نعود إلى هذا العنوان مرة أخرى، وقد نعود إليه مرات؛ لأننا فيما يظهر لم نتغنَّ باستقلالنا العظيم كما ينبغي؛ فهو استقلالٌ صَحِيحٌ حقيقي، لا شَكَّ فيه، جامع لكل الصفات الممكنة وغير المُمْكِنة، مُسْتَكْمِلٌ لكل المزايا المَعْقُولة وغير المعقولة، وكان من حقه أن يُلْهِمَ الكتَّاب والشُّعراء، فينشئوا فيه الرَّسَائِلَ البارعة، والقصائد الرائعة، ويتغنَّوْا بنعمه ومَحَاسِنِهِ، خيرًا مِمَّا تغنى كُتَّاب الثورة وشُعراؤها وخُطباؤها بما كسبت الثورة للفرنسيين وغير الفرنسيين من ألوانِ الكَرَامَةِ والعِزَّةِ ومن أشكال الحُرِّيَّة والاستقلال، ولكننا مُتواضعون دائمًا، نصغر بكل ما عندنا، ونكبر ما عند الناس؛ فنحنُ لا نوفي استقلالنا حَقَّهُ مِنَ الإِكْبَارِ والإِجْلَالِ، ونحنُ نتغنَّى باستقلال الناس، فنُسرف في التغني والإنشاد، ومع ذلك فلو أنَّ في مصر شُعراء، ولو أنَّ في مِصْرَ كُتَّابًا، ولو أنَّ في مِصْرَ خُطباء؛ لعلَّموا شُعراء الأرض، وكُتابها وخُطباءها، كيف يكون الشعور بالعزة، وكيف يكون الإعراب عن هذا الشعور في مثل هذه الأيام، التي نُحيِي فيها ذكرى الاستقلال؟

وما رأيك في استقلالٍ عَظِيمٍ صَحِيحٍ حقيقي لا شك فيه، تطلق له المدافع وتعطل له دواوين الدولة، ويستريح له الموظفون في دُورِهم، ويجتمع له الوزراء في دار رئيسهم؛ لأنَّ اجتماعهم في دار الرِّياسة حَرَامٌ، ثم يعظم أمره، ويجل خطره، ويرتفع شأنه، ويُؤدي أَقْصَى ما يُؤديه الاستقلال للشعب المُسْتَقِلِّ من احترام الحُرِّية، وتقديس العزة القومية، وتمكين الناس من إحياء الذِكْرَى، والتَّحَدُّث عَمَّا بذلوا في سبيل هذا الاستقلال العظيم من جهد، وما احتملوا في سبيله من مَشَقَّةٍ وَعَنَاء، فإذا المصريون يصدون صدًّا عن قبور الشُّهداء الذين بذلوا نفوسهم ودماءهم لتكسب مصر هذا الاستقلال، وإذا المِصْرِيُّونَ يُرَدُّون ردًّا عن هذه القُبور، يردهم المصريون، لا يردونهم باللين، ولا بالرِّفق، ولا يصطنعون في ذلك الأَنَاةَ ولا حُسْنَ الذوق، وإنما يردونهم بالعُنف العنيف، والقهر القاهر، يردونهم بالعِصِيِّ والسياط، ويَصُدُّونهم بهذه القُوَّةِ البَائِسَةِ الفَاجِرَة التي يستخذي كل بلد حر من أن تُوجَدَ فيه، ومن أن يعتزَّ بها نفر من أبنائه مهما يكونوا.

وبينما يتقدم الجُنْدُ بأمر الوزارة لصد المصريين عن قبور المصريين، ولرَدِّ المُستقلين عن شُهَدَاءِ الاسْتِقْلَالِ، ولإذلال الشعب في يوم حُرِّية الشعب، ولإهدار كَرَامَةِ الشَّعْبِ في اليوم الذي أعلنت فيه عزة الشعب؛ بينما يكون هذا الخزيُ الذي جَلَّ وعَظُمَ عَنْ أَنْ يكون مُحزنًا مُؤلمًا فأَصْبَحَ مُضْحِكًا سَخِيفًا، بينما يكون هذا كله؛ تطلق المدافع احتفالًا بالاستقلال، وتخفق الرايات تكريمًا للاستقلال، ويَسْتَرِيحُ الموظفون استمتاعًا بالاستقلال، متى يكذب أبو الطيب المُتنبي؟ متى يشهد الزَّمان بأنَّ هذا الشاعر العربي العظيم لم يحكم إلا على عصر من عصور مصر؟ متى تُسجل الأيام أنَّ المضحكات التي رآها أبو الطيب تثير ضحك الناس وبكاءهم في وقت واحد، فسجلها في بيته الخالد تسجيلًا، قد انقضى عهدها، وأصبحت من الأحاديث؟ متى تسجل الأيام أن المصريين جميعًا يَرْتَفِعُون بأنفسهم عن أنْ يسخروا من أنفسهم، وينزهون أنفسهم عن هذا السخف، الذي يلجُّون فيه منذ أعوام؟

