يقال إن السياسة احتياط للمستقبل قبل كل شيء، ويقال من أجل ذلك إن أحدًا لم يرسم لساسة الشعوب وقادة الأمم خطتهم في لفظ جامع موجز، يروع بدقته وصدقه وإيجازه، كما فعل الشاعر العربي القديم حين قال:

قدِّر لرِجْلك قبل الخَطْو موضعها

فمن علا زلقًا من غرة زلجا

وقال من أجل ذلك إن الحذر والاحتياط وتدبر العواقب قبل الإقدام على العمل، كل ذلك رهين بالبصائر الناقدة، والقلوب الذكية، والثقافة الواسعة، وعلم الإنسان بما يأتي وما يدع.

فأصحاب البصائر الكليلة، والقلوب المغلقة، والثقافة الضيقة، والعلم المحدود هم أعجز الناس عن سياسة الشعوب، وأجدرهم أن يُردُّوا عن التعرض لها ردًّا، ويُبعدوا عنها إبعادًا في غير تردُّد ولا تلكُّؤ ولا إحجام. وهذه الأحكام تتصل بالسياسة الداخلية كما تتصل بالسياسة الخارجية، ولكن خطرها في السياسة الخارجية أعظم، ورعايتها فيها أوجب، والتقصير فيها يجر إلى ضروب من الحرج لا سبيل إلى التخلص منها، وإلى فنون من الإثم قد لا يجد الوطن منها مخرجًا، وقد تحمل الأجيال الكثيرة أثقالها دون أن تجد إلى التخفف منها سبيلًا.

فالحكومة العاجزة قد تُخطئ في تدبير المرافق الداخلية، فيُتاح للحكومة القادرة التي تأتي بعدها أن تصلح الخطأ، وتقوِّم المعوَجَّ، وليس على الشعب بأس آخر الأمر في أن يحتمل نتيجة تقصيره في ذات نفسه ويشقى؛ لأنه مكَّن للحكومات العاجزة من أن تسيطر على أمره، وتتسلط على مرافقه، وتنهض بأعباء الحكم فيه.

ولعل من شقائه بخطأ الحكومات العاجزة القاصرة درسًا ينفعه في مستقبل أيامه، ويُعلِّمه أن أمور الحكم لا ينبغي أن تُوكل إلَّا إلى أكَفَائها، والقادرين على احتمال أعبائها.

والشعب المستقل يستطيع أن يحتمل نتائج خطئه، وأن يجني ثمرات صوابه، ما دام الأمر لا يتجاوزه إلى غيره من الشعوب الأخرى، وما دام الأمر لا يتجاوز الجيل الحاضر إلى الأجيال التي لم يتكشف عنها الغيب. أمَّا شئون السياسة الخارجية فأمرها مختلف أشد الاختلاف؛ لأنه يُعرِّض استقلال الشعب للخطر، ويعرض استقلال الشعوب الصديقة للخطر أيضًا، ويثقل الأجيال المقبلة بما لا ينبغي أن يثقلها من القيود والأغلال، فإذا احتمل التقصير في الشئون الداخلية، فإن التقصير في الشئون الخارجية لا ينبغي أن يُحتمل، ولا ينبغي أن يُقبل من حكومة مهما يكن أمرها.

من أجل هذا كله، حمد المثقفون لمجلس الشيوخ موقفين، لعل البرلمان المصري لم يعرفه مثلهما منذ كانت الحياة النيابية في مصر: فأمَّا أولهما فقد انتهى إلى غايته انتهاءً حسنًا كأحسن ما يكون الانتهاء، وهو موقف مجلس الشيوخ بإزاء قصة البترول. وقد أتيح للأستاذ فؤاد سراج الدين باشا أن يكون صاحب النصيب الأوفى من هذا الموقف الرائع الكريم؛ فهو الذي أثار هذه القضية، وأثارها في مزاج رائع من الدقة والأناة وحسن الاستقصاء، ومن الثقة والحزم والثبات والتصميم، ومن الاعتدال في الرأي، والاعتدال في القول، والاعتدال في الإلقاء، والاعتدال في السيرة البرلمانية نفسها. ويسَّر له هذا كله أن يقنع زملاءه من الشيوخ الوفديين وغير الوفديين، وأن يحمل المجلس على أن يرد الحكومة إلى القصد، ويضطرها إلى احترام الدستور من جهة، وإلى رعاية حقوق الشعب وصيانتها من جهة أخرى.

