لما زرتُ بيروت في أوائل يونيو الماضي إجابة لدعوة جمعية العروة الوثقى بالجامعة الأمريكية للاشتراك في الاحتفال باليوبيل الألفي للمتنبي، دعتني عمدة دار الأيتام الإسلامية ببيروت لألقي محاضرة بالدار تتصل بكتابي «حياة محمد»، وقد آثرت أن أُحدِّث القوم عن الحضارتين الأوروبية والإسلامية إجابة لهذه الدعوة الكريمة، على أنني رأيت من الخير أن أزور الدار قبل يوم المحاضرة وأتعرَّف إليها وأعرفها بنفسي، وأجابت عميدة الدار — وهي إدارتها على حد تعبيرنا في مصر — طلبي، فذهبت بعد ظهر الاثنين الثالث من يونيو وجعلت أثناء الطريق أسأل دليلي عن الدار: ما هي؟ وماذا تقوم به من عمل؟

ووقفت بنا العربة على باب بناء فيه عظمة وفيه بساطة، ودلفت إلى فناء الدار ثم إلى حجرة المدير وفي نفسي صورة من هذا المعنى القاسي؛ معنى اليتم وآلامه المادية والمعنوية، وطفت أنحاء المكان ورأيت الأيتام، وسمعت إلى حديث بعضهم، وتحدث إليَّ معلموهم وأروني صناعاتهم، وما غرست أيدي البنين وما غرست أيدي البنات في جوانب ملاعب الدار الفسيحة، وخرجت من الدار وفي نفسي صورة تختلف كل الاختلاف عن الصورة الأولى المنقبضة الأسارير، والتي تمثل ألم الجسد والروح، خرجت وأنا أقول: لا يُتْمَ ولا أيتام وفي الناس قلوب تُغدق من برها ومن حنانها ومن رحمتها أُبوَّة على من حرمهم القدر آباءهم، وأمومة على من حرمهم القدر أمهاتهم، ونعمة على من حرمهم القدر النعمة، وبشاشة على وجوه صغار لولا هذه القلوب لذهبت بشاشتها، بشاشة تجعل أبناء الدار ينعمون بالصحة والعافية وبالمعرفة، والأمل الباسم للحياة، وكذلك خرجت ممتلئًا إعجابًا بمجهود إنساني عظيم تتمثل فيه أسمى المعاني الإنسانية؛ المحبة، والشفقة، والإيثار.

من يومئذ ترد إلى خاطري صورة هذه المبرة وتدعوني إلى أن أسأل: إذا كان يسيرًا على الإنسان تهوين المشقة على الإنسان، وعلى الصغير الذي فقد أعز ما في الحياة، فما بالنا نرى الشقاء مخيمًا على الأرض، فما نلبث نسمع صيحات الأسى والألم منبعثة من أعماق القلوب في أقطار الأرض طرًّا؟ وتهوين المشقة على نحو ما فعلت دار الأيتام الإسلامية ببيروت لا يقتضي عظيم جهد ولا كبير نفقة، وإنما يقتضي عاطفة صادقة وبرًّا مخلصًا بالمحتاج حقًّا إلى هذا البر؛ فهذه المؤسسة البيروتية إنما قام بها أول أمرها رجل واحد هو الدكتور إدريس، قام فدعا الناس إلى هذا البر ملتمسًا من قلوبهم الخير؛ فالتف حوله جماعة من أهل بيروت الذين لا يجلسون من الناس مجالس الحكم، ولا يتمتعون فيهم بعريض الجاه، وأبدوا صادق رغبتهم في معاونته، من هؤلاء سرت العدوى إلى غيرهم، فبذل كلٌّ ما تدعوه عاطفته إلى بذله، تبرع كثيرون بإقامة غرف بالذات أو أجنحة من بناء الدار، لم يقصدوا من ذلك إلا الإحسان ابتغاء رحمة الله وإرضاء لأرواحهم أو أرواح أعزَّةٍ عليهم انتقلوا إلى جوار الله، فشعر أبناؤهم وشعر تلاميذهم وشعر مُحبُّوهم بأن نفوس هؤلاء الأعزَّة تزداد في الدار الآخرة رضًى، وبأن أرواحهم تزداد فيها اطمئنانًا حين تحس بأنها ما برحت تتصل بهذا العالم اتصال برٍّ باليتيم والضعيف والبائس والمحروم.