متى يوجد المصريون، الذين لا يحلفون بالاستقلال وهم يُذِلُّون الشعبَ إِذلالًا ولا يُعْلِنُون عِيدَ الاسْتِقْلال وهم يردون أحياء الشعب عن أمواته، ويَصُدُّون الأُمَّة عن قبور أبنائها؟ متى يوجد المصريون الذين يلون الحكم، فيضنُّوا به أن يكون هزلًا، ويستحوا أن يقول عنهم الأجانب ما يقولونه عنهم الآن؟! نستغفر الله، فهؤلاء المصريون موجودون، ولكنَّ أُمورَ مِصْرَ ليست إليهم؛ لأَنَّهُم حين يَلُونَ أمورَ مِصْرَ لا يعرِّضون وطنهم للسخرية، ولا يغرون الأجانب بأن يهزءوا من الشعب ويتخذوه مَوضُوعًا لسمر الليل، ولهو الحديث.

لقد كان مُخزيًا هذا الذي تحدث الناس به يوم الاستقلال، مُخزيًا يستحي منه كل مصري يشعُر بأنَّه إنسان، يعيش في بلد مُتَحَضِّر. كان مخزيًا أن يرى المصري رايات تخفق، ويسمع مدافع تطلق، ويقرأ في الصحف أنَّ مِصْرَ تحتفل بالاستقلال، وأن يرى ويسمع مع ذلك أنَّ أَبْنَاءَ الشَّعْبِ الحر المستقل يضربون بالعصيِّ، ويُرَدُّونَ عن القبور بالهراوات، وينظر الأجانب إلى الضاربين والمضروبين، وإلى الرَّادِّين والمردودين، فيحزن منهم من يحزن، ويفرح منهم من يفرح، ويضحكون جميعًا من عبث الزَّمان وسُخرية الأقدار.

كان مُخزيًا هذا الذي وقع في الإسكندرية، وانتهى إلى ما يحدث الآن في الإسكندرية من مُحاكمة جماعة من أحياء المصريين يريدون أن يزوروا قبور جماعة من شُهداء المصريين بذلوا نفوسهم ودِماءهم، واستقبلوا الموت لتحيا بلادهم كريمة عزيزة، فيرُدهُم الجُند عن ذلك، فإذا أَبوا أنْ يرتدوا صدهم عن ذلك صدًّا وأعمل في أجسامهم عصيَّه وسياطه، ثم فرقهم وقبض على من قبض عليه منهم، ثم أرسلهم إلى السجن، فقضوا فيه بياض النهار وقضوا فيه سواد الليل، ثم قضوا فيه بياض النهار، ثُمَّ قَضُوا فيه سواد الليل، لا يُفَارِقُونه إلا رَيْثَمَا يسألون، ثم يردون إليه، كل هذا يقع احتفالًا بعيد الاستقلال، وإكبارًا ليوم الاستقلال، وتسجيلًا لهذا البلاء الحسن الذي أبلته مصر، حين ضحَّت ما ضحت، واحتملت ما احتملت حتى كسبت الاستقلال، والغريب أن لنا وزراء، وأنَّ هؤلاء الوزراء مِصْرِيُّونَ، وأَنَّهُم يستطيعون أن يلقوا الأجانب، وأنَّهم يستطيعون أنْ يلقوا المصريين، وأنهم يستطيعون أن يختلفوا بين دورهم ومكاتبهم، وأنْ ينظروا في الأوراق، ويتناولوا الأقلام، ويُشرفوا على تصريف الأُمور، لا يأخذهم ألم، ولا يمسهم حزن، ولا يسعى إليهم الحياء ولا تضطرب الأقلام في أيديهم، لهول ما يَرَون مما يحدث في مصر بأمرهم، أو على كره منهم، وهم لا يعلمون.

