذار بعدم توفر المال لصحة الأولاد ولتغذيتهم بأن الاعتذار بعدم وجود المال للأمور الجوهرية الخطيرة عذر لا يمكن أن ينهض، خصوصًا وما يطلب لهذا الغرض الجليل — صحة الأولاد وتغذيتهم — لا يتجاوز في الظروف الحاضرة نصف مليون من الجنيهات، ولأننا لم نعتذر بعدم توفر المال في الشئون التي نراها ضرورية لخير الوطن، ولقد دبرنا المال للجيش فلم نتردد في فرض ضرائب جديدة، ولم ننزعج من التفكير في الاقتراض، ولم تقف أمامنا عقبة من العقبات دون الغاية التي نريد بلوغها، بل لقد طالما واجهتنا غير الجيش أمور حيوية فدبرنا لها المال، وطالما واجهتنا أمور اضطرتنا الظروف أن نجد مالًا نواجهها به فوجدنا هذا المال، وإنما يدعونا لنعتذر في أمر هؤلاء الأطفال وصحتهم وتغذيتهم بعدم توفر المال أن إيماننا بحق هذه الطوائف ضعيف، وأننا نعتقد أنها لن تفكر في إكراهنا على الاعتراف بهذا الحق، ولو أننا آمنا بحقها أو خشينا إكراهها، لما وقف المال عقبة في سبيل ما يطلب لصحة هؤلاء البؤساء والضعفاء ولغذائهم، ولتغلبنا على هذه العقبة كما تغلبنا عليها في ظروف كثيرة.

والواقع أن مسألة صحة الأطفال وتغذيتهم لا تتصل بتعليمهم لتكون سببًا في قيام الدولة أو عدم قيامها به، بل إن الصحة حق لهؤلاء الأطفال، كما أن التعليم حق لهم، وكل ما يمكن أن نقوله فذلك أن التعليم الأولي كشف لنا عن مسألة الصحة والتغذية ولم تكونا واضحتين من قبل أمامنا كل هذا الوضوح، ولو أننا أردنا أن نسير على هدى المنطق السليم لقلنا إن كشف التعليم الأولي والإلزامي عن هذه الحال الخطيرة يدعونا للإسراع في تعميم الإلزام حتى تنكشف لنا العلة كاملة، فأما أن نتخذ من اكتشافها سببًا لإلغاء الإلزام فذلك هو الخطأ البين، وذلك عمل النعامة إذ تخفي رأسها وتظن أن عدم رؤيتها نفسها يجعل الناس جميعًا لا يرونها.

يجب إذن؛ أن نسارع إلى تعميم الإلزام ما استطعنا، وإن وجب ألا يصرفنا ذلك عن معالجة عيوب هذا التعليم الإلزامي، كما يجب أن نواجه بسبب هذا التعليم مشكلة الصحة والتغذية، وقبل أن نتعرض لبحث عيوب هذا التعليم، وقبل أن نسبق ذلك بالتفتيش عن هذه العيوب، يجب أن نعترف بأن هذا التعليم كما هو في حاله الحاضرة قد أفاد البلاد فائدة كبيرة، وحسب من شاء أن يرجع إلى التقارير التي كتبت عن حالة البلاد الصحية والاجتماعية من عشرين سنة مضت، وأن يقارن بينها وبين حال البلاد اليوم ليرى الفرق كبيرًا، وليرى من مزايا هذا التعليم الذي يرمي بكل عيب ونقيصة أن جعل الأمة تشعر بنقصها، وتلتمس أسباب الكمال في الصحة، وفي أسباب المعيشة، وفي النظافة، وفي التطلع لحياة إنسانية أسمى من حياتها الحاضرة.

إن كثيرين يتبرمون بأن الفلاح والعامل اليوم لم يعودا قانعين بحالهما قناعة الفلاح والعامل فيما مضى، وأن هذه الطوائف أصبحت تطالب بحقوق لها لم تكن تطالب بها من قبل، وهذا التبرم يرجع لأحد سببين: إما الأنانية المعيبة من بعض الطوائف وحب الاستغناء ولو من أقوات الآخرين ودمائهم، وإما الخوف من المستقبل خوفًا لا مبرر له، فأما الذين ينظرون إلى الأمور نظرة إنسانية فيغتبطون لهذه الحال التي يبدو فيها الفلاح والعامل، ويرونها مقدمة للإصلاح الذي لم يكن أحد يفكر فيه من قبل على النحو الذي نفكر اليوم به، وهل يمكن أن يقال إننا كنا بالأمس أحسن حالًا حين كانت الأمية في البلاد تبلغ ٩٦ في المائة ولم يكن فيها إلا أربعة في المائة يقرءون ويكتبون؟! وهل يمكن أن يقال إننا كنا بالأمس أحسن حالًا ولم يكن لنا من صناعتنا ولا من تجارتنا شيء سوى الحقير منها، فأما ما فوق الحقير فكان للأجنبي عنا؟! وهل يمكن أن يقال إننا كنا بالأمس أحسن حالًا حين كان الداعي إلى الإصلاح يتهم بالزندقة والمروق، ولو كانت دعوته إلى تعليم المرأة وتحريرها من رق الجهل ورق الحجاب؟! ولا ريب قد كان للتعليم بوجه عام، ومنه التعليم الأولي والإلزامي، أثره في هذه الخطى التي خطوناها إلى التقدم، وإن كانت بعدُ خطى ضيقة لا تعدو أن تكون الخطى الأولى فيما نرجوه ونأمله.

