«ما هي الشجاعة؟»

سؤال ألقيته على نفسي في ليلة صيفية مقمرة، وكنت على الشرفة أنعم بسجو الليل، ورقة النسيم الذي حسبه الشاعر يجيء بأنفاس الأحبة نُعَّمًا!! فتذكرت ما أُنْذِرْنَا به مرارًا من الغارات في الليالي المقمِرة وما اضطُرِرْنا إليه من إطفاء الأنوار وإغلاق الشبابيك والقعود انتظارًا لفرج الله وعفوه، وكيف أني كنت في تلك الليالي أتجلد وأتشدد وأتظاهر بالاطمئنان ورباطة الجأش وسكون الطائر، وأعالج تقصير الوقت الذي يطول ويطول حتى لكأنه يوم الحشر، بالحديث، وأمازح أهلي وأتفكه معهم لأسري عنهم وأذهب الرَّوع الذي لعله داخلهم من هول ما يسمعون عنه من وصف الخراب والدمار والقتل الذي تصبه الطائرات على الآمنين غير المحاربين والعُزَّلِ المسالمين. وكنت أقول لنفسي في أمثال تلك الساعات إذا كان الله قد كتب علينا شيئًا فلن ندفعه بالفزع والذُّعْر، ولَخَيْرٌ للمرء أن يكون من الصابرين، وحسبنا بلاء واحد حين يشاء الله أن ينزل وعسى ألَّا يشاء، فلا نضيف إليه بلاء آخر بالخوف والجزع مما نتوقع. وتنقضي فترة الغارة وأنا هادئ المظهر وتنطلق الصفارات مؤذِنَة بعَوْد الأمن والسلام، فأتشهد في سري، ويصيح الأولاد فرحين.

فهل هذا من الجبن؟ لقد كنت وأنا صبي صغير أخاف الظلمة وأشعر حين يطويني سواد الليل أن كابوسًا يجثم على صدري، فأستثقل الخروج أو السرى فيه، وكنت أراني أفزع إلى الله وأتلو بعض ما أحفظ من آيات الكتاب الكريم، وما أنزَل الله كتابه لهذا ولكني كنت أشعر بالاطمئنان ما دام لساني يدور بكلماته تعالى، ولا أحتاج أن أقول إني كنت أتوهم أن كل ركن مظلم فيه عفريت كامن متربص. ولم يكن خوفي من شيء بعينه، وما كان الموت يخطر لي على بال، ولا كان هذا الموت يبدو لي شيئًا مرعبًا حين يجري بخاطري، بل لعلي لم أكن أستطيع تصوره على نحو واضح أو مفهوم. وأذكر أن قريبة لي ماتت فلبست قفطانًا زاهيًا كانت أمي قد اشترته لي وسرَّتني به في عيد، ورحت أخطر فيه بين المُعَزِّين وأنا مغتبط بهذه الفرصة التي هيَّأت لي لبسه. وأحسب أن خوفي كان معظمه من الصورة المرعبة التي ارتسمت في أذهاننا نحن الصبيان لمناظر العفاريت، ومن قدرة هذه المخلوقات الجنية على مسخ الإنسان حجرًا أو حيوانًا أو طيرًا أو غير ذلك، ومن فقدان المرء نفسه التي عرفها وألفها بهذا المسخ.

وشببت عن الطوق شيئًا فشيئًا وبدأت أقرأ وأنظر وأفكِّر، وصرت رجلًا يؤدي عملًا ويعول أسرة، وفي عنقه أمانات، ولكن هذا الخوف القديم الصبياني من الظلام والشياطين بقي كامنًا في نفسي لا يزايلها، وإن كان قد وسعني أن أستره بالإرادة النامية، وجاءت الحرب الكبرى الماضية وظلت أخبار الهلاك والدمار تترى إلينا، أربع سنوات طويلات، وواجهت بعض الأخطار، فسكنت نفسي قليلًا، وأخذت تتبلد. ثم احتجت إلى سكنى الصحراء، وكانت المقابر في طريقي إلى البيت، واضطررت أن أعتاد السرى في الليل واجتياز مناطق الموتى في الظلام الدامس، والضرب في الصحراء ليلًا ونهارًا؛ فانقطع دابر الخوف من الظلمة والشياطين، وجاء نمو القدرة على التفكير السليم مساعفًا لفعل العادة.

وقد ربيت إرادتي، وتعهدتها بالرياضة، وألححت عليها باللُّجُمِ والأَعِنَّة، فقلما تخونني في المواقف التي يحسن فيها الجلد والاتِّزان، كائنةً ما كانت هذه المواقف، فالغضب أكتمه وأكبحه ولا أبديه، والحزن أطوي أضالعي عليه ولا أتركه يرتسم على وجهي أو تفصح عنه وتنطق به العين، والوجل أشعر بخفق القلب منه حتى لتكاد ركبتاي تصطكَّان، ولكني أعالجه حتى تنتظم أنفاسي وأفيء إلى السكون الظاهر، وهكذا في كل شيء.

