أراني كثيرًا ما أقول لنفسي وأنا سائر في طريق الحياة: «اسمع يا شيخ! إن الطريق لا آخر له فإن طوله عمر الدنيا، ولن تقطع إلا بعضه مهما جهدت، ولا قيمة لبضعة أمتار تضيفها إلى ما مشيت، وهذه شجرة لفاء اختلطت فيها بهجة الزهر بنضرة الخضرة، والظل تحتها وارف ممدود، وقد نقب الماء الصخر فتفجر عليه وسال منه، وانطلق يبقبق ويدردر، وهو يتدافع ويتراكب بين الحجارة، وقد طفت على وجهه الحباب واليعابيل، وما في جلسة هنا من بأس. تسند ظهرك إلى جذع الشجرة وتريح أعضاءك المكدودة، وتنعم بالظل والندى، وتتملى بالخضرة والماء؛ فإن لبدنك عليك حقًّا، وقد صدق رسول الله؛ فإن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.»

وأجلس في ظل الشجرة وأحط حملي عن كاهلي، وأمد رجلي، وأُرخي ذراعي، وأستسلم لفتور الراحة برهة، حتى ترتد إليَّ نفسي، فأجيل فيما حولي عينًا مفتوحة كمغمضة، ثم أروح أتلفَّت ممَّا لا يزال أمامي من الطريق إلى ما خلفته ورائي، فلا يهولني الذي لا يزال باقيًا؛ لأني أَلِفْتُ المشي، وطالت تجربتي لما يلقى السائر في طريق لا استواء فيه، ولا علم له بما يفاجئه منه، وما يحوجه إليه. وكل شيء في دنيانا هذه عادة، حتى الخير وحتى النسك والعبادة كما يقول النواسي:

وأكر طرفي فيما فرغت منه فأستغرب أمورًا كثيرة وأتساءل — من البرح والإعياء — عن هذه الحياة العجيبة التي لا سبيل فيها — ما دامت — إلى التوقف وأقول: «إلى أين يا ترى بنا، وما آخر هذا الدءوب الذي لا ينتهي، والسير الذي لا ينقطع، والحركة التي لا تبطل؟ وما الغاية من كل ذلك على كل حال؟»

