تهزأ المورننج بوست من المصريين؛ لأن جماعة منهم فيما تزعم همُّوا بتحريق دار الشرطة حين أرادوا أن يروا الاستقلال، فحالت الشرطة بينهم وبين ما أرادوا، وسُئِلَ هؤلاء الناس عن الاستقلال ما هو؟ فقالوا إنه شيء يُؤْكَلُ، وهو على كل حال شيء يُرَى. ونعترف بأنَّا لا نفهم استهزاء المورننج بوست من هؤلاء الناس، الذين لم يُوْجَدوا من غير شك ولكنَّا نفرض أنهم موجودون، والذين لم يأتوا من غير شك ما تضيف إليهم الصحيفة الإنجليزية، ولكننا نفرض أنهم قد أتوا؛ فمن المحقَّق أن الاستقلال شيء يُرَى وشيء يُمَسُّ، ولعل من آثاره ما يؤكل أيضًا، ومن حق المصريين وقد تحملوا ألوان المشقة، وصبروا لضروب الجهد، وضحوا بالأنفس والأموال في سبيل هذا الاستقلال؛ أن يروه وأن يستمتعوا لا بالنظر إليه فحسب، بل بتذوُّق ثماره والانتفاع بآثاره كيفما كان هذا الانتفاع، أكلًا وشربًا ومساواةً، إلى غير ذلك من فنون الحس والشعور.

ولسنا نفهم كيف يناقش الناس في أن الاستقلال شيء يُرَى، وشيء يُمَسُّ، وشيء قد يؤكل وقد يشرب، وهم جميعًا يرون الاستقلال بأعينهم ويمسونه بأيديهم، ويرون كيف يستمتع به أصحابه في البلاد التي يستقر فيها الاستقلال حقًّا، ويبدو فيها للناس حرًّا طلقًا لا تُلْقَى بينهم وبينه الحجب، ولا تُسْدَل بينهم وبينه الأستار. اذهب إلى أي بلد من البلاد الحرة المستقلة، وانظر إلى أهلها حين يسعون في الأرض، وحين يضطربون في التماس الحياة؛ فسترى أن شخص الاستقلال قائم أمامهم يسعى معهم حين يسعون، ويضطرب معهم حين يضطربون، يدفعهم إلى ما يبتغون من الحق، ويصدهم عمَّا يبتغون من غير الحق، ويَذُود عنهم كل العوادي والخطوب التي تحول أو تحاول أن تحول بينهم وبين ما يبتغون في حدود النظام والقانون.

