أمَّا أن وزارتنا القائمة قد ملأت مصر عدلًا بعد أن ملأتها وزارة الوفد جورًا، فهذا شيءٌ محققٌ لا يشك فيه إلَّا الذين باعوا عقولهم في الأسواق. وقد كان من جور وزارة الوفد أن يُباح التعليم العام والعالي والخاص لمن شاء من المصريين، لا يحد هذه الإباحة إلَّا أقصى الطاقة التي تستطيع معاهد العلم أن تحتملها.

وافتنَّتْ وزارة الوفد في هذا الجور افتنانًا عجيبًا مدهشًا حقًّا، فألغت المصروفات، وفرضت المجانية في التعليم الابتدائي مقترفةً بذلك هذا الإثم العظيم؛ إثم التسوية بين الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، والقادرين والعاجزين.

وأي ظلم أشنع، وأي إثم أبشع من أن ترتفع بأبناء المحرومين إلى حيث يتعلمون مع أبناء الموفورين، أو من أن تهبط بأبناء المحظوظين إلى حيث يتعلمون مع أبناء الذين كتب عليهم البؤس والحرمان؟ وأي إمعان في الظلم، وإسراف في الإثم، وإيغال في الجور أشد من هذا الذي تورطت فيه وزارة الوفد حين فرضت على أبناء الأغنياء والقادرين أن يتعلموا دون أن يدفعوا على تعليمهم أجرًا، وأن يكون شأنهم في ذلك شأن الذين لا حظَّ لهم من ثروة، ولا نصيب لهم من يسار، وأن يغض من أقدار آبائهم على هذا النحو، ويعاملوا كما يعامل المحتاج، لا لشيء إلَّا لتحقيق هذه البدعة الآثمة التي يسمونها المساواة بين أبناء الوطن الواحد في الحقوق والواجبات؟

وهؤلاء الوفديون طُغاة بُغاة لا يُقدِّرون للناس مكانتهم، ولا يعرفون لهم حقهم، وإلَّا فكيف خطر لهم وكيف استباحوا لأنفسهم أن يفرضوا هذه الذلة على قوم خلقوا للعزة، وأن يُعفوا من أجور التعليم قومًا خلقوا ليدفعوا أجر كل شيء أضعافًا مضاعفة؟ كيف استباحوا لأنفسهم أن يجرحوا كبرياء الذين لا ينبغي أن تُجرح كبرياؤهم، فيسووا بين أبنائهم وأبناء قوم خُلقوا للبؤس والشقاء، وضربت عليهم الذلة والمسكنة؟ ولكن الوفديين أصحاب بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فويلٌ للوفديين من العذاب الأليم يوم يحاسبون ويعاقبون؛ لأنهم حاولوا التسوية بين قوم خُلِقوا من ذهب وآخرين خُلِقوا من طين!

ومن أجل هذا لم يكن بدٌّ من تدارك هذه الكارثة المنكرة، ورد الأمة المصرية إلى مكانها الذي ينبغي لها، إلى مكانها الذي تعرف فيه للناس أقدارهم، وتحفظ لهم فيه مقاماتهم، ويفرق فيه بين الذين خلقوا من ذهب فينبغي أن يمتازوا ويعزوا، والذين خلقوا من طين، فينبغي أن يمتهنوا ويذلوا. وما أحب أن تظن بي، أيها القارئ، أني أتكلف القول، وأتصنع البيان، فأنت لم تنس بعد صيحة الصائحين يوم ابتدع نجيب باشا الهلالي بدعة المجانية في التعليم الابتدائي، فقال الأغنياء: أساء إلينا، وغضَّ من أقدارنا، وسوَّى بيننا وبين قوم خُلِقوا لخدمتنا، وسُخِّروا لطاعتنا، وقال قوم آخرون: إذا لم يكن بدٌّ من العطف على الفقير، والعناية بالبائس، والرفق بالمحروم؛ فأنشئوا لنا مدارس خاصة نعلم فيها أبناءنا دون أن يتعرضوا لهذا الخطر المنكر؛ خطر الاختلاط بين الذين خُلِقوا من ذهب والذين خُلِقوا من طين، وقال أولئك: إنَّا وجدنا آباءنا يفرِّقون بين الغني والفقير، ويميِّزون القوي من الضعيف، ويحتفظون بالفروق بين الطبقات، فما بالكم تعدلون بنا عن هذه السنة الموروثة، وتفرضون علينا هذه البدعة الضالة؟ وأمعن نجيب الهلالي في طغيانه وعدوانه، فأبى حتى أن ينشئ مدارس للأغنياء، وأبى حتى أن يقبل المصروفات من أبناء الأغنياء ليحتفظ لهم بظاهر من الامتياز.