ولا أجد لسؤالي جوابًا فأكف عن التطلع إلى ما لا يبدو، وطول العهد بالحياة — أعني بمعاناة الحياة — يُدَرِّبُ المرء على الانصراف عن العبث وما لا خير فيه ولا جدوى منه، وأدير عيني فيما كان فأرى أني تخطيت عقبات لم أكن أطمع في اجتيازها، وأن مصاعب ذُلِّلَتْ لي كان الظن أنها أقوى مني، وأني صبرت على أشياء كان يبدو لي أن احتمالها فوق طاقة الإنسان، وأن كل ما صادفت في طريقي وراعني وهالني، وكنت أحسب أنْ لا سبيل إلى النجاة منه أو التغلب عليه؛ قد مر بسلام. وإذا كان قد نال مني، وهدَّ من قوتي، فقد ترك عزمي أقوى، وثقتي أعظم، ونظري أسدَّ وأحكم. فهي حياة عجيبة، يُقبِل عليها الإنسان في صباه بفيض من الحيوية الزاخرة حتى ليكون المرء كله أملًا ورغبة ويقينًا بالفوز وإيمانًا بالظفر، وإذ كان لا تجربة له، ولم يسبق أن قاس قوته على قوة الحياة، فإنه يندفع وصدره عامر باليقين، فلا تزال الحياة تصدمه، وتلكمه، وترده، وتصده، وتدفع في صدره حتى تثقل عليه وطأة الخيبة المتكررة، فيتهافت وهو مذهول، وبرأسه دوار، وبنفسه شك عظيم فيما آمن به، ينظر فلا يرى، ويفكر فلا يهتدي، ولا يلقى لنفسه مخرجًا من حيرته أو مستقرًّا من اضطرابه، ولا تزال الدنيا ترجُّه وتزلزل منه، فإمَّا تَضَعْضَعَ ففَقَدَ نفسه، فهو موجود كمعدوم، وإما فطن إلى حقائق الحياة، وإلى القيمة النسبية للإنسان، فهو مضطر أن يروض نفسه على ذلك حتى يسكن إليه. ولا بد من الإخفاق والخيبات في كل مرحلة، ولكن المجرِّب الذي سبكته الحوادث، وصفت معدنه نارها، لا تنقض مرته الخيبة بل تزيد عزمه قوة، ولا تذهب بثقته ولا تقوِّض كيانه لأنه صار يعرف بماذا ينبغي أن يتلقى وقع الحياة، وما تجيء به من الصروف والغِيَر؛ فهو يعد لها من القوة ما يكافئها، أو على الاْصح ما يقدر بالتجربة أن يكون مكافئًا لها. وليست الكهولة أقوى من الشباب ولكنها أنضج وأحذق، وفرق بين رجلين أحدهما يحاول أن يرفع حجرًا وفي ظنه — لما يأنس من نفسه من القوة — أنه خفيف فلا يعد له من القوة ما يكفي لرفعه، وآخر يحسن التقدير بفضل تجربته السابقة، فهو ينحني على الحجر وهو عارف بما يتطلبه رفعه من الجهد، وإذا خاب الأول فهو لا يخيب لضعف فيه، بل لاغتراره وغرارته. وإذا نجح الثاني فإنه لا ينجح لإرباء في القوة؛ بل لإرباء في التجربة والدُّرْبَة. والحياة تصنع بنا ما نصنع نحن بالأنهار، وكما أننا نضبطها ونتحكم فيها، ونزيد انتفاعنا منها بالسدود والخزانات وما إليها، فلا يضيع منها إلَّا ما لا سبيل على الاحتفاظ به، كذلك تعلمنا الحياة أنَّ فيضها يذهب عبثًا في صدر أيامنا، حتى نضبطه وننظم أمره وندخر ما يمكن ادِّخاره منه، وننفق من ذلك بقدر وحساب، ولو كُنَّا نتلقى الدرس — أو نفطن إليه — في أوانه لما كان ثَمَّ محل للشكوى، ولكن قلة الفطنة ذنبنا لا ذنب الحياة.

ومن هنا تختلف قيم الأشياء تبعًا للسن، ويتفاوت وقعها في الكهولة المدركة والشباب الغرير؛ فترى الأمر الصغير في الصبا يبدو ضخمًا مالئًا للدنيا، أما في الكبر فكل شيء يشغل محله ولا يعدوه أو يجاوزه أو يجور على محل سواه. أذكر أني بعد أن تخرجت في مدرسة المعلمين العليا عُيِّنْتُ مدرسًا للترجمة في المدرسة السعيدية الثانوية، وكان العمل هينًا وأوقاته قليلة — عشر ساعات في الأسبوع كله ليس إلا — فاتفق يومًا أن وصلت إلى باب المدرسة بعد دخول التلاميذ بنصف ساعة، وكان باب المدرسة موصَدًا، وخلفه البواب النوبي، فحسبني تلميذًا لصغر سني وقصر قامتي، وأمرني أن أذهب إلى الباب الثاني الذي يدخل منه التلاميذ المتأخِّرون، فشق عليَّ ذلك، ولكن ما الحيلة؟ ومضيت إلى الباب الثاني فكان بوابه أخشن، وأعنف بي، وأكثر توبيخًا لي، وتركني واقفًا دقائق، وأكب على كتاب صلوات وأدعية كان في يده فضاق صدري، وعز عليَّ أن أُخْلَطَ بالتلاميذ، ولكن ماذا أصنع؟ وأخيرًا شاء الله أن ينقذني من حيرتي، فجاء الأستاذ الهراوي الشاعر المعروف — وكان معنا في المدرسة — فناديته فأدركني. بقيت هذه الحادثة الصغيرة تحز في نفسي زمنًا طويلًا، وأنا الآن أذكرها وأضحك منها، وإذا رويتها رويتها متفكهًا، ولكن وقعها كان أليمًا في وقتها، أما الآن فما أكثر ما أُرَدُّ وأُصَدُّ، وأطلب فلا أنال، وأُقبل فألقى الإعراض؛ فلا أحزن، ولا أكتئب، ولا أجد ألمًا لصدمات الخيبة، لا لأني ألفت ذلك فقط لكثرة ما تكرر، بل لأني صرت أيضًا أصح تقديرًا لقيم الأشياء، وأفطن إلى أواخر الأمور من بداياتها. فالخيبة في أمر جسيم تعدل عندي الخيبة في أمر تافه، وخيبة الأمل في الحب مثلًا هي فيما أحس الآن كخيبة في لقاء صديق كنت أرجو الأنس بمجلسه ساعة فأخلف الميعاد، أو كخيبة في أكلة شهية كنت أطمع أن أنعم وأتلذذ بها ثم حُرِمْتُهَا. ولثقتي — كما لم أكن أثق في صباي — أن كل شيء يمر، وأن كر الأيام يفتر كل وقع، ويهون احتمال ما يشق احتماله في وقته، ويستل ألمه، ويبرد كيه، ويخفف لذعه، لعلمي بذلك صرت لا أجزع لشيء، ولا يثقل عليَّ أمر، ولا يخرجني عن طوري وسكينتي واتزاني حادث مهما جَلَّ؛ لأني أعرف أن الأيام كفيلة بتهوين كل عسير، فأنا أنظر على المصير الهين، وأستعين بذلك على التشدُّد للحاضر الذي يرمض ويزعج.

