طبعًا، وأي إنسان أكثر شغلًا في هذه الأيام من صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر؟! فبين يديه أعمال ثقال تنوء بالجمال والجبال، فضلًا عن الرجال.

وهذه الأعمال منها ما هو معروف ومنها ما هو مجهول، وليس من حق الناس جميعًا ولا من طاقتهم أن يعرفوا ما يشغل به مولانا وأمثاله، وإنما يتاح لهم شيء وتخفى عليهم أشياء، فهم يعلمون مثلًا أن مولانا مشغول بأمر هذا الشيخ المفتش الذي يتهمه بعض الناس بأنه سرق من أموال الدولة، ويقول فيه بعض الناس إنه لم يسرق وإنما كذب، ومولانا مشغول بتحقيق الأمر وإنفاذ حكم الله في الشيخ إن كان سرق، وإجراء حكم الله على الشيخ إن كان كذب، والناس يعلمون أن مولانا مشغول بأمر هذا الرجل الذي زعم أنه شهد الدروس أعوامًا عدة، حتى إذا أدى الامتحان وأصبح من العلماء كشف الله لمولانا حجب الغيب، فتبين له أن العالم الجديد قد خدع الرقباء، وغش الأرصاد، وخيل إليهم أنه حضر مع أنه لم يحضُر، وأنه اختلف إلى الدروس مع أنه لم يختلف إليها، فرفع الشيخ أمره إلى المجلس الأعلى وألغى امتحانه واسترد إجازته.

فلما كان في ليلة من الليالي هتف به هاتف في النوم، بشيء من العتب واللوم، وقال له: لقد تعجلت في أمر هذا المسكين، وأسرفت عليه بهذا العقاب، فمن الذي يستطيع أن يجزم بأنه حضر أو بأنه لم يحضر؟ وأنت تعلم حق العلم أن لبعض الصوفية كرامات تمكِّنهم من أن يحضروا ويسمعوا ويعملوا ويقولوا ثم لا يراهم أحد، ولا يسمعهم ولا يشعر بهم أحد؛ فجائز أن يكون الشيخ قد حضر ولم يحضر! أي أن يكون قد حضر برُوحه لا بجسمه! وأنت تعلم حق العلم أن من الناس من يُرزقون شيئًا من الكرامة يتيح لهم أن يحضروا أمكنة مختلفة، ويسمعوا دروسًا متباعدة، ويشتركوا في أعمال متباينة، ويخطبوا في اجتماعات متعددة في وقت واحد، وشخصهم نائم مكانه لم يبرحه ولم يتجاوزه، والناس يرونه ويطيفون به ويتحدثون إليه؛ فجائز أن يكون هذا العالم الجديد المظلوم قد حضر الدروس في الأزهر، وصلى في المسجد الأقصى، وصلى في المسجد الحرام، وصلى في المسجد النبوي، وصلى في المسجد الأموي، وزار بغداد وإرم ذات العماد! وهو جالس إلى مكتبه في وزارة الحقانية لم يغِب عنه، ولم يفتقده أصحابه لحظة أو بعض لحظة، ولأمرٍ ما قيل: يجب أن تُحمل حال المسلم على الصلاح فلا يكذب حتى يقوم البرهان القاطع على كذبه، وأين السبيل إلى إقامة البرهان على أن هذا الشيخ لم يكُن من أصحاب الأبدال.

قال الراوي: فأفاق الشيخ حائرًا مضطربًا بعض الشيء، لا يدري بم يقضي في أمر هذا الشيخ، أيمضي في حرمانه شهادة العالمية أخذًا بظواهر الأمور، أم يسعى في ردها عليه أخذًا بحديث أهل الباطن؟