أمَّا الآن، فالحمد لله الذي ردَّ الأمر إلى نصابه، والحق إلى أصحابه، وأنصف المصريين من طغاتهم وبغاتهم الوفديين، فمكَّن الغني من أن يمتاز وينعم بالامتياز، وأسعد الفقير بأن يُمتهن ويَنعَم بالامتهان، وردَّ الفروق بين الطبقات إلى حيث ينبغي أن توجد في كل أمة كريمة تطمع في العدل، وتنفر من الجور. والعدل الصحيح هو أن تعطي كل ذي حقٍّ حقَّه، وحقُّ الغني هو أن يمتاز وينعم، فمكِّنه من الامتياز والنعيم، وحقُّ الفقير هو أن يَهُون ويشقى، فخلَّى بينه وبين الهوان والشقاء.

ابتدعت وزارة الوفد هذه البدعة الآثمة، فلم تتقاضَ من المتعلمين في المدارس الابتدائية — على اختلاف طبقاتهم ومنازل آبائهم — إلَّا نيِّفًا وستين قرشًا ثمنًا للكتب والأدوات، وكانت تتقاضى هذا المبلغ الضئيل مؤقتًا لتلغيه في الميزانية المقبلة بعد أن تضع النظام الجديد للتعليم، فأي إثمٍ في ذات النظام الاجتماعي، وأي إثمٍ في ذات ميزانية الدولة، وأي إثمٍ في ذات العدل والحق؟ وما دامت الوزارة القائمة قد جاءت لتملأ مصر عدلًا بعد أن ملأها الوفد جورًا، فلا أقل من أن تعود بالتعليم إلى سيرته الأولى، ومن أن ترفع أجره في بعض الأحيان إلى أكثر مما كان عليه قبل أن يبتدع الوفد بدعته، وقبل أن يضل نجيب الهلالي ذلك الضلال البعيد.

ومن أجل هذا قرأت في البلاغ أمس، أيها القارئ الكريم، أن تلاميذ المدارس الابتدائية سيدفعون أثمانًا للغذاء، وأثمانًا للكتب والأدوات، واشتراكًا في الألعاب، وتأمينًا للعلاج، وأن متوسط ما سيدفعون من ذلك سيكون ستة جنيهات، وأن من التلاميذ من سيدفعون تسعة جنيهات على أن ينعموا بالخير كله، وأن منهم من سيدفعون ثلاثة جنيهات على أن تُغذَّى نفوسهم بالعلم، وتتضور أجسامهم من الجوع، وأن أحدًا من المتعلمين في المدارس الابتدائية لن يُعفى من هذه النفقات كلها أو بعضها؛ لأنها ليست موضوعًا للإعفاء، وأن من التلاميذ من سيدفعون تلك الجنيهات الثلاثة وسيجدون هذه اللذة الحلوة المرة، الجميلة البشعة، الناعمة الخشنة؛ لذة الجائع الذي يرى غيره يأكل، والظمآن الذي يرى غيره يشرب، والمحروم الذي يرى غيره ينعم.

