كنت تلميذًا في المدرسة الخديوية، فقلت لزميل لي كنت آلفه: «اسكت!»

قال: «ما هي الحكاية؟»

قلت: «أنا أحب!»

وكنت متهلل الوجه من فرط فرحي بهذا الحب الجديد، وكنت أتوقع أن يهنئني ويبارك لي فيه، فإذا به — وكان أطول مني كما لا أحتاج أن أقول؛ فإن كل مَن خلَق اللهُ أطول مني — ينظر إليَّ من تحت إلى فوق، بغاية الازدراء ثم يقول: «تحب؟ أنت تحب؟ تعرف كيف تحب؟»

فوجمت هنيهة، ثم قلت: «كيف يعني ماذا؟ أحب والسلام!»

فقال: «رُحْ! رُحْ! كلام فارغ، ولعب عيال!»

فرُحْتُ — أعني انصرفت — ساخطًا، ولم أكلمه بعد ذلك قط، وكنت أقول لنفسي: «شيء عجيب، ولماذا لا أحب إذا شئت؟ وما شأنه هو وما سؤاله هذا عن الكيف؟ أترى الحب أكلة تُطبخ؟ سبحان الله العظيم!»

وكانت محبوبتي هذه — ولم تكن الأولى، ولا الأخيرة — فتاة في مثل سني، وتلميذة بالمدرسة السنية، وكنت ألقاها — أو أراها — كل صباح وأنا ذاهب إلى المدرسة، وكل عصر وأنا عائد إلى البيت، فطريقنا واحد (وكان درب الجماميز)، سوى أن بيتي في طرف منه، وبيتها في الطرف الآخر. وكانت تأتَزِر؛ أي تتخذ «حَبرة» سوداء براقة، وتضع على وجهها برقعًا أبيضَ، ينسدل من أرنبة الأنف ويحجب ما تحته — أي الفم والذقن والعنق والخدين — وكان يرافقها في جيئتها ورواحها خادم أسود الوجه لمَّاعه كالفحم الكوك، وعلى رأسه لفة بيضاء ناصعة، فأبيض ما فيه عمامته وأسنانه، وكان يحمل لها كتبها وكراساتها، ويحرص على أن يتخلف عنها مقدار خطوة، فهو معها وليس معها، ولعل هذا ما كانت تقتضيه «المراقبة» أو «الحراسة» أو «الأدب»!

ولم أكن أكلم «حبيبتي» هذه ولا كانت تكلمني، ولكن — على الأيام — صارت العين تقع في العين، ولم يكن معي خادم كخادمها، وأنَّى لي به وأنا فقير، أخرج كل صباح قبل الذهاب إلى المدرسة، فأستبضع للبيت — أشتري له اللحم والخضر — إذا طبخنا لحمًا — أو «الفول النابت» أو «العدس» وأدس في جيوبي عشر برتقالات — بنصف قرش من فضلك!

ومع وضوح فقري؛ فقد كانت ثيابي رثة، لا كل الرثاثة ولكنها قديمة على كل حال، فقد كانت البذلة الواحدة «يجب» أن تكفيني عامين على الأقل، وكنت أستحيي من قِدَمِ ثيابي، بل من تعريقها في القدم، وأنفر من أترابي وزملائي لهذا السبب، وأتقي كثرة اللعب مخافة أن تبلى الثياب، وأنَّى لي بغيرها؟ ولهذا كنت أكتفي برياضتين: الجري أو العدو، واللعب على المتوازيين، ثم أغريت — وروح الطفولة غلابة — بالوثب فوق «الحصان» — كما كنا نسميه — فوثبت مرة وثبة عظيمة، فتخطيت «الحصان» والمرتبة التي وراءه، ووقعت على الأرض الصُّلبة، فهيضت ساقي قليلًا، وكان هذا نذيرًا بما أصابني بعد ذلك، ولكني في سني ومَيْعَتِي لم أحفل بهذا.

أقول إنه مع وضوح فقري كانت الفتاة الحلوة الممشوقة ذات الخادم الأسود اللماع الوجه كالفحم الكوك، تلقي إليَّ — كلما التقينا — بنظرة، وكنت يومئذٍ شابًّا عفيفًا لأني نشأت في بيت فيه مصلى، وكانت حلقات «الذكر» تُعْقَدُ فيه مساء كل خميس وصباح كل جمعة، إلى آخره! ويا ما أطول حسرتي الآن على ما ضيعت ويا ما أكثر ما تزوغ العين اليوم، ويتقطع القلب ويتوجع! وآه. وألف آه لو كنت ركبت بشبابي ما يركب المرء!! إذن لأحسست الآن في كهولتي — أو شيخوختي إذا شئت — بالرضى! ولا أطيل في هذا، فإنه لا يخف على النفس.

وظللت أرى «حبيبتي» هذه عامين، ولم أكن عفيفَ النفس، وإن كنت عفيف اللسان، فقد كانت هذه «الحبرة» السوداء البراقة تطير عقلي! آه لو رأيت ما تحتها! وقد كنت يومئذٍ «أعفُّ عمَّا في سراويلاتها» كما يقول المتنبي، ولكن هل أقل من المتعة بالنظر؟

وليتصور القارئ مُوجِدَتِي على الأيام، وأعينه على التصور فأقول إني عدت إلى بيتي ليلة، فعانقتني امرأة في الحارة! فهل يدري القارئ ماذا كان مني؟ سيضحك ولا شك حين أقول إني ظننتها «عفريتة» وتخلصت من عناقها وذهبت أعدو إلى بيتي!

ومضى عامان، وإذا بقريب لي ينتحر! وذهبت إلي بيته أعزي فماذا تظن؟ انتحر لأن فتاتي «حبيبتي» التي أراها كل يوم — مسافة عامين — أبى أبوها أن يزوجه إياها، وكان يحبها؛ ففقد أعصابه وانتحر!

ودار الفَلك، وسلوتُها كما سلوت غيرها، وإذا بي مرة في الترام أرى سيدة خيل إليَّ أني أعرفها، ومعها غلامان، وكانت تنظر إليَّ كما أنظر إليها، فتشجعت وسألتها: «هل بيننا معرفة؟»

قالت: «أظن.»

وعرفتني بنفسها وعرفتها بنفسي، فقلت لها: «هذان كان يمكن أن يكونا ولديَّ، ولكن الحظ جرى بغير ذلك، على كل حال أرجو أن تكوني سعيدة!»

وما زلت أرجو لها السعادة، وإن كنت لا أعرف اسمها، ولا مكانها، ولا شيئًا عنها.

رحم الله هذا الحب القديم! ما كان أحلاه على الحرمان والكبت!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.