يسهل أحيانًا نسيان أن التطور عمل في طور التنفيذ طوال الوقت. فنحن نتأمل العين أو ننظر إلى شجرة بلوط ونتساءل كيف يمكن تحسينهما؟ وننسى إلى حد ما في أوقات الدهشة هذه انفصال الشبكية والموت المفاجئ لشجر البلوط. في حقيقة الأمر لا يتحقق الفوز في سباق التطور بالوصول إلى درجة الكمال، وإنما فقط بتحقيق ما هو جيد بدرجة كافية. والعجيب أن أحد أفضل أشكال تواضع مستوى التطور تظهر أمامنا في الوقت الحالي.

إن حادثة التطور التالية من صنعنا تمامًا، ففي عام ١٩٣٦ طُرحت مادة كيميائية تعرف باسم «بنتاكلورفينول» في الأسواق. كانت مشهورة للغاية كوسيلة للحفاظ على أعمدة الهاتف والألواح الخشبية من الفطر والنمل الأبيض. وللأسف اتضح أنها سامة للبشر، فبمجرد دخولها إلى التربة يمكنها أن تلوث الأرض لسنوات. ويرجع هذا إلى أن الجزيء — خمس ذرات كلورين تزين حلقة من ذرات الكربون — لم يكن له وجود من قبل في الطبيعة؛ فلم تتطور الميكروبات من قبل لتتغذى عليه، فكانت هذه المادة سامة لها تمامًا كما أنها سامة لنا.

إلا أنه بداية من سبعينيات القرن العشرين اكتشف العلماء بعض الميكروبات التي بدأت تتغذى على البنتاكلوروفينول. إن الحشرات الآكلة للملوثات مشهورة في نطاق علم الأحياء الدقيقة، حيث يمكن نشرها أحيانًا من أجل تنظيف ما نحدثه من فوضى. لذا أمضى بعض العلماء السنوات الأخيرة في فحص آكلات البنتاكلوروفينول. ففي العام الماضي — على سبيل المثال — نشر الباحثون جينوم أحد هذه الأنواع — «سفينجوبيوم كلوروفينوليكم» — الذي اكتُشف في تربة ملوثة بالبنتاكلوروفينول في ولاية مينيسوتا عام ١٩٨٥.

عندما علمنا لأول مرة كيف تتغذى السفينجوبيوم على البنتاكلوروفينول، بعث فينا هذا الدهشة والإجلال نفسه الذي بعثته فينا العين وشجرة البلوط. فهي تستخدم سلسلة من الإنزيمات من أجل إزالة ذرات الكلورين واحدة تلو الأخرى، تمامًا مثلما تزيل الغوريلا الأشواك من نبات القراص. ومع ذلك بالرغم من تعقد الكيمياء الحيوية للسفينجوبيوم، فإنها تؤدي مهمة متواضعة للغاية تتمثل في التغذي على البنتاكلوروفينول.

أجرت شيلي كوبلي من جامعة كولورادو وزملاؤها تجارب على الإنزيمات الفردية التي يستخدمها هذا النوع من البكتيريا. إنها تعمل فعليًّا أبطأ من الإنزيمات المعتادة التي تدخل في عملية تحليل السموم. فهي عندما تمسك بالجزيء عادةً ما ترخي قبضتها، وأحيانًا تمسك بجزيء مختلف بدلًا من ذلك. وبينما تستطيع السفينجوبيوم تناول البنتاكلوروفينول، فإنها غير محصنة بالكامل ضد مخاطره. فعند تعريض البكتيريا لدرجة عالية من ذلك المبيد تموت.

هذا وعند إلقاء نظرة على الجينات التي تشفر الإنزيمات يتضح لنا لماذا هي متواضعة القدرة جدًّا: إنها جديدة على المهمة. فبينما تعمل جميعها معًا مثل عمال على خط تجميع، فإنها تأتي من مصادر مختلفة. تمكنت كوبلي وزملاؤها من الحصول على بعض المعلومات عن هذه المصادر من خلال مقارنة السفينجوبيوم كلوروفينوليكم بالأنواع وثيقة الصلة بها التي لا تستطيع تحليل البنتاكلوروفينول. وقد لخصوا فهمهم الحالي لتطور عملية التغذي على البنتاكلوروفينول في رسم بياني، أوردتُه فيما يلي. تُظهر الجزيئات تفكك البنتاكلوروفينول. إنزيمات الميكروب مكتوبة باللون الأحمر فوق أسهم تفاعل. (Spont.: تعني أن التفاعل يحدث تلقائيًّا.)

أما الجزء المحدد باللون الأخضر فهو أقدم جزء في هذا التسلسل. يوجد إنزيما PcpA وPcpE لدى البكتيريا ذات الصلة وتستخدمهما في تحليل الجزيئات التي تشبه البنتاكلوروفينول في هذه المرحلة من التفاعلات. إلا أن الجينات في الخطوتين المحددتين باللون الأزرق والأصفر لم تكن موجودة في هذا السلف المشترك. عوضًا عن ذلك حصلت عليهم السفينجوبيوم كلوروفينوليكم عقب انفصالها عن أقاربها.