وقد تقدِّر أني أعبث، فثق بأني لا أقول إلَّا الحق، وقد تقدِّر أني أتكلف، فثق بأني لم أتجاوز القصد. وأنت بعد ذلك أبٌ وأخٌ أو ولي أمر لتلميذ، فأنت تعلم من ذلك مثل ما أعلم، وتنعم من ذلك بمثل ما أنعم به، وترضى من ذلك عن مثل ما أرضى عنه.

وأغرب من ذلك أن وزير المعارف قد صرَّح في الصحف وفي البرلمان، وما زال يصرِّح، وسيصرِّح غدًا وبعد غدٍ بأن المجانية ما زالت باقية في التعليم الابتدائي لم تلغَ، ولم تُخفَّض؛ لأنه لا يتقاضى أجرًا للتعليم، وإنما يتقاضى ثمنًا للغذاء والكتاب، وما ينبغي أن تضيع وزارة الغذاء والكساء أثمان ما تقدم إلى التلاميذ من الطعام الذي يغذي نفوسهم، فوزارة الغذاء والكساء لم تقل قط أنها ستغذي الناس بلا ثمن.

وقد كانت وزارة الوفد ظالمة حين أرادت أن تغذي التلاميذ على حساب الدولة، وكانت ظالمة حين خفضت أثمان الكتب إلى نيف وستين قرشًا، فليُرفع هذا الظلم، وليأخذ العدل طريقه حتى يظل مصر كلها بظله الوارف، ويشمل مصر كلها بخيره الكثير.

وكانت وزارة الوفد قد أسرفت في المجانية بالقياس إلى التعليم الثانوي، فمنحتها بغير حساب حتى كادت تبلغ بها الخمسين في المائة؛ لأنها كانت ممعنة في البدع، مسرفة في الظلم، تريد أن تقر المجانية في التعليم الثانوي كما أقرتها في التعليم الابتدائي، وكانت هذه الوزارة مهملة أشد الإهمال مضيعة لحقوق الدولة أشد التضييع، لا تشق بالمطالبة على الذين يعجزون عن أداء المصروفات، ولو بقيت هذه الوزارة الآثمة لما دفع مصري أجرًا للتعليم الثانوي في هذا العام الدراسي الجديد.

فالحمد لله الذي رفع عن مصر غضبه ومقته، وشملها برحمته التي وسعت كل شيء: سيدفع التلاميذ في المدارس الثانوية أجور التعليم عن يد وهم صاغرون؛ لأن أجور التعليم يجب أن تُدفع. وإذا لم يكن بدٌّ من مجانية، فستوزع على المستحقين منهم بالعدل كما يقطر الدواء للمريض بالمقدار الذي يخصصه الطبيب. ذلك أحرى أن يمتاز الغني من الفقير، ويستعلي القوي على الضعيف، ويسخر القادر من العاجز، ويعرف الشعب المصري أن بدعة المساواة إثم لا يقترفه إلَّا الوفديون الظالمون.

تريد أن يظفر ابنك بالمجانية في التعليم الثانوي، فينبغي أن يظفر بدرجات معلومة في الامتحان، فإن لم يبلغها فليدفع أجر التعليم صاغرًا، وينبغي ألَّا يتجاوز سنًّا محدودة، فإن تجاوزها فليدفع أجر التعليم صاغرًا. وقد يكون ابنك ذكيًّا، ولكن الحظ قد أخطأه أو تأخر به.

فكل هذا كلام فارغ يحفل به الوفديون المحمقون. فأمَّا أصحاب الأحلام الراجحة، والبصائر النافذة، والعدل المطلق، والحق الذي لا شك فيه، فإنما يضعون القواعد على أصول البيداجوجيا والبسكولوجيا والديماجوجيا، ثم لا ينحرفون عنها قيد أنملة مهما تكن الظروف.