وقصة البترول هذه يسيرة في ظاهر أمرها، ولكن الشيخ الشاب قد عرف كيف يتعمقها، وكيف يتيح لزملائه الشيوخ أن يتعمقوها ويتبينوا أثرها في السياسة الخارجية المصرية، فالبترول أخطر العناصر التي تتكون منها السياسة العالمية ما في ذلك شك. والدولة التي تملك شيئًا من ينابيعه ثم تتيح استغلال هذه الينابيع للشركات الأجنبية دون أن تحتاط لمستقبلها السياسي والاقتصادي أشد الاحتياط وأدقه، لا تزيد على أن تفرض على شعبها الذل السياسي والذل الاقتصادي جميعًا، فالذين يثنون على فؤاد سراج الدين وعلى مجلس الشيوخ لموقفهما هذا الحازم الكريم لن يسرفوا ولن يبالغوا مهما يهدوا إليهما من الثناء.

والموقف الثاني هو موقف مجلس الشيوخ من قضية السودان، وهو الآن كريم رائع، ولست أدري كيف يتطور، ولا إلى أين ينتهي، ولكني أرجو أن يفي الشيوخ لأنفسهم ولوطنهم فيه، كما وفوا لأنفسهم ولوطنهم في قصة البترول. وما دام مجلس الشيوخ قد سبق إلى الشعور بالواجب، وإلى تقدير المصالح السياسية العليا كما ينبغي أن تُقدَّر، وإلى إكراه الحكومة على أن ترجع عن الخطأ بعد أن تتورط فيه، وعلى أن تتقي الخطأ قبل أن تُدفع إليه؛ فقد ينبغي أن نلجأ إلى مجلس الشيوخ لنعينه ونستعينه في وقت واحد.

نعينه على هذه المهمة الشاقة الخطيرة التي يظهر أنه يريد أن يحسن النهوض بها هذا العام، وهي حماية الحكومة من نفسها، ومن الظروف التي تحيط بها، وحماية الشعب من خطأ الحكومة أو جورها عن القصد، ونستعينه على بعض المشكلات السياسية الخطيرة التي توشك أن تعرض لمصر إن لم تكن قد عرضت لها بالفعل، والتي إن لم يتنبه لها المصريون فقد تجرهم إلى كوارث أو تجر عليهم كوارث ليس إلى إحصائها من سبيل.

ولن أتحدث في هذا الفصل أو فيما بقى من هذا الفصل إلَّا عن مشكلة واحدة يخيل إليَّ أنها أخطر المشكلات التي تتعرض لها البلاد المستقلة في هذه الأيام، فكيف بالبلاد التي لم تستوفِ استقلالها كاملًا بعد؟ وهذه المشكلة تأتي من الخلاف الذي أثير بين روسيا السوفيتية وأمريكا الرأسمالية، والدول الأخرى التي انقسمت بين هاتين الدولتين المستأثرتين في هذا الطور من أطوار العالم بالحول والطول والسلطان.

فقد أنشأت روسيا اتحادها في شرق أوروبا ووسطها، وضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالعنت، أو تمتاز باللين لا أدري، وأنشأت الولايات المتحدة الأمريكية اتحادها الخاص في غرب أوروبا، أو ضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالترغيب أو بالترهيب لا أدري … وروسيا تنظر إلى الشرق الأدنى في استحياء، وأمريكا تنظر إلى الشرق الأدنى في غير استحياء، وليس لروسيا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى، ولأمريكا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى هم الإنجليز والفرنسيون.

