كثيرًا ما يُباهي المسئولون بارتفاع معدلات نمو الناتج الإجمالي المحلي، وهو أمر يستحق الاحتفاء به فعلًا، ولكن لا ينبغي المبالغة في هذا الإنجاز؛ فرغم أن دلالة هذا المؤشر طيبة، فإن «الناتج الإجمالي»، كمعظم المؤشرات، يُخفي من الحقائق بأكثر مما يُظهر. فتحسُّن هذا المؤشر ليس دليلًا قاطعًا على مزيد من السعادة؛ فوراء طريقة حساب هذا المؤشر خبايا كثيرة.

ويعاني علم الاقتصاد من مشكلة مع مفهوم السعادة؛ فالأصل أن الفرد يسعى إلى تحقيق ما يوفر له مزيدًا من السعادة، فهذا هو الهدف من الحياة، وهو أيضًا الهدف من علم الاقتصاد، فالناس تعمل وتجتهد من أجل إشباع حاجاتها، ومع إشباع هذه الحاجات تتحقق السعادة، وعلى العكس فإن الشعور بالحرمان هو مصدر الشقاء، ومن هنا فإن العمل على إشباع الحاجات هو عمل من أجل زيادة السعادة أو تخفيف حدة الشقاء، وبالتالي فإن هدف الاقتصاد هو، في الأصل، تحقيق السعادة للغالبية من الناس.

ولكن هل صحيح أن الاقتصاد يحقق فعلًا إشباع حاجات الناس، وبالتالي يزيد من سعادتهم؟ للأسف، ليس دائمًا. فالصحيح هو أن اقتصاد السوق يوفر الحاجات لمن يدفع فقط. فالعبرة في الاقتصاد ليست بوجود الحاجة في ذاتها، وإنما بوجود «الحاجة المدعومة بالقدرة على الدفع»؛ فالسوق لا تعترف بالحاجات إلا من خلال الأثمان ومن القادرين على دفعها، فهذه الأثمان تعبر عن مدى إلحاح هذه الحاجات بالنسبة لهؤلاء وحدهم، أما غير القادرين فإن احتياجاتهم تبقى حبيسة في نفوسهم، وتظل خارج الصورة، وليس لها أي وزن في اقتصاد السوق، فالسوق تتعامل مع الأثمان وحدها، وبالتالي فما ليس له «ثمن» ليس له «قيمة» اقتصادية في نظر السوق، وإذا كانت الأخلاق تعرف «القيم» بما يتفق مع التقاليد المستقرة، وتحظى باحترام الغالبية، فإن الاقتصاد لا يعبأ إلا بالأثمان النقدية التي تظهر في السوق؛ ولذلك تندر أوسكار وايلد الكاتب الإنكليزي قائلًا بأن هناك من الناس من «يعرفون كل شيء عن الثمن دون أن يعرفوا شيئًا عن القيمة». والمفهوم طبعًا أن وايلد كان يقصد «بالقيمة» هنا المعنى الأخلاقي وليس المعنى الاقتصادي.

ولذلك فإن السوق لا تحقق السعادة إلا لمن يقدر على دفع الثمن، فهي تتاح فقط لأعضاء نادٍ خاص، وهم من يتمتعون بدخول مناسبة، وهكذا فإن تحقيق السعادة الشعبية من خلال اقتصاد السوق يرتبط بمدى عدالة توزيع الثروات والدخول؛ فكلما كان هذا التوزيع أقرب إلى العدالة، كلما كان اقتصاد السوق أقدر على توفير سعادة البشر؛ ولذلك فإن الحديث عن معدلات نمو «الناتج الإجمالي» بعيدًا عن الإشارة إلى شكل توزيع الثروة والدخول هو أقرب إلى النكتة المشهورة عن ساعي المكتب الذي يقول: «أنا والبيه المدير نقبض خمسين ألف جنيه في الشهر!» ومن أسف، فإنه رغم كل ما ينشر عن معدلات نمو «الناتج الإجمالي»، فإن ما ينشر عن «توزيع الناتج الإجمالي» بين مختلف الفئات ما يزال محدودًا وغير معروف لدى العامة، وما يعرف يؤكد أن هذا التوزيع يزداد سوءًا بتركُّز الثروات يومًا بعد يوم مع تفاوت الدخول وبشكل متزايد.

