كنت منذ أسابيع أزور حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي بحلوان، وأعرض عليه تجارب الطبع لكلمته التي تفضل بكتابتها تعريفًا عن كتابي «حياة محمد»، ولما كانت في هذه الكلمة إشارة إلى الغزالي وطريقته في البحث ومشابهة هذه الطريقة للطريقة العلمية الحديثة، فقد جاء الأستاذ بكتاب الغزالي «المنقذ من الضلال» وتلا منه ما كتب حجة الإسلام في هذا المعنى، فإذا شيء بديع حقًّا! منطق دقيق غاية الدقة، وتصوير واضح كل الوضوح، وتفكير عميق كل العمق. وتناول حديثنا بعد ذلك الكتب القديمة في عصور الإسلام الزاهرة، وقص الشيخ عليَّ من أمرها حديثًا فياضًا، وانتهينا من ذلك إلى أن إحياء الأدب العربي لا يكون بنقل كتب الغرب وحضارته إليه، وإنكار ماضيه، وإنما يكون الإحياء أولًا وقبل أي شيء بإحياء المؤلفات العربية القديمة في العصور المختلفة، وجعلها في ثوب من تفكير هذا العصر الذي نعيش فيه، وربط الحاضر بالماضي من ناحية الثقافة، والاستفادة إلى جانب ذلك من علم الغرب ومن حضارته، لتكون بيننا وبينه رابطة لم يبق مفر منها بعد أن وصلت المخترعات الحديثة بين أجزاء العالم بأوثق صلة وأسرعها.

وطبع الكتب القديمة القيمة له من غير شك أثره في هذا الإحياء، لكن هذا الأثر يظل محصورًا في طائفة ممن تعينهم ثقافتهم وتفقههم في اللغة على دراسة هذه الكتب، وهذه طائفة قليلة بطبيعتها، ولا ينتظر أن تبعث بمجرد الدراسة روحًا قويًّا في الإحياء، بل الواجب عليها إزاء هذه الكتب شيء آخر، ذلك تلخيصها وصوغها في أسلوب حديث على الطريقة التي ألفها الناس في زمننا هذا وتقريبها إلى الأذهان وتيسير قراءتها على المثقفين كافة؛ إذ ذاك يسهل على رجل القانون وعلى الطبيب وعلى المهندس وعلى غيرهم من المتعلمين تعليمًا عاليًّا، بل يسهل على من دون هؤلاء ثقافة وعلمًا، أن يحيطوا بما تنطوي عليه هذه الكتب القديمة من نظريات، وما يرد على هذه النظريات من اعتراض أو تأييد، ومبلغ بقائها مؤيدة من العلم إلى أحدث ما وصل إليه العلم من مراحل، وما نفاه العلم منها وهدمه، هذا المجهود يحتاج دأبًا وعملًا متصلًا، لكنه هو المجهود المثمر في الإحياء، فلا مفر من القيام به ممن يعنيهم أمر هذا الإحياء.

ومن شبابنا طائفة تفكر في القيام بشيء من هذا وهي جديرة بكل تشجيع، أطلعني شابان على ما يقومان به من عمل صالح في تبويب مواد لسان العرب، أوسع المعاجم العربية وأغزرها مادة، على نظام المعاجم الحديثة، بحيث لا يتركان منه شيئًا، وهما في نفس الوقت يراعيان الترتيب الذي يسهل الاهتداء لمن يريد البحث، وأحسبهما يطبعان باكورة مجهودهما الآن في مطبعة دار الكتب، وذلك خير لا شك فيه وسيكون له أثره في إحياء اللغة العربية، فمتى تيسر للكتّاب الرجوع إلى هذا المعجم العظيم الضخم وسهل عليهم الوقوف على بغيتهم منه دون إضاعة لوقتهم، سهل عليهم اختيار الألفاظ الصالحة، أما اليوم فإن الإنسان قد يضيع في البحث في اللسان زمنًا طويلًا وقد يفوته أن يقف عندما يريد بعد أن يقرأ عشرات الصحف، فيصده ذلك عن التصدي لمثل هذا البحث والعود إليه كرة أخرى، وميسرة اللغة لدى الكتَّاب وسهولة الوصول إلى ما يريد الكاتب منها في المعاجم له بلا ريب أثره في إحياء الآداب والعلوم.