ولن أنسى معنًى رائعًا تركته هذه الدار في نفسي؛ ذلك أن البر والرحمة كسائر العواطف الإنسانية السامية لا يحول دون ظهورها وتفجر ينابيعها اختلاف الناس في الجنس أو في الدين، فمن الغرف التي أقيمت بهذه الدار الإسلامية ببيروت حيث يربى الأيتام من أبناء المسلمين وبناتهم، غرف أقامها محسنون مسيحيون يتساوى العطف في نفوسهم على اليتيم المسيحي وعلى اليتيم المسلم، ويرون هذا وذاك جديرين بحقٍّ متساوٍ من الحياة والمحبة والإحسان، وكيف يرضى العقل أم كيف ترضى العاطفة أن يحول دين الإنسان بينه وبين الإخاء للإنسان، وبينه وبين الإحسان على أخيه المحتاج للإحسان؟!

وتشترك حكومة لبنان في معاونة الدار كما يعاونها تجار بيروت من أهل البر؛ يرسلون إليها بما يحتاج إليه الأيتام من أشياء لمأكلهم ومشربهم؛ لذلك نرى هؤلاء الأيتام وعلى وجوههم البشاشة، وترى صناعاتهم مثمرة عليها الإقبال تقديرًا لهؤلاء الأبناء وتشجيعًا. وليس في الحياة خير من عمل أُسِّس على البر والتقوى، وليس أجدر من هذا العمل بالبقاء على الحياة.

ترد إلى خاطري صورة هذه المبرة فأسأل نفسي: ما لنا لا نزال نسمع أنات اليأس وصيحات الألم إذا كان يسيرًا تهوين الألم وتيسير المشقة على هذا النحو الجميل الذي رأيت؟! وعندي أن ذلك يرجع إلى هذا الأساس الاقتصادي لحضارة العالم في وقتنا الحاضر، هذه الحضارة التي تجعل المال غرضها الأول، وتستخدم كل شيء في سبيله؛ فهي تستخدم العلم وتستخدم التشريع وتستخدم الفن وتستخدم العواطف لتحويله من طائفة إلى أخرى، في سبيله يهون كل شيء وتهون الحرب ذاتها، يقتل فيها ملايين الناس باسم الحرية تارة، وباسم القضاء على الروح العسكرية تارة أخرى، وباسم الإنسانية نفسها طورًا ثالثًا، وهذه كلها علالات وخدع تنصب في سبيل المال وحصره في يد طائفة من الناس تتحكم عن طريقه في سائر الطوائف تحكمًا هو مبعث هذه الصيحات والأنات التي تحزُّ في كبد ذوي النفوس الحساسة، ولا تلقى عند أرباب المال المتحكمين في غيرهم بسببه إلا ابتسامات ازدراء واحتقار لهؤلاء الذين يَئِنُّون ويتألمون. ولو قامت الحضارة على غير أساس المال، لو قامت على أساس إنساني تبعثه عواطف البر والإخاء والمحبة؛ لأمكن محو الألم أو تهوينه على الأقل، ولاستطاع الإنسان أن يشعر بالإخاء الحق نحو الإنسان.

لما اندلعت الثورة الفرنسية وفكَّر آلهتُها في غزو العالم بمبادئها جعلوا شعارها: الحرية والمساواة والإخاء، وفي سبيل هذا الشعار أريقت دماء وأزهقت أرواح وقيل: بعدًا للظالمين! وقد استطاعت الأجيالُ منذ الثورة إلى ما قبل الحرب الكبرى أن تحقق للناس الحرية والمساواة أمام القانون. حُقِّق هذان المعنيان من شعار الثورة ونُظِّما بالقانون، وتمهيدًا لتنظيم القانون إياهما كتب الكتاب والفلاسفة كتبهم البليغة البارعة في تصوير هذين المعنيين، وكيف يجب لخير الفرد لخير الجماعة أن يتحققا، وأن يكفلهما القانون، وتغنى الشعراء بالحرية والمساواة، وأنشدوا فيهما روائع القصيد، ووضعوا فيهما حلو الأغاني، وكذلك مهد هؤلاء وأولئك لتحقيق الحرية والمساواة وتنظيمهما، فأما الإخاء، فهذا المعنى الأوسط من شعار الثورة الفرنسية، فبقي الأمر فيه متروكًا لعواطف الأفراد لم يتناوله الكتاب والفلاسفة، ولم ينظم فيه الشعراء ما يُمهد لتحقيقه وتنظيمه بالتشريع ليُصبح أمرًا واقعًا كالحرية والمساواة، بل بقي معتبرًا أملًا حلوًا يُشكر الفرد إذا هو حققه وسعى إليه، ولا تثريب عليه إذا هو لم يحفل به ولم يرتح إليه ولم يحققه بالفعل في الحياة، وإنما يرجع السبب في هذا إلى أن الحرية والمساواة اتصلا بمصالح الناس المادية وبنظامهم الاقتصادي، اتصلا بالعوامل الاقتصادية الثلاثة: الطبيعة والعمل ورأس المال، أما الإخاء فبقي معنى إنسانيًّا ساميًا فوق هذه الاعتبارات الاقتصادية وما يحتدم بين الناس من الخصومات بسببها؛ فاعتبر لذلك كمالًا، فالتشريع لا يتناول الكمال ولا ينظم الخُلُق، وإنما ينظم المعاملات وينظم الجرائم والعقوبات.