فلما كان من الليلة المقبلة، جاءه هاتفان يسعيان أحدهما من يمين والآخر من شمال، أحدهما قصير عريض المنكبين، والآخر طويل ضيق ما بين الكتفين، أحدهما من مراكش والآخر من اليمن، وكلهم شهد أمام الشيخ، وكلهم أكد للشيخ أنه رأى هذا العالم الجديد يختلف إلى الدروس في الأزهر، وأنه كان يختلف معه إلى هذه الدروس، فالتفت الشيخ إلى صاحب اليمين فسأله ما اسمك ومن تكون؟ قال الهاتف في لهجة مغربية: أنا عراف ابن نظاف، رجل من أهل مكناس، وُلِدْتُ في القرن السابع، ونشأت على حب العلم، وما زلت أختلف إلى دروسه في جميع أقطار الأرض دفعة واحدة، فتقع في قلبي كل هذه الدروس على اختلاف لغاتها ومصادرها. قال الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أإنس أنت أم جني؟ قال الهاتف: ومتى رأيت الناس يعمرون كل هذه القرون، ويأتون من الأمر مثل ما آتي؟ إنما أنا رجل من جن مكناس. وهَمَّ الشيخ أن يلتفت إلى صاحب الشمال، فابتدره الرجل قائلًا: كُفِيتَ السؤال عني يا مولانا، أنا جني من أهل الأحقاف، هاجرت إلى اليمن حين افتتحها الأيوبيون، والتقيت في بعض أسفاري بهذا الشيخ عن يمينك فاصطحبنا واشتركنا في طلب العلم، فلما رأينا ظلم هذا العالم الجديد، أشفقنا عليك وعليه، فجئنا نردك إلى الحق، ونهديك إلى الصواب. وأفاق الشيخ حائرًا، مضطربًا في أمر هذه الهواتف، أيصدقها ويرد إلى الشيخ شهادته، أم يكذبها فيمسك الشيخ فيما هو فيه من حرمان؟ والشيخ في هذا كله تهتف به الهواتف إن كان الليل، وتعتريه الهموم إن كان النهار، وفي أثناء ذلك ترسل «السياسة» إلى الشيخ مندوبًا ليتحدث إليه عن المبشرين.

أفٍّ ﻟ «السياسة»! وأين الشيخ من المبشرين؟! ومن ذا الذي زعم ﻟ «السياسة» أن الشيخ فارغ البال ليتحدث عن التبشير والمبشرين؟ إنما يتحدث عن التبشير والمبشرين رجل فارغ البال، هادئ الحال، كالأستاذ المراغي، لا تهتف به هواتف الليل، ولا تعتلجه هموم النهار، هذا الرجل هو الذي يستطيع أن ينكر التبشير، وأن ينصح للحكومة والأمة بالإعراض عن المبشرين، والضرب على أيديهم. ولو أن الأستاذ المراغي مشغول بالدفاع عن من يُتهم بالسرقة أو الكذب أو بهما جميعًا، ولو أن الأستاذ المراغي مشغول بهتاف الهواتف، وطواف الطوائف، لرد مندوب «السياسة» خائبًا كما ردَّه مولانا الأكبر أمس. فأما والأستاذ المراغي فارغ البال فليتحدث، والحديث عن المبشرين فرض كفاية إذا قام به المراغي سقط عن الظواهري! وقد تحدَّث المراغي أول أمس فسكت الظواهري أمس! ولكن «السياسة» قليلة العلم بأحكام الفقه، فهي تعتقد أن على كل عالم من علماء الدين أن يتحدث عن المبشرين، والحديث عن المبشرين لا يخلو من ضرر، ولا سيما حين يكون المتحدث من أهل المناصب الكبرى؛ فهو قد يغلو فيستقيل أو يُقال، وقد يقصر فتسوء به الظنون؛ لذلك لا يفرض الحديث عن المبشرين إلا على علماء الدين الذين لا يخافون على منصب، ولا يشفقون على مرتَّب، ولا يتعرضون لإقالة أو استقالة. ستقول: ولكن الأستاذ المراغي كان شيخًا للأزهر، ولو قد سُئل في أمر المبشرين يومئذٍ لما تلكأ ولا اعتذر، ولا خاف إقالة ولا استقالة، وسيكون الأستاذ المراغي شيخًا للأزهر، وسيُسأل يومئذٍ عن المبشرين وغير المبشرين، وسيجيب يومئذٍ بكلمة الحق لا يخاف على منصب ولا يُشفق على مرتب، وأنا أوافقك على هذا كله لا أشك فيه ولا أرتاب، ولكني أبيِّن لك السبب ليزول العجب، فالشيخ المراغي لا يعرف الخوف؛ لأنه لم يتعود أن يلقى الهواتف من أهل مراكش وأهل اليمن، وإن شئت الوضوح فقل إنه ليس من أهل الباطن، وهو لهذا لا يخاف، ولو قد كُشفت له الأسرار، وانجلت عنه الحجب، وعرف ما يُضمره الدهر لأصحاب الشجاعة والصراحة، لأشفق كما يُشفق غيره، ولخاف كما خاف غيره، ولقال لمندوب «السياسة» حين ذهب إليه: إليك عني فإني مشغول!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.