فإذا كان ذلك شأن التعليم وفيه ما فيه من نقص فالواجب أن نفكر في إزالة هذا النقص، وإذا كان ذلك شأن التعليم ولم يمض على النهوض به في درجاته المختلفة غير عشرين سنة أو ما دونها، ولم يمض على البدء بالتعليم الأولي غير خمس عشرة سنة، ولم تظهر ثمرات هذا التعليم إلا في بيئات محدودة، فإن من حقنا أن نكون أوسع في المستقبل رجاء، وأن يحفزنا هذا الرجاء إلى مزيد من العناية بإصلاح التعليم بدل أن نفكر في تحديده والتضييق من دائرته.

أما وذلك هو الشأن فإنَّا يجب علينا أن نفكر في الإصلاح تفكيرًا جديًّا، وأول مراتب هذا التفكير أن نسأل أنفسنا عن الغرض من التعليم الأولي، وعن مصدر عيوبه في الوقت الحاضر.

والتعبير المألوف عند الناس أن الغرض من التعليم الأولي ومن التعليم الإلزامي، محو الأمية وهو تعبير مبهم لا يحدد غرضًا لذاته، والحقيقة أن الغرض من التعليم الأولي، كالغرض من كل تعليم، تربية الذهن وإعداده لإدراك الحياة إدراكًا إنسانيًّا، ومحو الأمية ليس إلا بعض الوسائل لهذا الغرض، إذا قدرنا ذلك تبينا أن الفرق بين التعليم الأولي وبين التعليم العام في الغرض هو فرقٌ في الكمية والمقدار، وليس فرقًا في الاتجاه والغاية، ومتى اتضح ذلك لنا اتضح معه أن هذا التعليم الأولي — إلزاميًّا كان أو غير إلزامي — يجب أن يُعدَّ إلى شيء بعده، وأن لا يكون غاية لذاته، وسواء أكان هذا الشيء الذي يُعد له التعليم الإلزامي مرتبة أخرى من مراتب التعليم، أو الاستفادة من تجارب الحياة على وجه أدنى إلى المعاني الإنسانية، فإنه إن يتجه نحو هذا الغرض ولم يحققه فقد السبب الذي من أجله يوجد في أي بلد من البلاد.

لهذا كان التعليم الأولي في الأمم المتمدينة مرحلة من مراحل التعليم، كما تؤهل الفتى لأن يدخل مصنعًا من المصانع أو لأن يشتغل في الزراعة، فإنها تؤهله لالتحاقه بمعهد من المعاهد أرقى من معاهد التعليم الأولي، بل إن أكثر الأمم لتفرض على الذين يتمُّون التعليم الأولي ويلتحقون بالحياة العملية أن ينالوا قسطًا آخر في مرحلة ثانية من مراحل التعليم تزودهم للحياة بما لا يزودهم به التعليم الأولي، فأما الذين ينتقلون إلى ما بعد التعليم الأولي من مراحل التعليم الأخرى، سواء التعليم الفني أو التعليم العام، فأولئك يتابعون دراساتهم إلى الغاية منها، وليست هذه الغاية موضع بحثنا الآن هنا.

هذا التفكير في الغرض من التعليم الأولي لا يتفق وما عندنا في مصر، بل إن عندنا أنواعًا مختلفة من هذا التعليم يكاد بعضها لا يتصل بغيره ولا يكاد يتصل بالحياة بسبب. عندنا التعليم الإلزامي، وعندنا مكاتب تحفيظ القرآن، وعندنا التعليم الأولي، وعندنا التعليم الابتدائي، هذه كلها هي المرتبة الأولى من مراتب التعليم، وهي المرتبة التي أعددناها للأطفال من السادسة أو السابعة من أعمارهم، والتعليم الابتدائي وحده هو الذي يؤهل لمراحل التعليم الفني، والتعليم العام، وقد تؤهل مكاتب تحفيظ القرآن للمعاهد الدينية. أما التعليم الإلزامي، وأما التعليم الأولي، فقلما يرتبطان مع غيرهما من مراحل التعليم بأية رابطة.