ومعاناة الحياة تعلم المرء التسامح، وتعوده سعة الصدر، وتدربه على الحلم وتغريه بالتماس الجوانب الأخرى التي تَخْفَى في العادة وتكون محجوبة وتغير رأيه في المعايير والمقاييس التي كان يأخذ بها في صدر أيامه، حتى لا يكاد شيء يبقى على حاله أو يحتفظ بصفته الأولى التي كانت له قديمًا؛ لأن الحياة تهذب وتنقح ما قرأناه في الكتب، وما تلقيناه من آبائنا ومرشدينا في صبانا، ولا يزال الكتاب — كلما علت السن — يدخل عليه التعديل والتبديل والتغيير، فيزاد هنا ما كان ناقصًا، ويفصل ما كان مجملًا، ويضاف هناك فصل جديد، وتوضع في ذيل هذه الصفحة حاشية حتى يعود الكتاب آخر الأمر وكأنما لا صلة له بالأصل الذي خرجنا من المدرسة الأولى به. وقد يبقى جوهر الأصول كما هو، فيظل الخير خيرًا، والشر شرًّا، والفضيلة فضيلة، والرذيلة رذيلة، ولكن الحدود الفاصلة التي كانت حاسمة تتداخل في مواضع كثيرة، فتصبح هناك — بسبب هذا التداخل — رقعات كثيرة مشتركة يختلط فيها الأمر، ولا يسهل اليقين والجزم بأي الجوانب هي أحق بأن تلحق به. والشباب يجزم كما تجزم الكتب لأنه لم يَرَ إلا جانبًا واحدًا ولم يلق ما يزعزع ثقته بما صدق، أو يشككه فيما وقر في نفسه، أما الذي قطع من الحياة أكثر من مرحلة واحدة فهذا قد رأى، وقارَنَ، وقاس، وقابل؛ فليس يسعه إلا أن يتردد بعض الأحيان في الجزم، وإلا أن يحجم عن ذلك لكثرة ما بلا من تنوع وجوه الحياة، وتعدد جوانبها، واختلاف ظاهرها وباطنها، فهو لا يأمن أن يكون لما يعرض على عقله باطن هو خلاف الظاهر. وليس كرحلة الحياة معلم، وكل امرئ مسافر وإن لم يخرج من بيته، وما أقل الذين يفطنون لذلك لأنهم — وهم في ركب الحياة — يشغلون بما لا آخر له ممَّا يعرض لهم في الطريق ويتقاضاهم كل التفاتهم وعنايتهم، وما أكثر ما يفتن المرء ما يراه فيتعلق به كالمسحور، ويتخلف عن الركب، ويا ربما لاح له ما يجذبه فيغذ السير، ويبعد عن الرفقة فينقطع ما بينهم وبينه، وقد يضنيه الجهد فينصرف عمَّا حوله إلى ما به من الوصب والعناء، فلا هو يرى ولا هو يعبأ إذا نظر ورأى، وقد يقع على ملهاة فيفرح بها ويذهل عمَّا عداها، فيفوته الأكثر والأكبر، ولا يخرج إلا بلعبة. وهكذا على آخره إن كان لهذا آخر، والمهم أن مكابدة الحياة — كائنًا ما كان يلقاه الإنسان فيها — لا بد أن تؤثر في نظره إلى الأمور، ورأيه في المعايير، وتقديره للأعمال، ووزنه للبواعث، إلا إذا كان المرء جامدًا لا خير فيه ولا نظر ولا فكر.