وكانت وزارة الوفد الآثمة قد يسَّرت على الناس بغير حساب أمر التعليم الجامعي، فتوسعت في المجانية، ولم تشتط في المطالبة، ونشأ عن ذلك شرٌّ كثير. طمع الخاملون في أن ينبهوا، وطمع العاجزون في أن يقدروا، وطمع المغمورون في أن يمتازوا، وطمعت شمس العلم في أن تملأ بعض النفوس إشراقًا، ومن حق هذه النفوس أن تمتلئ ظلمةً وغفلةً وجهلًا وبلهًا.

فيجب إذن أن يدفع الجامعيون أجور التعليم في غير تردد ولا إبطاء ولا التواء، فإن لم يفعلوا؛ ففي ميدان الجهل والغفلة والبطالة متسع للجميع.

ألم أقل لك: إن وزارتنا القائمة قد ملأت مصر عدلًا ورفقًا ورحمةً بعد أن ملأتها وزارة الوفد جورًا وعنفًا وقسوةً.

وكانت وزارة الوفد آثمة حقًّا؛ تقول فتصدق، وتعاهد فتفي، وتعد فتبر، لا تقول للبرلمان غير الحق، ولا تتحدث إلى الصحف بغير الصدق، ولا تعد الشعب إلَّا وفَّت له بما تعد. وكان هذا ناشئًا عن الغفلة والسذاجة؛ لأن وزارة الوفد صدَّقت فيما بينها وبين نفسها أن الكلام الذي يُقال في البرلمان ويُذاع في الصحف، ويُلقى إلى الشعب يجب أن يكون صادقًا صحيحًا، ولم نعلم أن السياسة الذكية الرشيدة هي التي تقول غير ما تعمل، وتعمل غير ما تقول.

ومن أجل ذلك قال وزير المعارف — وما زال يقول وسيقول ما أقام في الحكم: إنه لم يغير ولن يغير من نظام التعليم شيئًا حتى يوافقه البرلمان. هذا كلام قيل ويقال وسيُقال، ولكن نظام التعليم يتغير في أثناء ذلك، سيُهدم من أساسه وينشأ مكانه نظامٌ آخر يلغي التعليم الابتدائي ويحتفظ باسمه؛ لأن الشعب تكفيه الأسماء، وتُنشأ فصول ابتدائية في الرياض تدفع فيها المصروفات، وتنشأ فصول ثانوية في المدارس الابتدائية، وتُلغى اللغات الأجنبية من بعض السنين، وتُغير مناهج التعليم، وكل هذا ليس تغييرًا لنظام التعليم.

فنظام التعليم قائم كما كان، وسيظل قائمًا كما كان، يُغيِّره المجلس الأعلى والبرلمان. فأمَّا حيرة الشعب واختلاط الأمر عليه، وأمَّا اضطراب الوزارة وتفرق الأمر عليها، وأمَّا فوضى المدارس، وأمَّا هذه الألواح المنصوبة التي لا يفهمها أحد، والعبارات المكتوبة التي لا يسيغها أحد؛ فكل ذلك شيءٌ يسير، يسيرٌ جدًّا، لا يدل على تغيير النظام، وإنما يدلُّ على أن الأمور تجري مجراها الطبيعي.

لست أدري أنسى وزير المعارف وأصحابه ما تعلموا من تاريخ روما، أم لا يزالون يذكرون هذا التاريخ؛ فقد يُقال: إن «سلا» الدكتاتور الروماني العظيم أمر بقتل جماعة من الشيوخ، وقُدِّم هؤلاء الشيوخ إلى الموت غير بعيد من المجلس، وكان الدكتاتور يشهد جلسة من جلسات الشيوخ في ذلك الوقت، وجعل الذين يُساقون إلى الموت يتصايحون ويضجون بالشكوى، فلما سمع الشيوخ هذا الضجيج سألوا الدكتاتور عما يجري، فقال لهم باسمًا: «لا شيء، إنما هو أمر من أيسر الأمور.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.