هذا الاستقلال مستقر في دور الشرطة، يمنع الشرطيين من أن يعتدوا على أبناء الشعب، أو يهموا بالاعتداء عليهم أو يسوقوهم إلى حيث يخضعونهم لمثل ما أُخْضِعَ له بعض أهل البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، ولمثل ما يخضع له المصريون في كل مدينة وفي كل قرية، حين يهمون أن يقولوا أو يعملوا ما لا يحب الحاكمون، وهذا الاستقلال مستقر في دور القضاء يمنع أن يُنْقَل القاضي أو يُعْزَل، أو يَمَسَّهُ غضب السلطان لأنه قضى بما لم يرضَ السلطان. وهو مستقر في الوزارات، وفي مكاتب الوزراء خاصة، يمنعهم من أن يتجاوزوا القانون في قول أو فعل، ويَقِفهم أمام لجان المحاكمة حين يتجاوزون القانون في قول أو فعل، وقد يُلْقِيهم في غيابات السجون أحيانًا، ويمنع رؤساء شركات النور ورؤساء المحاكم أن يكتبوا إليهم كتبًا فيها ما يهين الدولة ويغض من كرامة الاستقلال. وهو مستقر في مكاتب الموظفين يمنعهم من طاعة الوزراء والرؤساء فيما يخالف القانون، ويقفهم أمام مجالس التأديب إن فعلوا، وقد يقفهم أمام النيابة وأمام القضاة، وقد يلقيهم في غيابات السجون أحيانًا. وهو مستقر في البرلمان يُشعِر الذين يمثِّلون الشعب بأنهم أصحاب السلطان حقًّا، لا تُرَدُّ لهم كلمة في التشريع، ولا يحول حائل بينهم وبين مراقبة الوزارات وإسقاطها إن لم تعجبهم. ثم هو مستقر في الأرض التي تُزْرَع، والتي تملكها الدولة يحميها من أن تُسْتَبْدَل بغير حق أو في غير حق، ويَقِف الذين يُحاوِلون ذلك أو يفكِّرون فيه أمام القضاء، ويُلقِي بهم في غيابة السجن أحيانًا، ثم هو مستقر في الأرض التي يملكها الأفراد، يردُّ الحكومة عن أن تعتدي عليها بغير الحق، أو أن تحول بين أصحابها وبين ما تُنْتِجُ لهم من الثمرات. ثم هو مستقر في كل دار، ثم هو مستقر في كل متجر، ثم هو مع ذلك منتشر على الأرض كلها، منتشر في الهواء كله، منتشر في الماء كله، يراه الناس ويسمعونه ويلمسونه ويستعدونه على الظالمين، ويستعينون به على كل مَن يجاوز في معاملتهم حدود العدل والحق والمساواة؛ فلستُ أدري كيف يجادل أحد من الناس في أن الاستقلال شيء يُرَى؟! بل لستُ أدري كيف يجادل أحد من الناس في أن الاستقلال شيء يستمتع به الفرد بأوسع معاني الاستمتاع وأعظمها شمولًا؟! لم يخطئ هؤلاء المصريون الذين لم يُوجَدوا حين ظنُّوا أن الاستقلال شيء يُرَى، وحين طلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظْهِروا لهم هذا الاستقلال، الذي جاهدوا في سبيله واحتملوا ألوان المشقة والعناء، لا ليتحدث الناس إليهم عنه، بل ليروه ويلمسوه ويستيقنوا أنه قائم بينهم يحميهم من الظلم، ويخلي بينهم وبين الحق.

ويجب أن تعلم الصحيفة الإنجليزية، وأن يعلم الإنجليز جميعًا، وأن يعلم الأجانب جميعًا أن المصريين يؤمنون إيمانًا قويًّا بأن الاستقلال شيء يُرَى؛ لأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فرأوه، ولأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فسمعوه، ولأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فاستمتعوا به في هذه البلاد الأجنبية وذاقوا من لذاته فيها ما لم يذوقوه، ولا يذوقونه في مصر إلى الآن. ومن حقهم وقد تحدَّثَ إليهم الإنجليز، وقد تحدَّثَ إليهم الفرنسيون، وقد تحدَّثَ إليهم الأجانب بأنهم كسبوا الاستقلال وظفروا به، وأقروه في بلادهم؛ أن يلتمسوا هذا الاستقلال، وأن يعرفوا أين يستقر؛ لأن لهم مظالم يريدون أن يرفعوها إلى الاستقلال، ولأن لهم شكاة يريدون أن يبثُّوها الاستقلال، ولأن لهم مطالب يريدون أن يحقِّقها لهم الاستقلال، ومن حقهم أن يغضبوا من السلطان وأعوان السلطان إن لم يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم لم يكونوا لاعبين، ولا هازلين، ولا طالبين للأوهام والأحلام حين ثاروا يبتغون الاستقلال، وحين سفكوا دماءهم في سبيل الاستقلال.

