حاولت أن أهرب من الكتابة في هذا الموضوع، لئلا يُساء تأويل ما أكتب، أو يُحمل على غير محمله، ولكن الأستاذ رئيس التحرير لم يترك لي مهربًا، وأين منه يهرب الهارب، وهو لاعب كرة قديم وقد حذق فنون المحاورة والكر والشد؟ لا حيلة لي إذن ولا مفر، ويحسن بي أن أذكر في مستهل الكلام أني لا أَمُنُّ أو أُدِلُّ على أحد يأتي كنت معلمًا له، فما علَّمْتُ أحدًا شيئًا يستحق الذكر.

ومن سوء الحظ أن ذاكرتي ضعيفة جدًّا وأن الأسماء أول ما تخونني فيها، حتى ليكبر في وهمي أني سأنسى اسمي يومًا ما، فلا أعود أعرف من أنا، ومن أجل هذا أحمل بطاقة باسمي وعنواني، ولا أعرف ما خيرها إذا كان ما أخاف أن يكون، ونظرت إلى البطاقة متعجبًا متسائلًا من ترى هذا المازني؟ ولماذا أحمل بطاقته؟ وما شأني به ومتى عرفته؟

لهذا قلت للأستاذ فكري أباظة لما كلفني كتابة هذا الفصل: «ذكِّرني بتلاميذي هؤلاء» فوعد، وأخلف، سامحه الله!

وقد قال لي يوم حادثني في ذلك أنه كان من تلاميذي صاحبُ المقام الرفيع شريف صبري باشا. فتعجبت، ثم تذكرت بعد لَأْيٍ أنه لا يعد تلميذًا لي إلا على التسامح، نعم كان تلميذًا بالمدرسة السعيدية، ولكن غيري كان أستاذه في مادة الترجمة، ودخلت «فصله» مرة بدلًا من مدرس غائب، وكان هذا تكليفًا ثقيلًا، فقلت للتلاميذ اصنعوا ما بدا لكم، وعكفت على كراسات تلاميذي أصححها، واستطعت أن ألاحظ مع ذلك — فقد كانت عيني على التلاميذ على الرغم من الكراسات حتى لا يفسدوا النظام — أنه يجلس في الصف الأول، والذي لفتني إليه خاصة أنه كان لا يزال يبتسم، وأنه ينظر خلسة إلى اليمين والشمال، ولا يرفع رأسه إلا وفي ظنه أني غير ناظر إليه، ولكني كنت في ذلك الزمن كأنَّ لي ألف عين، فوقع في نفسي أنه شديد الحياء، وأن أدبه جم، ولم أعرفه يومئذٍ وإنما عرفت فيما بعد أن اسمه شريف صبري.

ويزعم الأستاذ فكري أباظة أنه كان من تلاميذي، ولا أدري ما خير أن يحاول إقناعي أنا أنه أصغر مني؟ فإذا صح زعمه فليعلم أني لمَّا توليت التدريس في المدرسة السعيدية، كان من تلاميذي كثيرون أكبر مني سنًّا، وكان المعروف في ذلك الوقت أن «أشقياء» المدارس الأخرى في القاهرة يُحوَّلون إلى السعيدية لأن ناظرها ووكيلها كانا مشهورين بالدقة والشدة، على أني أذكر غيره من «الأباظية»، مثل السيد بك، وكان عَرِّيَف فصله — «الألفا» — كما كان يُسَمَّى، وكان مثال الأدب. ومنهم أيضًا، في مدارس أخرى، صاحب المعالي الأستاذ محمود سليمان غنام، وعبد الفتاح الطويل باشا، أما كيف كانا فلا أدري، وأحسب أن ذلك لأن تلاميذي جميعًا كانوا مؤدبين — على الأقل معي — ولم يقع منهم ما يسوءني ولا مني ما يسوءهم فيما أظن، وأحسب أن «شقاوة» التلميذ أقوى مذكِّر به، لا الذكاء ولا الاجتهاد، ولا الأدب وحسن السلوك. على أني أذكر — فإن مزية ذاكرتي أنها فوتوغرافية تحفظ الصور وتلقي ما عداها — أنهما كانا كما هما الآن، فما يبدو عليهما أثر للزمن الطويل الذي انقضى منذ كانا تلميذين، فلو أمكن أن يجلسا في «فصل» وأَدخُل عليهما لما أحسست فرقًا ولتوقعت أن ينهضا لتحيتي كما كانا يفعلان، فأشير إليهما بأطراف أصابعي أن اجلسا، فقد كان دأبي أن أستغني عن الكلام إذا كان في الإشارة أو النظرة الكفاية. كلَّا، لم يتغيرا، ولا عجب أن يكونا قد آثرا دراسة القانون، واشتغلا بالمحاماة، فقد كانا — على قدر ما أذكر — من ذوي الفصاحة واللسان الذرب، وكانا أشد احترامًا لنفسيهما وحرصًا على كرامتهما من أن يعبثا عبث التلاميذ.

وقد ذكرني أحد تلاميذي — وقد استحلفني أن أكتم اسمه لأنه اليوم من الكبراء — بحادثة طريفة، لست ناسيها لأنها مما تعمدته، وذلك أني لم أرضَ عن ترجمته لقطعة من القطع، وخفت عليه عاقبة الاستهانة وقلة العناية، فأردت أن أخزه وأنبهه وأوقظ نفسه، فقلت لنفسي إن «الصفر» وإن كان لا شيء، لا يغني هنا، ولو أعطيته «صفرًا» لقال إني ظالم، ولذهب يتعزى بالمشهور من تقتيري في الدرجات، وكان التلاميذ على حق في اتهامي بالمبالغة في التدقيق، فقد كنت أتوخى هذا معهم أثناء الدراسة، أما في الامتحان فقد كنت أحنى عليهم وأرفق بهم من آبائهم، ولكنهم ما كانوا يعرفون هذا. وأعود فأقول إني حدثت نفسي أن «الصفر» يثير سخطه عليَّ، ولا يجدي في تنبيهه إلى تقصيره، فخير من ذلك أن أعطيه ما هو في الواقع أقل من الصفر، أي جزءًا من عشرة من درجة واحدة! فدهش وثار وقال: الصفر خير من هذا، فقلت له: بل إنك لا تستحق الصفر، ثم ذهبت أحاول أن أبين له أن فيه أملًا إذا بذل العناية الكافية، والأمل الآن قليل ولكني أرجو أن يكبر، وقد كان. ونفعه ما استثرت به نفسه.

وبعدُ فأي عجب في أن يكون من تلاميذي وزراء وكبراء؟ إن المعلم كصاحب زورق أو معبر على نهر، يمضي به من ضفة إلى ضفة، وقد اشتغلت بالتعليم عشر سنوات، وكان لي من التلاميذ في كل سنة نحو أربعمائة، فمن الذي يستغرب أن يبرز من أربعة آلاف، عشرة أو عشرون أو مائة فيهم الوزير، والقاضي، والأديب؟

وسألني الأستاذ فكري، وهو يسرد لي بعض تلاميذي: «ألم يكن منهم حسين سري باشا؟»

قلت: «كله إلا هذا يا فكري! من تظنني؟ نوحًا؟»

والواقع أني لما اشتغلت بالتعليم كانت سني تسعة عشر عامًا، فإذا صدق القارئ فبها، وإلا فأمري معه إلى الله!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.