العمل الذي يقوم به هذان الشابان عمل جليل لا ريب فيه، لكنه عمل من نوع آخر غير ما نطلب في شأن العلوم والآداب العربية القديمة، هو تبويب جديد لمعجم كامل، وهو ضرورة تقضي بها اللغة، أما الذي نطلب نحن فيختلف من حيث إنه إما أن يكون دراسة لحياة مفكر وتفكيره وفلسفته، أو تلخيص طائفة من كتبه وتقريبها إلى الأذهان على الطريقة التي يسيغ الشباب اليوم في التفكير والعرض، وإذا ذكر الإنسان أن هذه هي الطريقة التي قام عليها الإحياء الأوربي حين بعث علوم اليونان وفلسفتهم وتشريع الرومان وفقههم، تبدى له ما في الأخذ بها من جليل الأثر، والحق أن التفكير العربي في العصور الإسلامية الأولى قد بلغ حدًّا من النضج في مختلف فروع العلم التي كانت معروفة في ذلك العصر، حتى ليرى الإنسان من الجناية على التاريخ الفكري للأمم العربية أن تبقى هذه النفائس مطمورة في بطون المكاتب وقماطرها، لا يقف على ما فيها إلا القليلون الذين يلذ لهم هذا الوقوف، دون أن يفيد جمهور المثقفين شيئًا منها، وأحسب أن من العار علينا أن يضع الباحثون من الغربيين مباحث قيّمة في هذه الثقافة العربية القديمة، ولا نُعنى نحن بذلك من شيء ولا نُخرج فيه أثرًا ذا قيمة، ففيما خلا بعض رسائل قدمها طلاب في الجامعة، وبعض كتب قيمة وضعها أساتذة الجامعة ومدرسوها، لا يكاد الإنسان يعثر على مبحث ذي قيمة في هذه الناحية.

ويجمل بي أن أقول: إن الموضوع الواحد أو الكاتب الواحد لا يكفي فيه كتاب ليكون قد فرغ منه إلى عشرات السنين، فالتفكير الحي دائم التطور، وهو يضفي على الموضوعات ألوانًا مختلفة كل حقبة قصيرة من السنين، حتى لتراك إذا رجعت إلى موضوع ودرست ما كتب فيه في أمة حية رأيت هذا الذي كتب وقد صوره بعد سنوات قليلة كثيرون، وقد نظر إلى الموضوع من جوانب مختلفة، وأهملت منه بعض نواحٍ كانت تعتبر ذات أهمية أساسية، ثم ردت إلى المحل الثاني، وقد أضيفت إليه بحوث هدى إليها التفكير في ميدان قد يظن الناس بادئ الأمر أن لا اتصال بينه وبين هذا الموضوع، فحيثما يكون التقليد حيًّا متوثبًا يسارع المفكرون إلى تسجيل نتائج ذلك كله في أمر التفكير القديم سواء، فأما أن يرغب الإنسان عن موضوع ما لأن غيره قد سبقه إلى الكتابة فيه، فذلك معناه خوف التقليد وخوف السطو على ما أنتج الغير، ولا يقلد ولا يسطو إلا العقل الراكد الذي لا يعرف كيف يثمر جديدًا، فأما العقل الحي فيجد في المزاوجة بين ما وضع الأقدمون وبين ما وصل إليه التفكير الحديث ما يزيده حياة وما يزيده خصبًا وما يدفعه ليثمر جديدًا يكون هذا القديم أساسه، يثمر جديدًا يصل به بين تفكير الماضي والحاضر، فيبعث بذلك إلى التفكير القومي من الاعتزاز بالسلف ومن الاعتداد بالنفس ما له أكبر الأثر في حياة الأمم.