نعم، من حق المصريين أن يطلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يتحدَّثوا إليه، بأن بقاء الإنجليز في مصر وإعانتهم للظلم على المصريين، وتدخُّلهم في الصغير والكبير من أمورهم؛ كل ذلك لا يستطيع أن يستقر في بلد يوجد فيه الاستقلال. من حق المصريين أن يطلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يقصُّوا عليه قصصًا كثيرة، منها ما يمس إزهاق النفوس وسفك الدماء، ومنها ما يمس إهدار الكرامات وانتهاك الحرمات، ومنها ما يمس تضييع المنافع والحقوق، ومنها ما يمس العبث بأموال الدولة، والإسراف في أملاكها، والاستهانة بسلطانها؛ وكل هذه أمور لا تستطيع أن تعيش في بلد يعيش فيه الاستقلال، كما أن جراثيم العلة والفساد لا تستطيع أن تعيش في الجسم الصالح القوي الصحيح، والسلطان وأعوانه يحدِّثون المصريين بأنهم مستقلون، فمن حق المصريين أن يسألوهم عن الاستقلال؛ ليتبيَّنوا منه كيف يستطيع أن يستقر في بلد تستقر فيه هذه الآثام، وأن يعيش في بلد فَسَدَ جوه إلى هذا الحد، الذي لا يلائم حياة الأصحاء، والمصريون منصفون ومصيبون حين يبحثون عن هذا الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يعرفوا جلية الأمر فيه، فلعلهم خُدِعوا حين خُيِّلَ إليهم أنه قد استقر في بلادهم، وإذن فمن الحق عليهم أن يستأنفوا سعيهم ليستقر هذا الاستقلال في بلادهم، ولعله قد وصل إلى مصر واستقرَّ فيها، ولكنه مريض دَسَّ له بعض الناس ما يُدَسُّ على الأصحاء ليفسد عليهم صحتهم؛ فمن الحق على المصريين أن يصلوا إلى هذا الاستقلال ليعرفوا علته، ويلتمسوا لها الدواء عند بعض الأطباء، ولعله مريض مُهْمَل في زاوية من زوايا الدواوين، أو في ناحية من نواحي الوزارات، فمن الحق عليهم أن ينقلوه إلى مستشفى تتهيَّأ فيه أسباب العلاج على النحو الحديث المفيد.

كلا، لم يخطئ المصريون الذين لم يُوجَدوا، والذين تتحدَّث عنهم المورننج بوست حين قالوا إن الاستقلال شيء يرى، وإنما أخطأ المصريون الموجودون لأنهم صدَّقوا ما يقال لهم من أن الاستقلال شيء معنوي لا يُرَى ولا يُحَسُّ، أخطأ هؤلاء المصريون، والواجب على كل مثقف حر يشعر بكرامته وكرامة وطنه، أن ينبِّه المصريين إلى أن الاستقلال شيء يُرَى ويُحَسُّ، وإلى أن استقلالهم محجوب عنهم، وإلى أن من الحق عليهم لأنفسهم وبلادهم ولسعادة أبنائهم وذكرى آبائهم أن يسألوا عن هذا الاستقلال، وأن يلحوا في السؤال حتى تُرفَع بينهم وبينه الحجب، وحتى يروه ويحسوه ويسمعوه ويستعينوا به على الحياة، من الحق عليهم أن يسألوا السلطان وأعوان السلطان، ومن الحق عليهم أن يسألوا الإنجليز وأنصار الإنجليز، ومن الحق عليهم أن يسألوا الأجانب جميعًا، فكل هؤلاء يلقون الحجب الكثيفة بينهم وبين الاستقلال الذين جاهدوا في سبيله، واحتملوا ألوان المشقة والعناء ليظفروا بالحياة الحرة في ظلِّه الوارف، وجوِّه الصفو، وهوائه الطلق، وثوره المحيي للنفوس.

فإذا كانت المورننج بوست تسخر من المصريين لأنهم يظنون أن الاستقلال شيء يُرَى، فإنَّا نحن نلحُّ على المصريين في أن يؤمنوا بأن الاستقلال شيء يُرَى، ونؤكِّد لهم أنهم حين يؤمنون بذلك سيرون الاستقلال وسيحسونه، وسيأكلون من ثماره، وسيستمتعون بآثاره، وسيفرضون احترامهم على الإنجليز فرضًا، ويومئذٍ لا تسخر منهم المورننج بوست لأنهم يظنون أن الاستقلال شيء يُرَى، وإنما تعجب بهم المورننج بوست وتحسب لهم كل حساب؛ لأنهم يرون الاستقلال ويشيرون إليه، ويعتزون به كلما طمع فيهم طامع أجنبي، وكلما ظلمهم ظالم مصري، ويومئذٍ لا تتحدث المورننج بوست عن نظام اللورد كرومر، ولا عن ضم مصر إلى الإمبراطورية البريطانية؛ لأن الاستقلال الذي يُرَى يقطع عليها كلَّ سبب بينها وبين هذا الحديث.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.