شهر الصوم قديم في تاريخ الإسلام، والصوم نفسه أقدم من الإسلام وأقدم من الأديان الكتابية الثلاثة، وقد يقصد في التقدير من يقول: إنه سبق الديانة الموسوية بيومين، وإن اليوم بمقدار ألف سنة مما تعدون.

وننوي — بحمد الله — أن نصاحب الشهور في أحاديث الجمعة بما يجريه في الخاطر، أو يرده إلى الذاكرة من غرائب الماضي ومستحدثات الحاضر، وأولها اقتراح على الماكينات والآلات بالصيام!

منذ خمسة وعشرين قرنًا ذهب يونس عليه السلام نذيرًا إلى أهل «نينوى العظيمة لله».

ولم تكن عظيمة لله لأنها تطيع الله وتعمل بأوامره ووصاياه؛ إذ كانت في الحقيقة أطغى المدن القديمة، كما وصفها أنبياؤها، وكان غناها سببًا لطغيانها، وطغيانها سببًا لغناها، فإنما اجتمعت لها الثروة التي لا مثيل لها من أسلاب المقهورين والمسخرين، وكانت كل لبنة في قصر من قصورها تقوم بحياة عبد مظلوم، أو بحياة جملة من العبيد المظلومين، ولكنها سميت بالعظيمة لله على حد التعبير المعروف في اللغة العبرانية؛ حيث يراد الارتفاع بالوصف إلى أقصى مداه، ومنه جبال الله وأرز الله كما جاء في المزامير.

وقد كانوا يقدرون طول المدينة وعرضها بمسيرة الأميال لا بالخطوات والغَلَوات، وقيل في طولها مع ضواحيها: إنه مسيرة ثلاثة أيام.

فلما توسط يونس عليه السلام تلك المدينة العظيمة بعد مسيرة يوم، تجمع إليه الخلق واستمعوا إلى نذيره، وقد أنذرهم أن تنقض المدينة على مَن فيها إذا هي أصمَّتْ مسامعها عن النُّذُر الإلهية، وأولها نذيرُه المرهوب، وكفى به نذيرًا أوقع الهلع في قلوب الرعية والرعاة، وترددت أنباؤه بعد قليل في جنبات القصور، فارتاع له الملك والعظماء.

وجاء في سِفْر يونان — أو يونس — من العهد القديم: إن أهل نينوى آمنوا بالله، وتنادوا إلى الصوم، ولبسوا المسوح الغلاظ، وقيل في المدينة «عن أمر الملك وعظمائه»: «لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئًا، لا ترع ولا تشرب ماء، وليتغط الناس والبهائم بالمسوح … ويرجعوا عن الظلم.»

وفسر المفسرون أمر الملك والعظماء أن تصوم البهائم وتتغطى بالمسوح قائلين: «إن المدينة إذا انقلبت فإنما تنقلب على البهائم كما تنقلب على الناس، وإن الله لا يعجل بعقاب المدينة التي تحتوي — فيمن تحتوي — مائة وعشرين ألفًا لا يعرفون أيمانهم من شمائلهم؛ لأنهم أطفال صغار، ومعهم مئات الألوف لا يعرفون أيمانهم من شمائلهم كذلك؛ لأنهم عجماوات.»

وصيام العجماوات هو بيت القصيد.

فلماذا لا تصوم الماكينات والآلات في العصر الحديث؟ غالى بعضُ المجددين في الشعر فوضعوا قطار الحديد إزاء قطار الإبل، وشهدوا للأقدمين بالفضل؛ لأنهم وصفوا الناقة بألف قصيدة، ولم نصف نحْنُ القطار ولا الطيارة ببعض ما وصفوه.

لكننا لا نغالي إذا وضعنا الماكينات والآلات إزاء الخيل والجمال والبغال فيما تصنعه للإنسان، وما يسخرها له من خيره وشره، فهي إذا صامت عن بعض ما تصنع في العصر الحديث فقد يجدي صيامها بعض الجدوى، وقد ينجو الإنسان في المغرب والمشرق من شر كثير، وقد يكون صيامها نفسه هو توبة الندم التي يتبعها الغفران، وكم في الأرض من نينوى يسكنها الألوف وألوف الألوف ممن لا يفرقون بين اليمين والشمال، لا لأنهم عجماوات، ولا لأنهم أطفال، ولكن لأنهم في حالٍ شرٍّ من حال العجماوات والأطفال!

