مع السرور والابتهاج، أيتها الآنسة العزيزة، أجحد أن تكون للخنساء وغيرها من شعراء الجاهلية شخصية تاريخية، وإن كُنتِ ترين في ذلك غير ما أرى، وتَمِيلين إلى غير ما أميل إليه.

الخنساء شخص لا يعرفه التاريخ؛ لأنها عاشت قبله أو لأنه لم يظهر عليها.

لم تكن الكتابة أيام الخنساء شائعة عند العرب؛ فمن اليسير أن نعد عصرها من عصور ما قبل التاريخ. وهبيها كانت شائعة معروفة ومنتشرة في جميع طبقات الأمة، ومُتناوِلةً للدقيق والجليل من حياتها الأدبية والسياسية، فإنها لم تتناول حياة الخنساء، أو تناولتها ولم تصل إلينا لأمر ما، فكل ذلك يكفي كفاية تامة لإلزامنا جحد الشخصية التاريخية للخنساء الآن.

ذاك لأن التاريخ كما يُعرِّفه أصحابه وواضعو مناهجه من المحدثين هو ما استنبط من مصدر مكتوب، فإذا لم يوجد هذا المصدر لم يوجد التاريخ، فلو أن شاعرًا أو كاتبًا يعيش بيننا الآن، ثم لم تتناول الكتابة حياته، أو شيئًا من نظمه أو نثره؛ لكان من الحق عليك وعليَّ أن نجحد شخصيته التاريخية وإن كان قد عاش في عصر التاريخ.

هوميروس اليوناني شخص يجهله التاريخ؛ لأنه عاش قبل أن تشيع الكتابة في الأمة اليونانية، ومع ذلك فنحن نقرأ قصيدتيه كاملتين، ونستفيد منهما الفائدة كلها في تحقيق الحياة الاجتماعية والمدنية لليونان أيام جاهليتهم. وبالإلياذة خاصة استعان المؤرخون والأثريون على استكشاف طروادة، وظفر التاريخ من هذا الاستكشاف بالشيء الكثير، ولكن بندار اليوناني شخص تاريخي لأنه عاش في عصر ظهر التاريخ فيه على كثير من دقائق الحياة اليونانية، ومع ذلك فإن شعره الغنائي الكثير لم يؤدِّ إلى التاريخ من الفائدة مثل ما أدى شعر هوميروس.

من هنا يظهر الفرق بين من نسميه شاعرًا تاريخيًّا وشاعرًا غير تاريخي، ومن هنا يظهر أيضًا أن جهل الشخصية التاريخية لشاعر ما لا يمنع أن يكون هذا الشاعر مفيدًا كل الفائدة للأدب والتاريخ إذا استطاع الباحثون أن يدرسوا حياته وشعره، وما روي عنهما من الأساطير درسًا منظمًا منتجًا.

من المعقول ألا يستفيد التاريخ كثيرًا من الشاعر التاريخي؛ فإن ما يتناوله شعره من الحوادث ونظم الحياة قد يتناوله تاريخ عصره أيضًا، فليس هناك ما يكلف المؤرخ أن يلجأ إلى الشعر؛ ولذلك اعتمد الناس على ما كتب الشعراء التاريخيون من اليونان والرومان في درس ما رووا من الأقاصيص والأساطير أكثر مما اعتمدوا عليه فيما تناولوا من حوادث عصرهم التي ظفر بها التاريخ، وإنا إذا أحببت أن أدرس مقتل المتوكل من الوجهة التاريخية، كان من الحق عليَّ أن أعتمد في هذا الدرس على مؤرخي هذا العصر أكثر مما أعتمد على رثاء البحتري للمتوكل، كل ذلك أمر ظاهر يحسن ألا نطيل القول فيه منذ الآن.