وبصرف النظر عن قضية توزيع الدخول والثروات، فإن دلالة مفهوم «الناتج الإجمالي» تتطلب المعرفة بمضمون هذا المفهوم وطريقة حسابه، فإذا كان معظم الناس يتجهون إلى اعتبار «الناتج الإجمالي» مؤشرًا على زيادة إشباع حاجات الناس، فمن المفيد أن نعرف — بعيدًا عن قضية التوزيع — كيف يحسب هذا الناتج الإجمالي.

وإذا نظرنا إلى الاقتصاد الوطني نجد أن الجزء الأهم من الإنتاج يتحقق من خلال السوق، حيث تباع السلع وتشترى وفقًا لأثمانها، وهنا يقال: إن مزيدًا من هذا الإنتاج الخاص يمثل زيادة في الرفاهية العامة (بافتراض أن توزيع الدخول والثروات مقبولًا ومشروعًا)، وتحسب قيمة هذا الإنتاج وفقًا للأثمان السائدة في السوق، ولكن ماذا عن خدمات الحكومة — وهي خدمات مجانية — تقدم عادةً للناس بدون ثمن؟ ويقدر هذا الإنفاق الحكومي بحوالي نصف «الناتج الإجمالي». وإذا دخلت هذه الخدمات في الناتج الإجمالي، فكيف تحسب قيمة هذه الخدمات في هذا الحساب إذا لم يكن لها أثمان في السوق؟ وهل كل زيادة في الإنفاق الحكومي تعني بالضرورة زيادة أيضًا في السعادة الشعبية؟

وبعيدًا عن مشاكل الإحصاء العملية في تجميع البيانات بصفة عامة، واعتمادها في كثير من الأحوال على التقديرات الجزافية، فإن بند الإنفاق الحكومي يثير صعوبات نظرية، فضلًا عن أنه يعكس بالدرجة الأولى أولويات النظام السياسي السائد، وأخيرًا فإن أسلوب حساب مساهمة الإنفاق الحكومي في «الناتج الإجمالي» كثيرًا ما يعطي انطباعات مضللة.

حقًّا توفر الدولة الأمن في الداخل، وتدافع في الخارج عن حدود الوطن، كما تضمن تحقيق العدالة للأفراد، وهي تتكلف مقابل ذلك بالمرتبات والعتاد. أليس هذا إشباعًا لحاجة المواطن للشعور بالأمن والدفاع والعدالة، وأليست هذه هي أهم الاحتياجات للأفراد في كل المجتمعات البشرية؟ وهكذا، فإن وجود الدولة وتوفيرها لهذه الخدمات الرئيسة هو الشرط الأول لقيام المجتمعات، وبالتالي الأساس في توفير السعادة للأفراد. ولا تقتصر الدولة على تقديم هذه الخدمات الأساسية في الأمن والدفاع والعدالة، بل إنها تقوم أيضًا بتوفير البنية الأساسية المادية والمؤسسية من طرق وموانئ ومدارس ومستشفيات ومراكز للبحوث والتأهيل … والقائمة طويلة.

ولذلك فلا بد أن تدخل كل هذه الخدمات في «الناتج الإجمالي»، ولكن كيف تُقوَّم هذه الخدمات وهي تقدم غالبًا بالمجان ولا أثمان لها؟ فكيف تحسب قيمة هذه الخدمات؟ جرى الاتفاق العالمي على أن تحسب خدمات الحكومة المجانية وفقًا لتكلفة أدائها. فهنا نعتبر أن ما تنفقه الدولة من أعباء وتكاليف في سبيل أداء هذه الخدمات العامة يمثل «قيمة اقتصادية»، وتحسب على هذا الأساس في الناتج الإجمالي. وهكذا كلما زاد إنفاق الدولة كلما أمكن القول بأن الناتج الإجمالي قد زاد، وبالتالي زادت السعادة العامة. يستوي في ذلك أن يكون هذا الإنفاق كفئًا أو غير كُفءٍ، ضروريًّا أو غير ضروري. فإذا زاد الإنفاق على مصلحة حكومية سيئة الإدارة مثلًا، فإن ذلك يعتبر — حكمًا — زيادة في السعادة العامة. لقد قيل: إن حملة دعم ترشيح وزير الثقافة لليونسكو قد كلفت الدولة عشرات الملايين، ومن قبلها أنفقت ملايين أخرى فيما عُرف بقضية صفر المونديال. فهل كانت هذه التكاليف من أسباب سعادة المواطنين أم شقائهم؟ الأمر غير واضح.