وهذا الاتصال بين التعليم الإلزامي والأولي وسائر مراحل التعليم عيب جوهري من عيوب هذا التعليم، بل لعله يكون السبب في تبرم الفقراء بالتعليم الإلزامي، فهم لا يرون له غاية أو غرضًا يبنون عليهما أملًا في مستقبل لأبنائهم خير من مستقبلهم، بل لعلهم يعتقدون أن هؤلاء الأبناء يضرُّ بهم هذا التعليم، لأنه يزيد في مطالبهم ثم لا يؤهلهم إلى ما يحققون به لأنفسهم هذه المطالب.

هؤلاء الآباء يخطئون لأن التعليم خير من عدمه بغير مراء، لكنهم مصيبون إذ يرون هذا التعليم لا يفتح أمام أبنائهم بابًا جديدًا أو أملًا في باب جديد لم يكن مفتوحًا أمامهم، ولو أن هؤلاء الآباء داعبهم الأمل في خير يناله أبناؤهم، أيا كانت نسبة هذا الأمل، لأقدموا على تعليمهم، ولرأيت الإلزام يعم طواعية ومن غير حاجة إلى قسر القانون، وأقول داعبهم الأمل وأقصد هذه الكلمة بكل معناها، فلو أن التعليم الأولي كان يؤدي إلى التعليم الفني أو التعليم العام، ورأى الأب الفلاح أو العامل واحدًا في المائة، بل أقل من واحد في المائة، من أبناء طبقته ينتقلون من التعليم الإلزامي ويرقون من طريق سعيهم واجتهادهم إلى مراحل أخرى في التعليم الصناعي أو التعليم العام، لرأيت هذا الأمل الذي تتوهمه ضئيلًا شديد الأثر قوي الفعل في تحريك النفوس إلى هذا التعليم.

وهذا في رأيي هو أكبر السبب في أن التعليم الأولي في البلاد الأخرى يحل محل هذه الأنواع التي ذكرتها من هذا التعليم عندنا. يحل محل التعليم الإلزامي والتعليم الأولي والتعليم الابتدائي، وهذا كذلك هو السبب في أن مرحلة التعليم العام تبدأ بعد مرحلة التعليم الأولي وتتصل إلى آخر الثقافة العامة لا تتخللها شهادة ابتدائية ولا شهادة كفاءة ولا يتخللها شيء من هذه الأشياء التي يقف أبناؤها أو كانوا يقفون عندها ويعتبرونها مؤهلة للتوظف ولكسب العيش.

يقول بعض المسئولين عن التعليم حين يطالبون بالإصلاح على هذا الأساس الذي أخذت به الأمم الأخرى: إذا أردنا أن نجعل التعليم الإلزامي كله من طراز التعليم الأولي، أي أن نجعله يومًا كاملًا بدل نصف اليوم، إذن لاحتجنا إلى أموال ضعف ما ننفقه اليوم على هذا التعليم، وما قلته في مشكلة المال حين الكلام عن الصحة وعن التغذية أكرره هنا حرفًا بحرف، فالاعتذار بالمال ينهض عذرًا للأفراد ولكنه لا يمكن أن يُقبل عذرًا في حياة الأمم، فكل إصلاح حيوي يجب القيام به، ويجب توفير المال له بكل وسيلة من الوسائل.

لكن للمسئولين عن التعليم اعتراضًا غير اعتراض المال له قيمة من غير شك، ذلك اعتراضهم بأن المعلمين غير كافٍ عددهم، ويجب أن تزاد ثقافتهم العامة وثقافتهم التربوية إذا أريد الانتقال بالتعليم الإلزامي خطوة جديدة، وهذا يحتاج إلى وقت ومال.

هذا اعتراض له قيمته، وهو كغيره من هذه الاعتراضات دعوة إلى الإصلاح، لكن الحديث فيه يجر إلى حديث ذا خطر عظيم في حياة البلاد، ذلك هو حديث الأساس الذي تقوم عليه الثقافة وما يجب أن يكون: أنتجه به إلى توحيد الثقافة أو إلى بقائها متعددة الألوان؟ إن القول في هذا يحتاج إلى مناقشة الموضوع، فلنجعل هذه المناقشة محل حديثنا في الأسبوع المقبل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.