فاليد الروسية بعيدة عن الشرق الأدنى شيئًا ما، ولكنها تستطيع أن تمتد إليه في كل يوم، واليد الأمريكية قريبة من الشرق كل القرب، وهي تمتد إليه بالفعل في كل يوم، بل في كل ساعة. تمتد إليه مباشرةً أحيانًا، وتمتد إليه بواسطة حلفائها أحيانًا أخرى، والصراع قائم بالفعل في بلاد اليونان بين روسيا وأتباعها، والولايات المتحدة وأتباعها في بلاد اليونان، وهو يريد أو يحاول أن يقوم في تركيا، والبحر الأبيض هو موضع هذا الصراع. وقد جعل الناس يتحدثون منذ أكثر من عام عن اتحاد شرقي لمقاومة التوسع الروسي، ويقال: إن اليونان والترك هم الذين سيضعون الأساس لهذا الاتحاد يتفقون عليه فيما بينهم أولًا، وهم بسبيل هذا الاتفاق، ثم يدعون إليه الدول العربية بعد ذلك، ويقال: إنهم في طريق هذه الدعوة. فإذا تم هذا الاتحاد الشرقي نُظِّمت الصلات بينه وبين الاتحاد الغربي، وتم إنشاء الجبهة القوية التي تقاوم التوسع الروسي في الأرض كلها.

بهذا كله يتحدث الناس، وأكبر الظن أن أكثر هذا كله صحيح. وهنا نصل إلى ما ينبغي لمصر من الحذر والسهر والاحتياط؛ فإن لمصر مصالح وحقوقًا يجب أن تُراعى، ومن الحق لها على ساستها وقادتها وأولي الأمر فيها ألَّا يعرضوا شيئًا من مصالحها وحقوقها للخطر، وألَّا يقحموها في مغامرات سياسية قد تنتهي بها آخر الأمر إلى كارثة الحرب الماحقة الساحقة التي لا تُبقي ولا تذر، لا لشيء إلَّا لأن روسيا السوفيتية والولايات المتحدة الأمريكية تتنازعان النفوذ والسلطان.

والخطر كل الخطر أن تُدفَع حكومة مصرية — كائنة ما تكون — إلى هذه المغامرة متأثِّرةً بما تأثرت حكومات أخرى من التخويف والإغراء، ومن الترغيب والترهيب.

فأول ما يجب على مجلس الشيوخ — أرجو — أن يقف موقف الحذر والحيطة، وألَّا يَنام ولا يُنِمْ حتى تنجلي هذه الغمرة؛ فمصر ليست في حاجة إلى أن تصلى نار الحرب لينتصر هذا الفريق أو ذاك، وإنما هي في حاجة إلى أن تستكمل استقلالها، وتفرغ لما تحتاج إليه من شئون الإصلاح.

وهناك أمران لا ينبغي لمصر أن تنساهما، ولا أن تتحدث في المحالفات أو الاتحادات قبل أن تفرغ منهما فراغًا تامًّا؛ أولهما: أن تحقق استقلالها الخاص كاملًا موفورًا لا تشوبه شائبة. ولن يتحقق استقلالها إلَّا على أساس من الجلاء ووحدة وادي النيل. الثاني: أن تحل المسائل المعلقة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي حلًّا شاملًا كريمًا؛ فتحل مسألة فلسطين على الوجه الذي يكفل للعرب كرامتهم وحقَّهم في الحياة العزيزة الحرة في وطنهم، وتحل المشكلات القائمة بين العراق وبريطانيا العظمى، وتحل المشكلات القائمة بين شمال أفريقيا وفرنسا.

فإذا تم هذان الأمران جاز لمصر أن تفكر حرة في أن تحالف أو لا تحالف، وفي أن تتحد أو لا تتحد، فأمَّا قبل ذلك فالتفكير في المحالفة والاتحاد ليس إلَّا تفكيرًا في إذلال مصر وجيرانها للسلطان الأمريكي الأوروبي. وقد تعود مجلس الشيوخ الروماني أيام مجد روما — حين كانت الدولة تتعرض لخطر ما — أن يصدر القرار التاريخي المعروف الذي يشتمل على هذه الصيغة: «ليسهر القنصلان على ألَّا يصيب الجمهورية خطر ما.»

فليُحْيِ مجلس الشيوخ المصري هذه السنة الرومانية القديمة، وليَسهرْ ويضطر الحكومة معه إلى السهر على ألَّا تتعرض مصر لخطر ما!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.