إذا لم تكن الخنساء شخصًا يعرفه التاريخ، فهي شخص تعرفه الرواية من غير شك، ومعرفة الرواية للخنساء أمر تاريخي؛ لأن الكتابة تناولته، وظل التاريخ قد انبسط عليه، فبين أيدينا كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة، وكتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، وهما يثبتان أن العلماء قد رووا من حياة الخنساء وشعرها شيئًا ما. ومن الفضول والغلو في البحث أن نُعنى الآن بإثبات ما كان يجب أن يثبته غيرنا من صحة نسب هذين الكتابين إلى صاحبيهما، ولكن الذي لا نجد من أن نعرض له بُدًّا هو: أن ما بأيدينا من النسخ لهذين الكتابين يجب ألا ينال ثقتنا المطلقة؛ فقد فقدنا نسختي المؤلفين، وفقدنا خطيهما، فمن الجائز أن يكون قد لحق كتابيهما شيء من التغيير والتبديل. ومن الجائز، بل من المحقق أن يكونا قد أصابتهما الزيادة والنقص، فقد رأينا صاحب الأغاني ينص على أنه سيتناول مسائل الأدب في كتابه، ثم لا يفعل، ورأينا اختلافًا بين النسختين المطبوعتين من هذا الكتاب، ورأينا فروقًا غير قليلة بين ما طبع من الشعر والشعراء في مصر وفي أوروبا.

ومن الواضح أن مثل هذه الفروق أو أكثر منها يوجد بين النسخ المخطوطة من هذين الكتابين، وليس منا من يجهل عبث النساخين والمصححين بما ينسخون وما يصححون من الكتب؛ فإن لهم من الجهل والجرأة ما يحملهم على ألوان من العبث قلَّ أن يسلم منها كتاب.

فكيف نستطيع بعد ذلك أن نثق الثقة كلها بأن ما بين يدينا من كتاب الشعر والشعراء وكتاب الأغاني هو نفس ما ترك لنا ابن قتيبة وأبو الفرج.

الشعر والشعراء أقدم مصدر مكتوب وصل إلى أيدينا لحياة الخنساء، وقد كان من الممكن أن تصل إلينا مصادر تاريخية عاصرت الخنساء، فقد كان أبناؤها من الجند، ولعل أسماءهم كانت في الديوان أيام عمر، ولكن ضياع الدواوين وقلة عناية العرب بحفظ أوراقهم الرسمية قد ذهبا بهذا المصدر.

ابن قتيبة رجل معروف من أدباء القرن الثالث وعلمائه، ولكن شهادة النقَّاد فيه لا تجعل حظه من الصدق والتثبت في الرواية موفورًا. والحق أن في كتاب المعارف وكتاب الإمامة والسياسة ما لو صح عن ابن قتيبة لذهب بأكثر قيمته التاريخية.

أبو الفرج الأصبهاني أحفظ علماء القرن الرابع وأجمعهم للرواية، ولكنه كان خليعًا ماجنًا، ومتهتكًا مستهترًا، فلا تحسن فيه شهادة النقَّاد كما أنها لم تحسن في ابن قتيبة.

نحن لا نأخذ أنفسنا في جرح رواة الأدب وتعديلهم بما يأخذ به المحدثون أنفسهم في جرح رجال الحديث وتعديلهم من اشتراط العدالة الدينية، فليس من الحق على الأديب في رأي مؤرخي الآداب أن يكون ورعًا صالحًا، ولا أن يكون عدلًا ديانًا.

وإنما نكتفي بالعدالة العلمية، وهي أن يكون الرجل صحيح العقل، منظمه، غير مزور، ولا مأخوذ بتعمد الكذب في العلم.

هذا الشرط ليس موفورًا على ابن قتيبة؛ لأنه في الإمامة والسياسة لا يخلو من أن يكون حبُّه لآل علي قد ذهب بعقله أو بصدقه العلمي.

فأما صاحب الأغاني فله من هذا الشرط حظه الذي كانت تسمح به الحياة العلمية في عصره؛ فلنتحدث في الأسبوع المقبل عن قيمة الذين اعتمد عليهم صاحب الأغاني من الرواة.

لست أخشى عليك، أيتها الآنسة العزيزة، السأم من هذه المباحث الجافة التي لا يُلطِّف جفاءها شعر رائع أو نثر أنيق؛ فإني أعلم أن لك من الميل إلى الحياة العلمية الخالصة التي لا يقلقها خداع الحس والشعور بما يجعلها سهلة مقبولة ما يفي بمشاركتي في هذا الحديث الغض أوله، الحلو آخره، فيما أرجو. فإلى اللقاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.