ما لي وللرداء يعبث به الهواء، يعانقه فينتفش، ويفارقه فينكمش، لا ينفك مبسوطًا مقبوضًا، ومرفوعًا مخفوضًا، موكل الأذيال بمواطئ النعال، قد انبسطت أجرامه، وانتشرت أكمامه تسبق صاحبها إلى الصحاف، وتمحو آثاره في الصحائف، وتخفي خاتم الماس عن أعين الناس، وتعوقني عن الحركة والسكون؟! ما لي ولهذا الزي يحصرني من الحياة في جوٍّ مظلم، ويقصرني من اللذات في حيز ضيق، يكلفني اصطناع الأناة فيما أهواه، والتزام الوقار في مختلف الأطوار، يسميني الشيخ وما أنا بالشيخ «إنما الشيخ من يدب دبيبًا»، يبغضني إلى الحسان ولي من الشباب مرحه وخاله، ومن الصبا باطله وضلاله، وأنا ابن الهوى والصبوة، وربيب الغنى والثروة، لي اللقب والوسام والرتبة، والمقام ذو الشرف الباذخ، والمجد الشامخ، وصاحب الذكر السائر، والصِّيت الطائر، والشأن النبيه؟!

أين تقع الأوسمة من أولي الأحزمة، ونباهة الشأن من ذوي القفطان؟! وكيف تجمل الرتبة بلابسي الجبَّة، أو تنال الكرامة صاحب العمامة؟! إنْ هي إلا أضداد متباعدة، ومعانٍ متعاقدة يشناها الطبع، ويمقتها الذوق السليم.

أين أنا من الزي الغربي وما فيه من حُسن الطلعة وجمالها، ولطف الهيئة وجلالها، ومن نبالة المنظر وانتظامه، وانتساق الملبس والتئامه، ومن الطربوش الأحمر على الجبين الناصع، ومن أزرار تسحر العيون بلألائها، وتخلب العقول بضيائها، ورباط يهفو به الهواء فيسبي القلوب، ويستخف الألباب؟!

ألا — أيها الزي القديم — إليك عني، فما أنا منك ولا أنت مني …

يقول الأحنف بن قيس: لا تزال العرب عربًا ما لبست العمائم وتقلدت السيوف. صدق، ولكنْ لِمَ نحرصُ على أنْ نكون عربًا؟ وما بالنا لا نندمج في الغربيين وهم ملوكُ الكون وسلاطينُه، وجنُّ العالم وشياطينه، الضاربون فيه بسهمي العلم والمال، والآخذون منه بحظي الشرف والجمال، المالكون للنفع والضر، والقابضون على الخير والشر، والعابثون بالغنى والفقر، الآمرون ويستمع الدهر، والناهون ويطيع الزمان؟!

ذلك نحي الشيخ إذا أحرز الرتبة أو نال الوسام يمقت زيه القديم، ويتبرم به، ويسأم شكله السابق ويتحرج منه، وإنه لخاطر شؤم، ونجي سوء.

اذكر — أيها الشيخ — فقد نسيت أنَّ للناس قدوة بك، وأسوة فيك، فخليقٌ بك أنْ تذكر أنك وإنْ ضننت بكرامة الزي؛ فقد جدت بكرامة نفسك، وأنك لو لهوت في زيك القديم لكان ذلك خيرًا لك؛ لأن الصراحة أجدر بالرجل من الرياء والمُداجاة.

إنَّ لك من زي الشيخ وعمامته، ومن زينتك ووسامك، ومن تقلب لسانك في لغات مختلفة ميزة ليست لغيرك من أولي الطرابيش، فاحذر أنْ تضيع هذه الميزة؛ فإنها أوضح سبيل إلى ما ترغب فيه من شهرة. وحيث إنَّ لك تاريخًا مجيدًا، وعزًّا تليدًا، وحياة خاصة؛ فاحذر أنْ تفني هذا كله بالاندماج في غيرك؛ فإنك تجني على نفسك، وعلى أُمَّتك؛ تفقد نفسك شخصيتها، وأمتك أحد أفرادها. هذه نصيحة خالصة، فأين الأذن الواعية، والقلب الرشيد؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.