وليس معنى هذا أني لا أضطرب ولا أقلق ولا أجزع ولا أفزع، وإنما معناه أني اكتسبت القدرة على إخفاء ذلك وحجْبِه عن العيون، وقد قلت إن الرياضة والتفكير ساعداني على ذلك ولكنَّ هناك عونًا آخر ومددًا قويًّا تلقيته من نفسي هو شعوري بذاتي، وهذا الشعور بالذات يمنعني أن أبدو على نحو يخجلني، أو أن أفعل ما عسى أن يكون فيه غضاضة أو ما من شأنه أن يحط من قيمة نفسي في نظري. ووكدي في كل حال — على قدر ما يدخل ذلك في طوقي — أن أجعل سيرتي في الحياة وفق الإرادة المثقَّفة، لا الشعور، ولا الغريزة، ولا أول ما يجري في الخاطر، ودأبي أن أحافظ على اتزاني ما وسعني ذلك، ولذتي أن أقهر نفسي وألزمها الحالة التي يقول لي عقلي إنها أولى بي وأحجى وأليق، وهذا كما أسلفت لا ينفي الاضطراب الباطني، وإنما يمنع أن يظهر الاضطراب؛ فثَمَّ معركة تدور في كل موقف من مواقف القلق والفزع والحزن وغير ذلك، وهَمِّي أن تنتصر الإرادة الذكية.

فإذا كانت الشجاعة كما يفهمها الناس فأنا أقل خلق الله شجاعة وأضألهم حظًّا منها، وإذا كانت «عادة» — وهو ما أفهمه منها — فإن نصيبي منها جزيل.

والواقع أن الشجاعة «عادة ورياضة» لا أكثر ولا أقل، وكل امرئ مما تعود كما يقول المتنبي، حتى الخير عادة كما يقول النواسي:

والمعول على النشأة والتربية والأحوال المحيطة بالإنسان في حياته، فالذي يعيش في صحراء جرداء لا ينتظر أن تكون للحياة عنده قيمة كقيمتها في نظر رجل ميسر الرزق موفور النعمة في بلد خصب كثير الخيرات. والأمة التي تضيق بها رقعتها تكون أكثر إقدامًا على الأخطار من أمة في بلادها من السعة والخير فوق الكفاية أو حتى الكفاية ليس إلا، وهكذا.

والحرص على الحياة لا علاقة له بالجبن أو الشجاعة؛ فإنه فطرة وطباع، إلا أن يكون المرء بليدًا أو غير مدرِك، والشجاع يحرص على حياته كحرص الجبان، والفرق بينهما في نوع الحرص لا في الحرص ذاته، والذي يتأخر استبقاء للحياة قد يكون أغبى وأسخف وأولى بأن يفقد ما يضن به ممن يتقدم ويقدم ويجازف، والمعول على الظَّرف والموقف ومطالبه، والرأي كما يقول المتنبي، قبل شجاعة الشجعان.

وليست الشجاعة بالإقدام وحده، بل أخص خصائصها الثبات والجلد والاتزان، وكثيرًا ما يكون الإقدام عن جهل أو قلة إدراك للخطر، أو وزن صحيح لما تنطوي عليه المجازفة، وهذا شبيه بإقدام الحيوان الأعجم الذي لا يدري على أي شيء يُقْدِم ولا يدرك ما هو متوقع، وليس لمثل هذا قيمة، وقد ضرب المثل بالأسد في الشجاعة، ولكنه ليس أشجع من سواه من الحيوان وإن كان فاتكًا، ولا فضل له في قدرته على الفتك؛ فمزية ما يسمى الشجاعة الثبات، ورُبَّ ثبات على بأساء كان أمجد من إقدام كتب له الفوز. وقوة النفس — أو إن شئت فقل عظمتها فما بي بُخْلٌ بهذا اللفظ — من مظاهرها القدرة على الاحتمال — احتمال الفوز واحتمال الخيبة على السواء — وربما كانت القدرة على احتمال الفوز أعظم من القدرة على احتمال الخيبة؛ لأن الفوز خليق أن يدير الرأس ويغري بالبطر والتجبر والخروج عن الطور ومجانبة الاعتدال وكبح النفس عن هذا ليس من الهينات.

فكرت في هذا وما إليه وأنا في الشرفة أنظر إلى السماء الصافية وأنعم بالليل المقمر، فانتهيت إلى أن الجبن أصل، وأعني بالجبن الإحجام عمَّا يدرك المرء بغريزته أو عقله خطره والرغبة في الفرار منه أو اتقاؤه — وأن الشجاعة اكتساب — وأعني بالشجاعة الصبر في مواقف الشدة والاحتمال والاتزان، وما يقال غير ذلك لا يعدو أن يكون كلامًا ألِفنا أن نلغط به بلا تفكير.

حاشية

ما كتبته عن الحب في الفصول السابقة لا يعدو أن يكون محاولة لتصوير ما أفهمه منه ومن حالاته، وشبيه بهذا أن يرسم مصوِّر صورة، ويقول هذا ما يتمثل لي حين أفكر في الحب، أو الحرية، أو غير ذلك. وأنا أشكر للصديق الأستاذ سيد قطب وغيره من الإخوان ما تفضلوا به من البيان لمناسبة ما كتبته، وما بعثوا به في رسائل خاصة ليست للنشر، وما يخلو كلام من مواضع للنظر، وأخشى إذا شرعنا في المساجلة أن نظل ندور حول موضوع واحد لا نفرغ منه ولا نتحول عنه، وهمي في هذه الفصول تدوين ما يجول بنفسي ولست أفرض رأيي على أحد، ولكل صاحب رأي احترامه الوافي عندي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.