هذا غريب! ولكنه واقع، واقعٌ تراه أنتَ وأراه أنا، ويراه غيرُك وغَيرِي، ونألم له جميعًا، ثم لا نستطيع له ردًّا ولا دفعًا؛ لأنَّ أمورنا ليستْ في أيدينا، ولأنَّ مَرافقنا ليست إلينا، وإنَّما هي إلى قوم آخرين يريدون أنْ يَضْحَكُوا فهم يتخذوننا أدوات إلى هذا الضحك، يُريدون أنْ يلهوا فهم يسخروننا وسائل لهذا اللهو. ويح الإنجليز! لقد ضحكوا وأَسْرَفوا في الضحك منذ أربعة أعوام، ولقد لهوا وأغرقوا في اللهو منذ أربعة أعوام. لقد رأوا من هذه المهازل ما كان من حَقِّهِ أَنْ يصرفهم عنها، وينفِّرهم منها، ويزهدهم فيها، ولكنهم فيما يظهر لا يشبعون من الضحك، ولا يقنعون بحظ من اللهو، ويُسرفون في الجد إذا كانوا في بلادهم، فإذا هبطوا إلى هذه البلاد البائسة، رفهوا أنفسهم، وسلوا منها الهموم بهذا الهزل الذي يُثيرونه ثم ينظرون إليه وهم يسخرون.

ومع ذلك فهؤلاء الإنجليز يتحدَّثون بأنهم يريدون أنْ يَكْسبوا مودة مصر، وأنْ يُحسنوا بينهم وبيننا الصلات، وأن يشعرونا بأنَّهُم لا يُريدون بنا شرًّا، ولا يُدَبِّرون لنا كيدًا، فليس ما نحنُ فيه سبيلًا إلى ما يبتغون.

إنهم ليعلمون حقَّ العِلْمِ أنَّ المصريين قد ضاقوا بهذا الهزل حتى سئموه ومجُّوه. إنهم ليعلمون حقَّ العلم أنَّ المصريين قد ضاقوا بهذا الظلم حتى ضجوا منه. إنهم ليعلمون أن المصريين قد صبروا فأطالوا الصبر، واحتملوا فأحسنوا الاحتمال. إنَّهم ليعلمون أنَّ المصريين ناس مثلهم، لهم قلوبٌ تشعر، وعقولٌ تفهم، وبصائر تميز بين الجد والهزل. إِنَّهُم ليعلمون أنَّ الشَّعْبَ المِصري كله يشعر بهذا الشر الذي يلم به، ويألم بهذا الظلم الذي يسلط عليه. فماذا يعجب الإنجليز من أن يروا شعبًا كاملًا يألم هذا الألم، ويحتمل هذا الضيق في غير نفع لهم، وفي غير إصلاح ما بينهم وبيننا من صلات.

ليس الإنجليز ضعفاء، وإنما هم أقوياء، لا ينكر قوتهم أحد، ولا يشكُّ في سلطانهم أحد، فهم ليسوا في حاجة إلى المخادعة، وهم ليسوا في حاجة إلى الرياء، فهم ليسوا في حاجة إلى أن يقولوا للناس ما لا يستطيع الناس له تصديقًا، فما بالهم يزعمون لنا أننا مُستقلون؟! وما بالهم يزعمون لنا أنهم على الحياد وهم يعلمون حق العلم أن لو كنا مُستقلين ما رُدَّ أحياؤنا عن أمواتنا، ولا صدت الأُمَّة عن قبور أبنائها، وهم يعلمون أنْ لو كانوا على حياد حقًّا ما استطاع وزراؤنا أن يُمْضُوا فينا مثل هذا الأمر، ولا أنْ يستمتعوا بيننا بمثل هذا السلطان؟!

لقد آن للإنجليز أنْ يُواجهوا الحق، في صراحة وصدق وإخلاص، وأنْ يَقُولوا للمصريين أنهم يُريدون أنْ يذلوهم إذلالًا صريحًا، أو أنهم يريدون أن يصافوهم مصافاةً صريحة، فإنْ تكن الأولى فإنَّ المصريين قد يعرفون كيف يلقون إذلال الأجنبي لهم، وإن تكن الثانية فإن المصريين قد يعرفون كيف تكون المصافاة، وكيف تكون مظاهر المودة.

أما هذا الموقف الذي يقفونه الآن، والذي بَعُدَ به العهد، وطال عليه الأمد؛ فقد افتضح أمره مُنذ أول هذا العهد، وهو لا يَزْدَادُ الآن إلا افتضاحًا، والإنجليز يرون أنه لم ينتهِ بهم إلى خير، وأنه لا يمكن أن ينتهي بهم إلى خير. لقد أخفقت التجربة وآن أن يعدل عنها المجرمون. لقد آن للإنجليز أن يحدثوا أنفسهم به من قبل، وهو أنَّ المصريين لا يمكن أن يُؤْخَذوا بالخداع. أما وزراؤنا وسادتنا الذين يسلطون علينا اليوم تسليطًا؛ فيحتفلون بعيد الاستقلال، احتفالًا قِوَامُه إذلال الشعب واستعباده، فليس لنا أن نتحدث إليهم أو أن نلومهم في شيء؛ لأننا لا نعتقد أنهم يقدرون على شيء لولا أنهم مسندون يأوون إلى ركن شديد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.