ومن هنا أهمية النظام السياسي ومدى حدود المساءلة الحقيقية على إنفاق الدولة؛ فهناك ضرورة للشفافية الكاملة عن كافة المصروفات، وأن يتم ذلك بشكل تفصيلي ودون بنود غير معلنة أو غير مبوبة، كما يلزم أن تكون هذه المساءلة جادة ومقنعة، ومن المعروف أن الموازنة تقدم لمجلس الشعب في آخر دورة انعقاده قبل العطلة الصيفية، وتتم الموافقة عليها دون تعديل يذكر، كما أن الحساب الختامي لميزانية الدولة يتأخر إصداره كثيرًا، كما لا يثير عادةً سوى اهتمام محدود، ولعدة أيام.

ولكن هل يتحقق ذلك في كل النظم السياسية؟ وهل يستوي الأمر في دولة ديمقراطية كما في دولة استبدادية؟ وهل تعتبر زيادة الإنفاق على قوى الأمن المركزي — خاصة إذا استخدمت ضد التجمعات الشعبية السلمية — إضافة للسعادة العامة للأفراد، أم هي في الواقع حماية للنظام السياسي؟ وإذا استخدمت قوانين الطوارئ لاعتقال الأفراد دون محاكمة، مع ما يترتب عليه من نفقات للحراسة والتحقيق والاعتقال وغيرها، فهل كل هذا يعتبر زيادة في رفاهية الشعب وسعادته؟ وهل بناء الاستراحات هو أيضًا إضافة لرفاهية الجماهير مما يزيد من سعادتهم؟ وهل أضيفت التكاليف التي أنفقت على مشروعات أبو طرطور للفوسفات أو توشكي إلى «الناتج الإجمالي» أم خصمت منه باعتبارها خسائر؟ وهل زيارات المسئولين المتعددة إلى الخارج مع وفودهم الكبيرة لمختلف الدول بما تتكلفه من مصاريف هي أيضًا من أسباب سعادة الجماهير؟

إن عدد السفارات المصرية في الخارج يجاوز عدد السفارات لكثير من الدول المتقدمة، باستثناء الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا وربما روسيا، ولنا سفارات في دول لا نكاد نتعامل معها اقتصاديًّا أو سياسيًّا. ومع هذا الإسراف في البعثات الدبلوماسية والإعلامية والصحية والثقافية، فإن مصالحنا الحيوية تتعرض للخطر في مناطق هامة مثل حوض النيل! المفروض أن الإنفاق الحكومي يعتبر إضافة «للناتج الإجمالي» بالقدر الذي يزيد من رفاهية المجتمع، ولكنه يعتبر خسارة ينبغي أن تخصم من هذا الناتج إذا أسيئ استخدامه في مشروعات فاشلة، وهذا طبعًا لا يحدث.

إننا نتحدث عن الناتج الإجمالي ومعدلات نموه كما لو كان بقرات مقدسة لا تحتمل التأويل ولا يأتيها الباطل من أي جانب. حقًّا إن «الناتج الإجمالي» مؤشر هام لا يمكن التجاوز عنه، ولكن معرفة مكونات هذا المؤشر وطريقة حسابه لا تقل أهمية، وكذا توزيع هذا الناتج بين مختلف الفئات أمر لا مناص منه؛ فقد يتضاعف الإنفاق الحكومي على الأمن المركزي وأمثلته، في الوقت الذي يتضاءل فيه الإنفاق الحكومي على التعليم أو الصحة أو حتى على مكافحة الجرائم العادية. فهل يعتبر ذلك مؤشرًا على مزيد من السعادة أم دليلًا على مزيد من الشقاء؟ أسئلة مطروحة.

كل هذا يؤكد أن استخدام المفاهيم والاصطلاحات الاقتصادية وحدها دون إطار سليم من نظم سياسية ودستورية مناسبة قد يكون خادعًا؛ فليست كل زيادة في رقم الإنفاق العام الحكومي في الناتج الإجمالي نعمة، فهناك إنفاق عام يزيد من الشقاء العام، كما أن هناك ما يمكن أن يحقق بعض السعادة، وفي جميع الأحوال فإن قليلًا من التواضع لا يضر. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.