وأذكر على سبيل المثال حادثين يمكن أن يُقاس عليهما فيما هو أكبر وأهم، وإنما تخيرتهما لبساطتهما؛ فقد وقعت في ليلة مظلمة في أيدي لصوص في الصحراء المحيطة بعين الصيرة — على مقربة من الإمام الشافعي — فإني مولَع بارتياد الصحراء والتطواف فيها منذ الصغر. وكنت في ذلك الوقت حَدَثًا، وكانت سني لا تزيد على العاشرة، واتفق أنهم كانوا يعرفونني، ولكنني لم أكن أعرف ذلك، فجعلوا يُخَوِّفُونني ويوهمونني أنهم سيدهنونني كما تُدهن الحيطان، ولكن بألوان سخيفة، فشق عليَّ ذلك وجزعت منه، واعتقدت أن هذه الألوان التي هُدِّدْتُ بها ستظل ثابتة لا تذهب عني، فبكيت حزنًا على نفسي. وقد نجوت — كما لا أحتاج أن أقول — من اللصوص ومن الدهان المخوف، ولكن خوف اللصوص بقي في نفسي — وكرههم أيضًا — ودارت الأيام وتقلبت بي الأحوال، وكابدت الدنيا، وبلوت الناس، وصار لي نظر في البواعث والأعمال والمصائر، واتفق أنَّ حادثًا لا يعني سواي فلا داعي لذكره، بغَّض إليَّ البيت الذي كنت فيه — وهو بيت جدي — فتركته وتركت فيه ما كان لي من أثاث وفرش وانتقلت بمن بقي لي من أسرتي الخاصة إلى بيت استأجرته على تخوم الصحراء، ولم أضع فيه من أدوات البيت وفرشه إلا ما لا غنى عنه. وكنت في ذلك الوقت أعمل في جريدة «الأخبار» وكانت «الأخبار» قد فتحت باب اكتتاب لإقامة تمثال نهضة مصر للمثال المشهور المرحوم مختار، فبلغ ما اكتتب به القراء نحو ستة آلاف من الجنيهات، فظن بعض الحمقى أن هذه الآلاف في بيتي العاري، وكان سور البيت واطئًا، فشعرت في منتصف الليل بجسم يسقط في الفناء الخلفي، فقلت لعله حجر فإن بناء السور واهٍ، ولكني سمعت على أثر ذلك حركةً عند باب المسكن نفسه كأنما يدًا تعالج فتحه، فنهضت وأنا أضحك فما في البيت ما يستحق أن يُسرق. وفتحت شباك الباب فرأيت خلفه رجلًا أراد أن يتوارى لما رآني — وهذا طبيعي — ولكني ألححت عليه أن ينتظر، وكان يراني أضحك فارتبك لهذا، فعاجلته وقلت له: «الدخول في الحقيقة من الباب الآخر، ولكن لا بأس، سأفتح لك من هنا.»

فبهت الرجل فقد كانت هذه المقابلة آخر ما ينتظر، بل من المحقَّق أنها لم تكن تخطر له على بال، ولم يكن يجهل من أنا، فإني معروف في تلك الناحية، ويظهر أنه راجع نفسه فندِم أو أسف فقد بدأ يعتذر ويطلب الصفح، فقلت له وأنا أعالج الباب؛ فإن مفتاحه قديم: «لا بأس إذن، خذ المفتاح وافتح من جهتك وتعال اشرب معي سيجارة.» وناولته المفتاح من بين حديد الشباك فأخذه مني وهو لا يزال مترددًا، وعالج الباب حتى فتحه فدعوته أن يدخل وسرت أمامه على الحجرة التي فيها كتبي، وقدمت له كرسيًّا وناولته سيجارة، وأشعلت له عود ثقاب، فمد فمه على النار بالسيجارة وهو يتأملني ويتفرس في وجهي.