المصدر: العدد ٢ من دورية «جينوم بيولوجي آند إيفولوشن»، المجلد ٤، الصفحات ١٨٤–١٩٨، محدد الكيان الرقمي: 10.1093 / gbe / evr137

المصدر: العدد ٢ من دورية «جينوم بيولوجي آند إيفولوشن»، المجلد ٤، الصفحات ١٨٤–١٩٨، محدد الكيان الرقمي: 10.1093 / gbe / evr137

تعرف هذه العملية باسم «النقل الجيني الأفقي» وهي شائعة في عالم الميكروبات، حيث تمتص الميكروبات الحمض النووي من الميكروبات النافقة المجاورة لها، وتنقل الفيروسات الجينات سريعًا إلى العائلين الجدد، حتى إن الميكروبات أحيانًا تبني أنابيب من أجل حقن جيناتها في الميكروبات الأخرى. تعرف العلماء على النقل الجيني الأفقي عندما بدأت البكتيريا في مقايضة الجينات بمقاومة المضادات الحيوية، مما جعل العقاقير الممتازة تفقد قيمتها. إلا أن هذه الحالات كانت بسيطة نسبيًّا؛ فيستطيع جين واحد بمفرده إعطاء البكتيريا حماية أفضل ضد المضادات الحيوية.

أما ما يحدث مع السفينجوبيوم فهو أكثر تعقيدًا. فقد انتقلت مجموعتان من الجينات إلى البكتيريا، حيث ارتبطتا معًا، وكذلك مع مجموعة من الجينات التي كانت موجودة بالفعل، واضطلعت معًا بمهمة جديدة تمامًا لم تكن أي منها قادرة على التعامل معها من قبل؛ ألا وهي تحليل البنتاكلوروفينول.

لا يعرف العلماء بعد من أين تأتي هذه الأجزاء من تسلسل البنتاكلوروفينول، أو ماذا كانت تفعل بالضبط داخل الميكروبات الأقدم. توجد علاقة وثيقة بين إنزيم PcpC الموجود في الجزء المحدد باللون الأصفر والإنزيمات المحلِّلة للبروتينات. وفي الواقع لا يزال بإمكان إنزيم PcpC تحليل البروتينات، رغم أنه ليس بكفاءة الإنزيمات الأكثر تخصصًا. فربما كان تحليل البروتينات مهمته السابقة، ولم تظهر قدرته على المساعدة في تحليل الجزيئات الحاملة للكلورين إلا فيما بعد.

لقد استمرت الجينات الموجودة في هذا التسلسل في التطور على مدار العقود القليلة الماضية. هذا ويفضِّل الانتقاءُ الطبيعي الميكروبات التي تستطيع النمو على نحو أسرع على البنتاكلوروفينول من منافسيها. إلا أن المنافسة لم تتوِّج فائزًا بعد؛ فلم تتكيف الإنزيمات بعد على نحو جيد مع تحليل هذا الجزيء السام.

انظر إلى الخطوة الأولى في هذا التسلسل، حيث يزيل إنزيم PcpB ذرة الكلورين الأولى. عادةً ما تجعل الإنزيماتُ الجزيئات أقل سُمِّية من قبل، إلا أن إنزيم PcpB يفعل العكس. فهو يحول البنتاكلوروفينول إلى التتراكلوروبنزوكينون الكريه، الذي لا يجب العبث معه.

توجد حالات أخرى تجعل فيها الإنزيمات الجزيئات أكثر سُمِّية، بدلًا من تقليل سميتها. إلا أنه في هذه الحالات — حيث يتاح للتطور مزيد من الوقت — تتكيف الإنزيمات لحماية الخلية من تأثيرها السام. ولا يحصل الجزيء أبدًا على فرصة للهرب بعيدًا، ليعيث فسادًا بحرية؛ لأن الإنزيم يرتبط بالإنزيم التالي، مسلِّمًا السجين بعناية كبيرة.

لا يستطيع السفينجوبيوم القيام بعملية التسليم هذه، فأقصى ما يمكنه القيام به هو جعل إنزيم PcpB يتعلق بالجزيء حتى يتعثر فيه الإنزيم التالي PcpD صدفة. تمنع هذه الاستراتيجية التتراكلوروبنزوكينون الكريه من الهرب وقتل الميكروب، لكنها تبطئ عملية تحليل الجزيء بأكملها إلى حدٍّ بعيد.

هل سيتمكن السفينجوبيوم ضعيف القدرات من تطوير قدرته على التسليم؟ لا بد من متابعة الأمر. فإذا كان وصول الميكروب إلى هذه المرحلة قد استغرق بضعة عقود فحسب، فربما نشهد الخطوة التالية خلال فترة حياتنا.

Mediocre Poison Eaters and the Imperfection of Evolution by Carl Zimmer. The Loom. May 17, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.