وقد دلتني تجربتي الخاصة في السنوات الأربع الأخيرة على ذلك بوجه لعله هو الذي يدفعني إلى أن أناشد الشباب وأن أناشد الأساتذة ليقوموا بهذا العمل الذي أدعو إلى القيام به، فقد راجعت الكثير من الكتب التي وُضعت عن مكة وعن الكعبة وعن النبي العربي عليه السلام، وكثير من هذه الكتب قديم مما كتب في القرون الستة الأولى للهجرة، وأؤكد أن في هذه الكتب ألوانًا من التفكير وصورًا من الأدب جديرة حقًّا بأن تُبعث، وليس في مكنتي مع الشيء الكثير من الأسف أن أقوم أنا بهذا الإحياء، فأنا في شغل عنه بناحية أخرى من نواحي الإحياء لا أدري ما يكون حظي من التوفيق فيها، فلو أن هذه الكتب وجدت من يقف عندها، ومن يجلو جمال ما فيها من أسلوب حديث، وعلى طريقة علمية سواء في النقد أو في التاريخ، ومن يستلهمها في الأدب، إذن لأفادت العربية من ذلك ثروة عظيمة.

لست أريد بما قدمت أن أنكر ما عند كتَّاب العربية اليوم من نشاط في التأليف وتفوق فيه، فلقد وُضعت في هذه السنوات الأخيرة كتب قيمة جدًّا في مباحث مختلفة يمس بعضها هذا الذي أشرت إليه، من ذلك كتاب الأستاذ عباس محمود العقاد عن «ابن الرومي — حياته من شعره» ومنها كتاب الأستاذ زكي مبارك «النثر الفني»، وكتب أخرى شغلتُ بحكم الظروف عن إتمام تلاوتها، فالحق أشهد أن هذين الكتابين اللذين أشير إليهما ها هنا من خير ما قرأت، وكتب أساتذة الجامعة، من مثل كتب الدكتور طه حسين، والأستاذ أحمد أمين، جديرة بكل إكبار، لكن ثمرات هذه السنين الطويلة إذا وقفت عند هذا الحد في الناحية التي أدعو للبحث فيها وإحيائها لم يكن ذلك حركة منظمة ذات غاية نريد تحقيقها، وإنما كانت جهودًا فردية قد يظهر أثر من الآثار الصالحة بفضلها ثم تنقضي السنوات ولا يظهر بعد ذلك شيء، فينسى الناس الحركة لذاتها ولا يعودون يفكرون فيها على أنها إحياء مقصود به الإحياء، بل على أنها مجهود أدبي فردي يقدِّره الكتَّاب ثم يقفون عند ذلك لا يتعدونه.

وكم أود أن يتضافر رجال الأزهر البارزون مع رجال الجامعة في تنظيم هذا المجهود، فإن من هؤلاء وأولئك من لو تعاونوا لنظموا حركة منتجة بفضله، ولحملوا الشباب على متابعة هذه الحركة وتغذيتها وتقويتها، والشباب عمدة مثل هذه الحركات الثقافية والكفيل باستمرارها، وما أشك برهة في أن هذا الشباب إذا وجد التوجيه الصالح لأفاد أكبر الفائدة، ولقد نعلم أن قومًا يريدون أن ينصرف الناس عن هذه الناحية وأن يتوفروا بكل جهودهم على الغرب يأخذون عنه وينهلون من ورده، ولن يقول أحد للشباب: دعوا الغرب وآثاره، وهو صاحب القوة الآن حتى في الدراسات العربية، لكن أحدًا لن يجوز له أن يقول للشباب كذلك: دعوا تراث السلف حتى ينقب الغرب فيه ويظهرنا نحن عليه، فمثل هذه الدعوة معناها الواضح أنَّا لا نصلح بعد بأنفسنا حتى لإحياء تراثنا، ولو أننا كنا كذلك لما كنا جديرين بأية ثقافة، ولما كان لنا أن نطمع في إحياء من أي نوع يكون.

أفتثمر هذه الدعوة وأنا أوجهها على صفحات الهلال لأقطار العالم العربي المختلفة؟ وإذا بُدئ هذا التنظيم للإحياء في مصر، فهل تتعاون فيه سائر الأمم العربية؟ أرجو هذا، فإني أعلم أن مجمع دمشق يُعنى به عناية كبيرة، وما أرتاب في أنه يلقى عناية في مختلف الحواضر العربية، فلنعمل على أن تكون الطريقة في الإحياء بحيث تؤتي خير الثمرات في أقرب حين، وأنا الكفيل بعد ذلك بأن تكون لهذه الثمرات آثار أعمق وأبعد مدى مما يستطيع الإنسان أن يتصور قبل أن تتحقق هذه الثمرات والآثار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.