من حقِّ كلِّ جيل جديد أن يتصدى بالنقد للأجيال السابقة ليُعيد تقييمها على ضوء حاضره، وليمهِّد الأرض لرؤيته الجديدة. ويغضب كثيرون من أصحاب النوايا الطيبة على هذا الموقف، ويرمونه بالجحود، ويرون فيه تخريبًا لمقدساتهم القومية ومفاخرهم الفكرية، ويتساءلون في ريبة عن الدوافع وراء ذلك مما يوحي بالاتهام وسوء النية.

وهذا النوع من الدفاع يحوِّل الخصومة من معركة أدبية قد تُثْرِي الفكر وتجلو حقائق جديدة إلى معركة وطنية مفتعلة لا تُجْنَى من ورائها إلا المهاترات والأحقاد، وأقول مرة أخرى: إن من حق كل جيل جديد أن يُعِيد تقييم سابقيه، تمهيدًا لبثِّ رؤيته الجديدة ودفعًا للحركة الفكرية في طريقها اللانهائي، وهذا التقييم الجديد مهما اشتدَّ وعنف لا يستطيع أن يهدم عملاقًا إلا إذا كان عملاقًا من ورق، أو يمحوَ حقيقة إلا أن تكون حقيقة من ضباب وأوهام.

وكلنا يذكر هجوم مدرسة الديوان على شوقي، وكيف أسفر عن شَقِّ مجرًى جديدٍ للذوق الشعري دون أن يقضي على عملقة شوقي ومكانته الفريدة في الشعر العربي. ومن قبلُ تعرَّض المتنبي لأفظع مما تعرَّض له شوقي، وبقي شاعر العربية في جميع العصور. وإذن فالتقييم الجديد يمهِّد السبيل لرؤًى جديدة دون أن ينال من قيمة حقيقية جديرة بالبقاء.

ولو أننا بدلًا من الاتهام ناقشنا ما يقال بموضوعية وعلم لعاونَّا على جلاء الحقائق، وشاركنا في معركة فكرية من شأنها أن تُثْرِيَ الفكر والفن فضلًا عن أن أسلوب الاتهام يشكل في النهاية إرهابًا فكريًّا يعتبر من شر أنواع الرقابة والقهر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.