فقلت له: «اسمع يا صاحبي، أني آسف لأني خيبت أملك فإن البيت عارٍ كما ترى، وقد خدعك الذي أوهمك خلاف ذلك، ولكني لا أحب أن تخرج من هنا صِفر اليدين، ولست أظنك تقبل أن أعطيك مرتبة أو نحو ذلك لأنها لا تستحق الحمل، ثم إننا نحتاج إليها لننام عليها. وليس عندي مال أجود به عليك؛ فإني فقير، والبيت يشهد بذلك، ولكني مللت الكتب وكفرت بهذه الأصنام المرصوصة على الرفوف — إذا كنت تفهم ما أعني، وما أظنك فاهمًا شيئًا — ولكن إذا شئت فإني أهبك ما يروقك من هذه الكتب الكثيرة، فقم على الرفوف وانتقِ ما يعجبك واذهب به مشكورًا، هذه هي تفضل.»

فأساء الظن واعتقد أني أنصب له شَرَكًا أريد به أن أضبطه — كما يقولون — متلبسًا بالجريمة كأنما لا يكفي في باب الإجرام أنه تسوَّر الحائط ودخل البيت، ولعله كان يعتقد أن وراء الأبواب أو بعضها شرطة مختبئين متربصين؛ فقد كان دائم التلفت إلى النوافذ والأبواب، سريع التفزُّع لأَخْفَتِ صوت ولو كان بعيدًا، وإلا فكيف يعقل في رأيه أن أكلمه بمثل هذا الاطمئنان؟ وله العذر ولا شك، ولكني كنت مخلصًا ولم أكن أريد به سوءًا، فأردت أن أزيل مخاوفه فقلت له: اسمع حكاية فإنها تصف حالي معك: قالوا إن لصًّا دخل بيتًا ليسرقه بالطبع، وقد مر بالغرف كلها فلم يجد حتى ولا حصيرًا من قش، ولكنه وجد رجلًا مخبِّئًا وجهه في ركن، فضحك لظنه أن لصًّا آخر انخدع مثله فدنا منه وسأله عما جاء به؟ قال الرجل: إني — لا مؤاخذة — صاحب البيت، وقد خجلت منك، فأدرت وجهي على الحائط استحياء من هذا العري والتجرد. وكذلك أنا معك يا صاحبي، فاعذرني على الفقر، وقُمْ خُذْ ما شئت من الكتب وأرحني منها، ومن أباطيلها وخدعها، وصور الحياة المزيفة التي فيها.

وحملته بعض الكتب له ورقة بأني أعطيتها له لتكون جوازًا له مع الشرطة إذا رابهم منه شيء، واتفقت معه أن يزورني كلما رغب في المساعدة! والظريف أنه كان يظن أن الكتب التي عندي كلها دينية فكان وهو يتناولها يبسمل ويدعو الله أن ينفعه ببركتها ويقبلها ويرفعها إلى جبينه كما يقبل المؤمن المصحف ويلمس به جبهته. وقد صار هذا الرجل بعد ذلك صاحبي وحارسي في آنٍ معًا، ولا سيما بعد أن توغلت بمسكني في الصحراء، وبعدت جدًّا عن العمران، ولا يزال يمر بي كل بضعة شهور ليزورني فآنَسُ به وبحديثه، وإن كنت قد استغنيت عن حراسته بعد أن تركت الصحراء، وسكنت في مساكن الأحياء.

وطريق الحياة صاعد هابط، والطبيعة كيسة، وفيها رفق وحكمة، على كل ما يبدو من قسوتها وما بها من قسوة ولكنَّا نحن نحب أن ندير أمور الكون على هوانا، ولو تيسر ذلك لخربت الدنيا لا شك في ذلك. ومن حكمتها — أعني الطبيعة — أنها تجعل الصعود في زمن الشباب وأيام الفتوة والأيد والحيوية الزاخرة، أما الهبوط والانحدار فيكونان في الوقت الذي تأخذ فيه القوة في النضوب، والعود في الذوي والجفاف واليبس.