لتَصُمْ ماكينات القذائف والنفاثات، ولتَصُمْ ماكينات الفضول والنوافل، ولتصم كل ماكينة تزيد حاجة الإنسان ولا تغنيه عن حاجة إلا فتحت له أبواب حاجات.

لتصم هذه الماكينات ولا تأكل نارًا ولا دخانًا بضعة أيام، ولينظر الناس كيف يصبحون على سبيل التجربة إذا صامت الماكينات!

قيل: إن الماكينات تضاعف صناعة الغذاء، وتضاعف صناعة الكساء، وقيل: إنها تضاعف صناعة السلاح، وتضاعف صناعة البناء، وصح ما قالوا في كثير، وصح كذلك أن جياع اليوم أكثر من جياع الأمس، وأن خوف العدوان في عصر السلاح المضاعف والبناء المسلح أكبر من خوفه يوم لم يكن سلاح كسلاح العصر الحديث، ولم يكن بناء مسند بالحجر والحديد.

فلماذا لا تصوم الماكينات؟! ولماذا لا نجرب صيامها ولو في بعض الأوقات؟!

شهر في السنة على سبيل التجربة، فإن طال الشهر على عبيد الماكينات؛ فليكن الصيام الأول أسبوعًا واحدًا لا تدور فيه ماكينة، ولا يعمل فيه بخار ولا كهرباء، ثم ننظر ما يكون، ولن يكون أسوأ مما هو كائن ومما يخشى غدًا أن يكون.

يقول حكيم من حكماء العصر: إننا لو أصبحنا ذات يوم وقد صغر الكون كله إلى مقدار البندقة لما أدرك الناس فرقًا بين ما كانوا فيه وما صاروا إليه؛ لأن مقاييسهم تصغر كما صغروا، ومسافاتهم تصغر كما تصغر المقاييس، ومن كان يتعب حين يمشي ميلين؛ فإنه سيتعب غدًا حين يمشي مقدار شعرتين، ومن كان يقيس نينوى بمسيرة ثلاثة أيام، سيقيسها كذلك بمسيرة ثلاثة أيام لا تنقص ساعة واحدة؛ لأن الشمس وكواكبها صغرت معنا كما صغرنا معها، فلم تتغير الأيام والساعات، ولم تختلف الأفلاك والمدارات.

كذلك يكون الأمر إذا أصبح الكون كله في حجم البندقة. فهل يكون غير ذلك إذا ضربنا «النوبة» ونفخنا في البوق، وأومأنا للأتون في قلب الباخرة أن يصبح شراعًا، وللماكينة الطاحنة أن تصبح رحًى، وللمصنع الدوار أن يصطنع الأناة في المدار بالليل والنهار؟

مستحيل! حسن إن كان لا بد من استحسان؛ فتمتعوا ما شئتم إذن بالممكنات وبالماكينات، ولعلها سائرة بنا جميعًا إلى حالة لا تستحيل؛ لأنها آخر الحالات.

على أنه بالتجربة المحسوسة لم يكن بالمستحيل كما يزعمون؛ فقد صام أناس وصامت ماكينات فصنعوا العجائب، وصنعت المعجزات، ولا يزال خبرها في الآذان، وأثرها في مشاهدات العيان.

صام غاندي وصوَّم معه الماكينة الجهنمية التي تأكل النار وتنفث الدخان.

وكانت معجزة الماكينة الصائمة أعجب من معجزة القديس الصائم، فاعتصمت الهند بالمغزل، واعتصمت بريطانيا العظمى بتلك الماكينات لله كما تقول البلاغة العبرية، وما كانت لله ولا للقديسين، إلا أن يكون القديس جورج الراكب على صفحة الدينار.

***

صام غاندي واعتصم بالمغزل، فلم يكن صيامه ولا صيام ماكيناته بالمستحيل، وإنما كان هو المعجزة التي صنعت المستحيل، وارتفعت صورة المغزل شعارًا لراية لم ترتفع قط منذ ثلاثة قرون.

فإذا كان صيام الماكينات جملة واحدة عسيرًا كل العسر أو بعض العسر، فليكن صيامها أقساطًا منجَّمة على حسب الحوادث، ولننظر بعد ذلك كيف يتيسر العسير ويتحول المستحيل.

لقد كانت في بهائم نينوى حكمة، وعزيز على حكمة الناس أن تحكيها اليوم؛ لأنهم ماكينات تجري وراء ماكينات، ويأكلون النار كما يأكلها الحديد الدوار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    مدعث ·٣٠ يونيو ٢٠١٤، ٠:١٣ ص

    رحمك الله ياعباس محمود العقاد .