وسمع الناس أثناء الحرب الكبرى أغنيات الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، لكن الحرب ما كادت تضع أوزارها حتى اعتبرت الحرية نفسها وهمًا من الأوهام، وإذا هي تلحق الإخاء في أنها أمل حلو يُشكر الفرد إذا قدَّره وأجلَّه، وإذا التجنيد الاقتصادي يحل محل التجنيد الحربي فيعصف بالأماني الإنسانية المتواضعة التي تخلفت عن الثورة الفرنسية، ويحيل الإنسان آلة كآلات المصانع، وإذا النضال الاقتصادي على أشده، وإذا التشريع وُضع لحماية هذا النضال تشريعًا لا يُعنى فيه من أمر الأفراد بكثير ولا بقليل، وهذا هو في الحقيقة مصدر القلق الذي يساور الإنسانية في الوقت الحاضر، ويدعو أكبر الساسة الأوروبيين للتساؤل عن مصير الحضارة الأوروبية؛ حضارة المال والاستعمار في سبيل المال.

إن الحضارة التي تقوم على هذا الأساس لا يرجى منها أن تعاون على البر والرحمة، وأن تخفف من ويلات من تقسو الأقدار عليهم، بل هي على العكس من ذلك ترى هؤلاء الذين قست عليهم الأقدار غير صالحين للبقاء، وتقضي عليهم لذلك بأن يفنوا تحت عبء أرزائهم وهمومهم، وفلاسفة أوروبا وكتابها لا يأبون أن يقرروا ذلك، وأن يصارحوا الناس به، ولئن بقيت في بعض النفوس الأوروبية دوافع للعواطف الإنسانية السامية التي تجعل أصحابها يقيمون من أعمال البر ومنشآت الإحسان ما يخفف الألم عن المتألم، والهم عن المهموم، فإن ذلك لا يعتبر في عرف الحضارة الأوروبية واجبًا إنسانيًّا يتحتم القيام به، بل هو في نظر كثيرين من كبار كتاب أوروبا بقية من بقايا الضعف المتخلف عند الإنسان من عصور الحياة الدينية والحياة التجريدية، أما الحياة العلمية فلا تقر في رأيهم هذا الضعف، ولا ترضى عن بقاء الضعفاء في الحياة.

هذا الأساس الذي تقوم عليه حضارة اليوم أساس فاسد في رأينا، وما يدعو إليه الإسلام من البر والتقوى، وما يفرضه على الناس من الزكاة والصدقة، وما يوصي باليتيم والبائس والمحروم هو الأساس الجدير بأن تقوم عليه حضارة إنسانية حقيقة باسم الإنسانية. وقد ثبت على مر الدهور أن النوابغ الذين تهبهم الأقدار خير الصفات الإنسانية ينبتون أغلب أمرهم في البيئات التي صقلها الألم، وهذبت عواطفها الإحساسات القاسية؛ فكبار الشعراء وكبار الأدباء رجال الفن الممتازون والمخترعون الذين نقلوا الإنسانية في أطوار حياتها مراحل واسعة، كان أكثرهم من هذه الطبقات التي تدعو حضارة اليوم إلى إفنائها بدعوى أنها ضعيفة غير صالحة للبقاء، والبر باليتيم والبائس والمحروم أمر يسير كما رأيت فيما قصصنا عليك من بناء دار الأيتام الإسلامية ببيروت؛ فمن خير الإنسانية أن تقيم حضارتها الجديدة على هذه الأسس الإنسانية السامية؛ لتكفل لأبنائها السعادة، وللجماعة الإنسانية كلها الرقي والتقدم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.