فلا يزال في شبابه يصعد، ويصعد ويتلكأ وهو يفعل ذلك، ويتلبَّث هنا، ويتريَّث هناك، مفتونًا بما يصادفه من المناظر، مسرورًا بما يعرض له من الملهيات فيخلو بذلك زمنًا طويلًا أو قصيرًا، ولا يكاد يفكر فيما وراء الجبل الذي هو مصعد فيه، ولا فيما بعد قمته، بل لا يكاد يخطر له أن هناك وراء، فحاضره هو شاغله، وقيمة ما يشغله لا يؤثر فيها، أو يعدلها نظر إلى ما وراء الحاضر؛ لأن ما وراءه محجوب. والحقائق التي تعرض له مرجعها عنده إلى وقعها في نفسه وحدها؛ ولهذا يبدو له كل شيء مجسمًا ومطلقًا وتتعاقب السنون ويرقى المرء في الجبل، وتفتر الهمة من طول التوقُّل ومشقته، ومن كثرة ما يستنفده ذلك من القوة والحيوية، ويبلغ القمة — قمة الجبل — وأنفاسه منبهرة فهو يلهث بعض الشيء، والتعب يفتر النفس ويخمد فيها ما كان مضطرمًا. ويحس المرء بالبرد فوق رأس الجبل، والبرد يطفئ الجذوة، وأي عاطفة مشبوبة يمكن أن تبقى متلظية مع البرد؟ ومن كان عاشقًا فليجرب إحساسه بحبه حين يبرد جسمه فيوحوح وتصطك أسنانه من القر، ويرعش بدنه، وينتفض، وليقل: هل يمكن أن يفكر في هذه اللحظة في حبيبته؟ أو يكون هَمُّه كله لحافًا ثقيلًا؟ وينظر المرء حوله فيرى الانحدار، ويعلم أنه هابط بعد أن كان صاعدًا. والهابط ينظر إلى ما تحته لا إلى ما فوقه؛ فهو مضطر أن يجعل باله إلى الوادي الذي هو نازل إليه ومُنْتَهٍ إلى قراره، فلا يسعه حينئذٍ إلا أن يجعل هذه النهاية مقياسًا لكل شيء، لا كما كان يفعل إذ هو يصعد ولا يرى قرار الوادي وراء الجبل؛ فلا تعود الحقائق مرجعها إلى نفسه شعوره ورغبته، ولا يبقى شيء منها مطلقًا، بل يتغير القياس، ويصبح قرار الوادي هو الذي تنسب إليه الأشياء، وترد الأمور إلى المصير فيه.

ولا يكاد يكون هناك فرق بين واحد وواحد في الصعود؛ فإن الجميع لا يرون إلا ما أمامهم وما حولهم على جوانب الجبل، ولا يحسون إلا الحياة التي تزخر في نفوسهم؛ ولهذا يتشابه الشباب ولا يكادون يتفاوتون، وشبيه بهذا الأنهارُ في فيضانها فإنها جميعًا تكون ماءً دافقًا لا سبيل إلى صده أو حجزه أو إقامه السدود في وجهه، وعبابًا راغيًا مُزْبِدًا متراكبًا منطلقًا في حيث يتيسر له التحدر والسيول. ولكن التفاوت يحدث بعد أن تهدأ الفورة، ويأخذ المعين الذي كان فياضًا في النضوب، ويشح الماء، ويضعف نَزُّهُ، ويصبح سيله قطرة قطرة، بعد شدة الفور والجيشان، أي بعد أن تأخذ العين قرار الوادي ويفتحها الانحدار عليه؛ وهنا يختلف الناس فمنهم من يروعه المصير فلا يعود يرى سواه ويحس من نفسه النضوب والذوي فيوطن نفسه عليه، ويسكن إليه، ولا يبقى له شعور إلا به أو تفكير إلا فيه، ومنهم من يشعر أن الآخرة دنت، ويأنس من نفسه بقية من القوة وجزعًا من النهاية، فيقول: اغتنم كل فرصة، وفُزْ بكل متعة، وشم كل وردة، وانشق كل عبير، واختلس كل ما يستطاع اختلاسه؛ فإن الوقت ضيق، والنهاية قريبة، وليس بعدها شيء، فكدس في أضيق وقت كل ما يدخل في الطوق من المتع واللذات. ومنهم من يتناول الدنيا برفق ويُقبل عليها باعتدال، فإذا لقي في طريقه ما يسر، لم يشح عنه بوجهه ولم يزهد فيه، وإذا لم يَفُزْ بشيء لم يندم ولم يتحسر، واستبقى قوته وأمله ما استطاع أن يستبقيهما، ومنهم من يُعَزِّي نفسه بالمتع الذهنية ولَذَّات العقل والخيال وغير ذلك بما هو من هذا بسبيل، ولا آخر لاختلاف الناس بعد أن يدخلوا في الكهولة ويبدأ الشعور بانسراق القوة ونفاد الحيوية الأولى.

وما أكثر ما أقول لنفسي وأنا جالس تحت الشجرة أستريح وأستجم وأتهيأ لاستئناف السير في طريق الحياة: «ماذا يكربك يا هذا؟ هل أعجبتك هذه الفتاة؟ حسن! وإنها لحقيقة بإعجابك، وإن جمالها لبارع، وإن فتنتها لشديدة، ولكن الدنيا فيها كم امرأة؟ مئات الملايين! حسن إذن، فهل كانت الدنيا تخسر لو أن هذه لم تخلق ولم تكن؟ كلا! فهبها لم تخلق، واعتبر أنها لم توجد، وثَمَّ غيرها كثيرات جدًّا؛ فلماذا تقطع نفسك عليها حسرات؟ ولو كنت في العشرين لما أقنعني هذا المنطق، ولكنني ارتقيت في الحياة، وللرقي ثمنه الذي لا بد أن يُؤَدَّى، وما زالت نفسي صبية، ولكن الجسم كثيرًا ما يهرم والنفس في صباها، وعمر النفس لا يقاس بعمر الجسم، وقد ترى نفسًا عمرها عمر نوح والجسم ما يزال غضًّا، وقد يشيب الرأس والجسم في عنفوان الشباب، ولا يزال يحسدني ويقول لي كلما لقيني: إن قلبي سيظل شابًّا؛ ذلك أنه يراني أتلقى الحياة كما تجيء لما وقر في نفسي من عبث الاهتمام والاحتفال بما لا حيلة لي فيه، ولأنه يراني قد تساوت عندي كل حالة وكل حالة، وتعادل عندي السرور والحزن، والضحك والبكاء، والفوز والخيبة، فإذا جاء خير فبها، ولله الحمد، وإلا فلا أسى ولا أسف على شيء، وقد قطع من مراحل الحياة أكثر وأطول مما قطعت، ولكنه لا يستطيع أن يحول عينه عن نفسه، أما أنا فإني أحب طريق الحياة ولا أريد أن يفوتني شيء ممَّا على جانبيه، وإذا لم أنظر ولم أمتع العين بما ألقى وأجد فمتى أنظر وأتمتع؟ وما دامت الحالات قد تعادلت عندي، فلماذا لا ألتمس السرور، وأنشد النعيم، وأجنب المنغصات والمتعبات؟ أليست مشقة السير حسبنا تعبًا؟ وما أخلقنا بأن نتسلى ونتلهى ونُرَفِّهَ عن أنفسنا ونحن سائرون وعلى كواهلنا أعباء لا يسهل اطِّراحُها؟ ولا بد من السير على كل حال سواء أفرحنا أم جزعنا، وضحكنا أم تجهمنا واكتأبنا؛ فالضحك أولى إذن، والسرور أحق بالنشدان. ثم إن القدرة على اختلاس السرور من أحزان الحياة دليل على أن النفس لا تزال فيها حيوية كافية، والحزن — أعني الاستسلام له — ذوي وذبول، والتغلب عليه ظفر وانتصار على ما تهاجمنا به الدنيا من الكروب، فإذا كانت لي نصيحة إلى القراء فإن نصيحتي أن يَتَوَخَّوْا أن يضحكوا دائمًا، وأن يلتمسوا أسباب السرور ويجنبوا أسباب التنغيص؛ فإن السرور يجدد النفس، والتغيص يخلق ديباجتها ويذوي نضرتها. وهذه نصيحة رجل سار في طريق الحياة مفتوح العينين، ولا يزال أمله قويًّا في أن يطول سيره، فأسمعوا مني وأطيعوني، وجربوا واشكروني.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.